الاستعمار والمقاومة…. والفنون!
سهيل كيوان

أثار عضو الكنيست يوعاز هندل من حزب (أزرق أبيض) ضجّة بتصريح له عبر مقابلة في صحيفة “هآرتس”، قبل أسبوعين، قال فيه إن هناك من أتوا إلى هذه البلاد من خلفية ثقافة أوبرا فيينا وأتى آخرون من ثقافة الدربوكة، وفي اللقاء ذاته وصف هندل الثقافة العربية “من حولنا” بأنها غابة.

ليس للفنون لدى أي أمة دالة بيانية ثابتة صعودًا أو هبوطًا، بل إنها قد ترتقي طورًا وتهبط في مرحلة أخرى، وهي انعكاس لواقع سياسي واجتماعي، وكلما كان النظام السياسي الاجتماعي أكثر انفتاحًا على الحريّة، كانت أبواب الإبداع مشرّعة أكثر فأكثر، والعكسُ صحيح.

كذلك فإن رقي الفنون لا يعني رقي السياسة، بل قد يكون العكس تمامًا.

في مجتمع النظام الدكتاتوري، تتراجع رسالة الفنون بحيث تصبح مهمة الفنانين مديح الطاغية وتبرير حكمه وأفعاله، ويربط الطاغية لقمة عيش الفنانين بمدى إخلاصهم الذي يتحول إلى نفاق.

قد يكون الدكتاتور كريمًا ويعي أهمية الفنون، فيبذل المال الكثير والجوائز للفنانين ودور الفن ومؤسساته، ولكنه يبذلها لتمجيده، وكل هذا ينهار في دفعة واحدة عند انهيار الطاغية ولا يبقى له ذكر.

مهما تسامت الفنون في ظل الدكتاتوريات تبقى محصورة ومتقزمة، لأنها لا تستطيع نقد النظام برمّته، وإن سُمح لها بنقد صغار الموظفين، لكنها لا تقترب من الجوهر.

في حقبة جمال عبد الناصر ازدهرت الأغاني القومية التي كانت تشحن الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج بما يكمّل طموح القائد، والتي اشترك في أدائها عدد كبير من الفنانين، مثل أغنيات “الوطن الأكبر” و”صوت الجماهير” وغيرها.

كانت الحرب الاستعمارية الشرسة على مصر وجمال عبد الناصر والمنطقة قد وحّدت الجهود الفنية للمقاومة، ولهذا فإن الفنون لم تكن ناقدة للنظام، لأن النقد يتطلب مساحة أكثر من الاستقرار والرخاء الاجتماعي، ورغم نظافة يد جمال عبد الناصر، رحمه الله، وهذا ما ثبت بعد رحيله المفاجئ، إلا أن طبيعة وتركيبة النظام كرّست شخصيات وصولية من حوله استبدت بالشعب وموارده، علما أن الشعب كان يحب عبد الناصر حقيقة وليس خوفًا، وثبت هذا عند هزيمة حزيران عام 1967 عندما أعلن تنحيه عن السلطة وخروج ملايين المصريين بشكل عفوي لإعادته إلى السلطة.

الموسيقى الغربية ليست كلها سيمفونيات موتسارت وبيتهوفن وشتراوس وهايدن وهندل وتشايكوفسكي وغيرهم، هناك أيضًا موسيقى غربية تافهة تعتمد على إيقاع الدرامز الصاخب، وعلى الفِرجة الجسدية على نمط هيفا وروبي، منها ما هو مستساغ ومنها ما هو موسمي تافه، إلا أن حرية الإبداع في الغرب منحت الفنون فضاءات لا حدود لها.

الموسيقى الشرقية ليست فقط الدربوكة وهز البطن، والعرب والمغاربة والشرقيون ليسوا أبناء ثقافة الدربوكة فقط.

الموسيقى في المنطقة العربية هي خليط من عدد كبير من الحضارات العريقة أهمها الفارسية والتركية والكردية والعربية والإفريقية والأندلسية وتأثيرات يونانية وأوروبية.

قبل أيام شاهدت شريطا نشرته صديقة على الفيس بوك تشارك فيه حوالي 200 عازفة قانون في يريفان عاصمة أرمينيا في أداء رائع، هذا عزف شرقي أيضا، والقانون بالمناسبة اختراع وتصميم الفيلسوف والطبيب أبي نصر الفارابي قبل أكثر من 1250 سنة وما زال القانون على شكله وعدد أوتاره الأول. سبق الفرنسيين بخمسة قرون في استعمال الآلات الوترية المركّبة.

عرف الفارابي والرازي والكِندي العلاج بالموسيقى، وحدّدوا مقامات لشتى أنواع الأمراض وخصوصا الأمراض النفسية.

هناك فرق موسيقية تركية وإيرانية والعربية فيها من الأنغام والأداء ما يعجز اللسان من التعبير عنه.

في العصر الحديث تعتبر أم كلثوم والعظماء الذين لحنوا وكتبوا أغانيها قمّة الموسيقى العربية المعاصرة، وبإمكان كل عربي أن يفخر بهذا التراث. إضافة إلى مساهمات كبيرة لفريد الأطرش والرحابنة، وغيرهم من فنانين في سورية والعراق والمغرب العربي والخليج العربي في العقود الأخيرة.

يفتقد السياسيون للموضوعية عندما يتحدثون عن خصومهم أو أعدائهم.

هناك رغبة عميقة لدى الساسة الصهاينة الغربيين في الحط من قيمة الفنون والآداب والتعبيرات الحضارية لدى منافسيهم الشرقيين عمومًا، ولدى العرب بشكل خاص، بهدف منح أنفسهم شعورًا بالتفوق الطبيعي على الأجناس الأخرى، وهذه عنصرية متأصلة، ثم تكريس الشعور بالنقص لدى العرب والشرقيين بإزائهم.

لو قارنا السينما والموسيقى والمسرح المصري بالإسرائيلي، لرأينا أن هذه الفنون الإسرائيلية لا تشكل خمسة بالمئة مقارنة بقوة وغزارة ونوعية السينما والمسرح والموسيقى المصرية إن لم يكن أقل.

إضافة إلى هذا، فدار الأوبرا في مصر أنشئت منذ عام 1870، قبل وضع حجر الأساس لتل أبيب بأربعة عقود. وحتى أوركسترا القاهرة السمفوني أنشئت عام 1959 قبل أوركسترا باريس بتسع سنوات، وهناك عدد من الفرق الموسيقية الكبيرة في مصر التي لا تقل شأنا عن الفيلهارمونيات عبر العالم، مثل الفرقة الماسية تأسست عام 1950 وفرقة الموسيقى العربية 1967، ولكنها ذات طابع شرقي أصيل، وكي أكون متحضّرًا ليس لزامًا علي أن أتذوق الأوبرا الغربية، فللشرقيين أذواقهم الخاصة. أنا شخصيا لا أحب الأوبرا مثلا، ولكنني أستمتع بموسيقى تشايكوفسكي.

الموسيقى المتقدمة ليست ضمانة للعدل وليست ضمانة لمشاعر إنسانية أعمق.

روائع فاغنر الموسيقية التي عشقها هتلر لم تمنعه من إبادة الملايين من أبناء الجنس البشري.

روائع الموسيقى الغربية لم تمنع حربين عالميتين، ولم تمنع استعمار الشعوب الفقيرة وسحقها وإبادتها حتى يومنا هذا.

الروائع الموسيقية الأميركية لم تمنع العدوان الأميركي المتواصل على الشعوب العربية وعلى شعوب العالم لدرجة الإبادة الجماعية.

الساسة القادمون من أوبرا فيينا وبراغ وهامبورغ ونيويورك وبطرسبورغ ومولدافيا، هم الذين يتنافسون على احتلال شعب آخر واغتصاب أرضه وحقوقه بقوة السلاح، وبهمجية لا يمكن أن تراها إلا في قناة ناشيونال جيوغرافيك، وبلا شرف كما تفعل الضباع والذئاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى