الاقتصاد العالمي في 2020.. الانهيار أم الانطلاق؟

قبل أيام من بدء العام الجديد 2020 بدأت الدوائر الاقتصادية والأوساط المالية العالمية، تترقب التطورات المحتملة للاقتصاد العالمي، بين مؤشرات التفاؤل بنمو اقتصادي يتجاوز مناخ الركود وينطلق بعيدا عن دوامة الأزمات والانهيار.. وبين مؤشرات التشاؤم  بتوقعات أزمات مالية عالمية، استنادا إلى ان دورة الاقتصاد تتكرر، وبما أن الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة وقعت قبل أكثر من 10 سنوات، فإن العالم  ينتظر أزمة اقتصادية وشيكة، وفقا للعديد من الخبراء.. وتناولت الباحثة الروسية، يلينا تريغوبوفا، ما ينتظر الاقتصاد العالمي في 2020. سواء العوامل التي تدفع نحو أزمة  اقتصادية، أو العوامل التي تحد من احتمال حدوثها.

 

المؤشرات الإيجابية سوف تستمر في الصعود عام 2020
ويرى رئيس مجلس خبراء لجنة الاتحاد الروسي للصناعيين ورجال الأعمال لشؤون السياسات الصناعية، موسى فورشيك، أن العامل الأكثر وضوحا، والذي بإمكانه أن يبطئ من نمو الاقتصاد العالمي عام 2020 هو الحرب التجارية التي يحاول الرئيس الأمريكي شنّها، دون نجاح واضح، على الصين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في التجارة الدولية، وبالتالي إلى انخفاض في إجمالي الاستهلاك العالمي.. والعامل الثاني هو التوقعات النفسية المتنامية باستمرار لنهاية النمو غير المسبوق للاقتصاد العالمي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الإقراض والاستثمار والاستهلاك، حيث يتخذ عدد من المؤسسات الاقتصادية الفاعلة مواقف وإجراءات حذرة بشكل متزايد.

 

من ناحية أخرى، فإن المؤشرات الإيجابية سوف تستمر في الصعود عام 2020، حيث ستدخل مجموعة واسعة من البلدان النامية لتلحق بالصين، فضلا عن جهود إلغاء القيود التنظيمية من قبل عدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا، ما سوف يدعم النمو الاقتصادي العالمي.
تباطؤ اقتصادي وليس أزمة عالمية
وبقول رئيس مجلس الخبراء «فورشيك»: بشكل عام، من غير المتوقع أن ننتظر أزمة عالمية، وأقصى ما ننتظره هو تباطؤ في الاقتصاد العالمي إلى مستوى 2.5% عام 2020، وذلك ليس أمرا سيئا للغاية. قد يؤثر ذلك في المقام الأول على اقتصادات الدول التي تعتمد على المواد الخام، حيث أن أسعار المواد الخام في مثل هذه الحالة عادة ما تنخفض. لكن معظم هذه الدول، بما فيها روسيا، لديها احتياطيات كبيرة تسمح لها بالبقاء على قيد الحياة من التدهور المؤقت للوضع الاقتصادي دون عواقب وخيمة.

 

احتمال قائم بحدوث أزمة اقتصادية عالمية
زمن جهة أخرى.. يرى الأستاذ المساعد بقسم أسواق الأوراق المالية والهندسة المالية بكلية الاقتصاد والمصارف التابعة لأكاديمية العلوم الروسية، سيرغي خيستانوف، أن العوامل التي يمكن تضعف الاقتصاد العالمي معروفة منذ زمن بعيد، وهي في المقام الأول الحروب التجارية، وارتفاع مخاطر الائتمان حول العالم، ولكن بشكل أساسي في الصين..وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن تحديد وقت محدد لاندلاع أزمة اقتصادية جديدة، أو بتعبير أقل حدة «ركود جديد»، بدقة عالية، حيث أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على ذلك، بما في ذلك قرارات بعض السياسيين، ومع ذلك يمكننا أن نقرر بثقة أن دورة النمو الحالية للاقتصاد العالمي تقترب من نهايتها، وهو ما يزيد بشكل كبير من احتمال حدوث أزمة، أو تباطؤ حاد في الاقتصاد عام 2020. وأسوأ وضع في الاقتصادات العالمية سوف يكون من نصيب جنوب شرق آسيا، بينما سيكون الوضع أفضل في الدول المتقدمة، ولكن بسبب عولمة الاقتصاد العالمي، فإن الجميع سوف يتأثر بدرجة ما.

 

الوضع الاقتصادي العالمي سوف تحدده الانتخابات الأمريكية وبريكست
ويطرح الخبير في معهد تطوير تقنيات الطاقة، سيرغي أليخشكين،  رأيا ثالثا بالقول: إن الوضع الاقتصادي العالمي سوف تحدده الانتخابات الأمريكية وبريكست الذي سيفاقم من زعزعة استقرار أوروبا. فإعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية سوف تعمق الحروب التجارية، وتدمر الأحلاف التجارية الموجودة الآن، وهو ما سيؤثر سلبا ليس فقط على اقتصاد الولايات المتحدة، وإنما على الاقتصاديات الرائدة في العالم ككل، حيث ستتأثر الصين وأقرب جيرانها في محيط منطقة آسيا والمحيط الهادئ، كما سوف يسهم عدم الاستقرار في الغرب والسياسة الأمريكية التي لا يمكن التنبؤ بها في تقويض النمو الاقتصادي الأوروبي.وعلى هذه الخلفية، سوف تنال روسيا نصيبها من هذه الهزات الاقتصادية، إلا أن معظم المؤسسات الاقتصادية العالمية وأكبر المنظمات المالية تتنبأ باستقرار ونمو، ولو ليس كبيرا، للاقتصاد الروسي.

 

وفي قطاعي النفط والغاز، وعلى الرغم من الاتجاه العام على مدى العشر سنوات القادمة هو بداية التباطؤ في الطلب على النفط لأول مرة في تاريخه الممتد عبر 150 عاما، إلا أن التنبؤات هنا تبدو إيجابية على الأرجح بالنسبة لعام 2020. لقد ظلت أسعار النفط لعام 2019 مستقرة نسبيا، حيث تقلب سعر البرميل الواحد من خام برنت حول مستوى 60 دولارا. وفي عام 2020 من المتوقع أن يستمر تأثير العوامل الرئيسية التي حددت موازين العرض والطلب في سوق النفط العالمية لعام 2019، وهي معدلات نمو الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية والاتفاق بموجب اتفاق «أوبك + »، وعلى الرغم من أن خبراء النفط في وكالة معلومات الطاقة الأمريكية يتوقعون انخفاضا في أسعار النفط أوائل العام 2020، إلا أن متوسط القيمة السنوية لسعر برميل النفط خام برنت سيظل عند مستوى 60.5 دولار.
من المرجح أن تبدأ الأزمة المالية والاقتصادية العالمية عام 2020
احتمال قائم تطرحه الأستاذة المساعدة بقسم الشؤون المالية والاقتصادية الدولية بجامعة الاقتصاد الروسية، فاليريا مينيتشوفا، بأنه من المرجح أن تبدأ الأزمة المالية والاقتصادية العالمية عام 2020، وهو ما يحدده عدد من العوامل: أولا.. نذكر أن الأزمة السابقة وقعت بين عامي 2008-2009، وقد مر 11 عاما، وهي المدة المتوسطة لدورة الاقتصاد، بين الهزات الاقتصادية العالمية..وثانيا: تعززت الاتجاهات الحمائية حول العالم في التجارة المتبادلة بين اللاعبين التجاريين الرئيسيين في العالم، حيث تصاعدت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، والعقوبات الموقعة على أكبر الشركات العالمية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية (مجموعة بوينغ مثلا)، والعقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي، ودول كومونولث التاج البريطاني، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، على روسيا.

 

في الوقت نفسه تباطأت وتيرة الاقتصاد العالمي، وهو ما تؤكده بيانات البنك الدولي، ففي عام 2017، بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.16%، وفي عام 2018 بلغ 3.04%، وأما في عام 2019 فمن المتوقع أن يكون أقل من 3%
مؤشرات ركود مستقبلي
تجدر الإشارة هنا إلى أن ديون الشركات في جميع أنحاء العالم تنمو وتقترب من مستوى 19 تريليون دولار، بينما تقترب ديون الحكومات إلى 80 تريليون دولار، وهو ما يمثل حوالي 115% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي أن الإنتاج العالمي لن يوفر إجمالي الدين الخارجي للبلدان. على سبيل المثال تبلغ احتياطيات الذهب في جميع دول العالم 34.5 ألف طن نهاية عام 2019. بالإضافة لذلك، تجاوز العائد على السندات الأمريكية قصيرة الأجل العائد على السندات طويلة الأجل، وهو عادة ما يكون إشارة على ركود مستقبلي.

 

وتضيف دكتورة «فاليريا مينيتشوفا»: يكفي لاندلاع الأزمة إعلان عن توقف الشراكة بين شركاء دوليين، أو توقف صندوق استثماري عن متابعة استثماراته الخارجية، لنكون بصدد ركود يمكن مقارنته بسنوات 2008-2009، أو حتى بالركود العظيم في الثلاثينيات من القرن الماضي.

 

تباطؤ الاقتصادات المتقدمة..وارتفاع نمو الاقتصادات الناشئة
بينما يرى المستشار العلمي لحاضنة الأعمال بجامعة الاقتصاد التابعة للحكومة الروسية، إيليا بوتورلين، أن الاقتصادات المتقدمة سوف تتباطأ إلى 1.7% في عام 2020، وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي، بينما يتوقع أن يرتفع معدل نمو الاقتصادات والأسواق الناشئة إلى 4.6%. ويرتبط حوالي نصف هذه الدينامية بانتعاش النمو أو ركود أقل حدة في دول الأسواق الناشئة، التي عانت من أزمات مثل تركيا والأرجنتين وإيران. وترتبط البقية باستعادة النمو في البلدان التي انخفض فيها معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير عام 2019، مثل البرازيل والمكسيك والهند وروسيا والمملكة العربية السعودية، وهو ما يعني أن النمو الاقتصادي المتوقع لا يمكن إلا أن يسمى انتعاشا بعد هبوط الأسواق المالية في الفترات السابقة.

 

وإذا كانت القوى العالمية قد تغلبت على الأزمة الاقتصادية السابقة، فإن النموذج الحالي للأزمة قد يمثل اختلالا في أكبر الاقتصادات، وقد يؤدي إلى توتر في العلاقات التجارية والتكنولوجية..وعلى سبيل المثال، فإن فرض قيود من جانب الولايات المتحدة الأمريكية على التجارة مع شركات التكنولوجيا الصينية، ووضع اليابان وكوريا إجراءات أكثر صرامة فيما يتعلق بالصادرات واتخاذ احتياطات ضد مخاطر«البريكزيت القاسي»، تشير بوضوح إلى انخفاض فرص تحقيق أي نتائج إيجابية في 2020.
مؤشرات يمكن أن تبقي الاقتصاد العالمي متماسكا
من جانبه يرى أستاذ جامعة موسكو للاقتصاد، ماغوميت ياندييف، أن الشيء الرئيسي هو أن دول أوبك والدول التي انضمت إليها قد تعلمت التفاوض، وفي عام 2020 سوف يظل سعر النفط مستقرا عند المستوى الحالي، ولن تكن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية ساخنة كما يخشى الجميع، وسوف تبقى العلاقات الاقتصادية على نفس المستوى الذي كانت عليه.أما الوضع بشأن كوريا الشمالية فلم يعد متوترا، والوضع في سوريا بطيء، لكنه في طريقه للاستقرار، لكن الدولة لم تعد مصدرا عالميا للاجئين، وهناك استثمارات روسية متزايدة في دول أفريقيا وآسيا، وهي مؤشرات يمكن أن تبقي الاقتصاد العالمي متماسكا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى