الاقتصاد الأميركي ينكمش ويضع ترامب في مأزق

السياسي – بينما يسابق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الزمن لإحياء الاقتصاد وإعادته لانتعاشه الذي سبق ظهور فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، باعتباره أهم دعائم حملته لانتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الرئاسية، لا تبدو الطريق أمامه ممهدة، حيث ازدادت المخاوف من التعرض لموجة جديدة من انتشار الفيروس، مع ارتفاع حالات الإصابة، وزيادة عدد الوفيات تأثراً به خلال الأسابيع الأخيرة، بينما لم يتبق على موعد الانتخابات أكثر من تسعين يوماً.

وبعد انتعاش مفاجئ للوظائف مع الفتح الجزئي لعدد كبير من الشركات والمصانع خلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، ظهرت مرة أخرى القيود على الأنشطة التجارية، وفُرضت قواعد شديدة الصعوبة على التنقل بين العديد من الولايات الأميركية، وتراجعت ثقة المستهلك. ويوم الخميس الماضي، أظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية تسجيل الاقتصاد الأميركي تراجعاً غير مسبوق خلال الربع الثاني من العام الحالي، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي 32.9% مقارنةٍ بالربع السابق، بعدما أغلقت المصانع والمحال والشركات أبوابها، وحُبس ملايين الأميركيين في بيوتهم، في محاولة للحد من انتشار الفيروس الذي أصاب أكثر من أربعة ملايين وستمائة ألف شخص في الولايات المتحدة، وقتل منهم أكثر من مائة وخمسين ألف أميركي.

وأكدت بيانات وزارة التجارة الأميركية أن التراجع القياسي نتج عن انخفاض الإنفاق الاستهلاكي، بعدما فقد أكثر من 50 مليون شخص وظائفهم، وأغلقت المطاعم والمقاهي والحانات أبوابها، وتراجعت إيرادات الفنادق وشركات الطيران والمسارح والفنادق بصورة غير مسبوقة. وقالت ديان سونك، كبيرة الاقتصاديين في “غرانت ورنتون”، إحدى أكبر شركات المحاسبة في العالم: “هذا أكبر تراجع للناتج المحلي الأميركي في سبعين عاماً”، أي منذ بداية تسجيله أواخر الأربعينيات من القرن الماضي.
وقبل أيام توقع لاري كادلو، كبير المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض، نمو الاقتصاد خلال الربعين الأخيرين من العام بنسبة تتجاوز عشرين بالمائة، وأيد العديد من الاقتصاديين توقعاته الخاصة بالربع الثالث، وإن تحفظوا على توقعات الرابع. ورغم الدخول في الشهر الثاني من الربع الثالث، لا يزال أكثر من 17 مليون أميركي يحصلون على تعويضات البطالة من ولاياتهم، وبدعم كبير من الحكومة الفيدرالية.
ولا يبدو أن بنك الاحتياط الفيدرالي يوافق مستشار البيت الأبيض تفاؤله، حيث أعلن رئيسه جيرومي باول، يوم الأربعاء الماضي، في ختام اجتماعات البنك على مدار يومين، تثبيت معدلات الفائدة عند مستوياتها الصفرية، مستبعداً مجرد التفكير في رفعها قريباً، ومؤكداً أن “الاقتصاد الأميركي أمامه طريق طويل نحو الانتعاش، وهو ما يتطلب يقظة أكبر من المواطنين لمنع انتشار الوباء، مع اعتماد المزيد من الإنفاق من الكونغرس والبيت الأبيض”.
وانخفض الإنفاق الاستهلاكي الأميركي، الذي يساهم بأكثر من ثلثي الناتج المحلى الإجمالي الأميركي، والذي يعتبره الاقتصاديون الأميركيون أهم العوامل التي ساهمت في استمرار انتعاش الاقتصاد على مدار السنوات الإحدى عشرة السابقة، رغم المدفوعات النقدية الكبيرة، وتعويضات البطالة السخية، التي أغدقتها الحكومة الأميركية على المواطنين.

ومع قلقهم من فقدان وظائفهم، وعدم التيقن مما ستكون عليه الحال خلال الأشهر القادمة، وجه المواطنون نسبة كبيرة مما حصلوا عليه من الحكومة إلى سداد مديونية بطاقات الائتمان الخاصة بهم، لينخفض إجمالي المديونية على الأفراد الأميركيين خلال الأشهر الأربعة المنتهية آخر يونيو/ حزيران الماضي بأكثر من 100 مليار دولار، تمثل ما يقرب من 11% مما كانت عليه في شهر فبراير/ شباط الماضي، وفقاً لشركة إكويفاكس، إحدى أهم شركات التصنيف الائتماني للأفراد في الولايات المتحدة. ويقول بيتر ماينارد، النائب الأول لرئيس الشركة: “لم نر ارتفاعاً في مديونية المستهلكين كما كنا نتوقع مع الأزمة الحالية، بل على العكس، ما يحدث هو أن المديونيات في انخفاض”.
وعلى عكس مديونيات الأفراد سارت مديونية الحكومة الأميركية، التي تجاوزت الشهر الماضي 26.5 تريليون دولار للمرة الأولى في تاريخها، بعدما تحملت مبالغ ضخمة في ما عرف بحزمة إنقاذ الاقتصاد الأميركي التي أطلقتها وزارة الخزانة وبنك الاحتياط الفيدرالي، والتي وصلت بعجز الموازنة المتوقع عند نهاية السنة المالية في آخر سبتمبر/ ايلول القادم لمستوى قياسي يتجاوز 3.8 تريليونات دولار، وفقاً لمكتب الموازنة التابع للكونغرس الأميركي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى