الانتخابات الإسرائيلية: تعددت المسامير والنعش واحد
صبحي حديدي

الثالثة، بدورها، برهنت أنّ الاستعصاء سيّد الحال في انتخابات الكنيست الإسرائيلية، وذلك رغم نجاح بنيامين نتنياهو في الوصول بتكتله الليكودي والديني والاستيطاني إلى 58 مقعداً؛ ورغم تكبّد خصمه بني غانتس، زعيم تكتل “أزرق ــ أبيض” خسارة جلية، والمراوحة عند 33 مقعداً. ثلاث جولات انتخابية تُنذر برابعة قد تكون وشيكة، والمشهد منذ الأولى يعيد إنتاج معطيات مماثلة، تقريباً، على صعيد حال الأحزاب والتكتلات والمناورات والصفقات؛ ولعلّ الفارق الأبرز المستجدّ هو نجاح “القائمة المشتركة” الفلسطينية في بلوغ سقف الـ15 مقعداً.

طريفة، والحال هذه، متابعة السجالات الداخلية التي تمخضت عنها الجولات الثلاث، لجهة تقارب الكثير من تفاصيل الخطوط العامة للسياسات، بين يمين ووسط ويسار، سواء حول السلام مع الفلسطينيين، أم الاستيطان، أم الهوية اليهودية للدولة، أم تحنيط (والبعض يتحدث عن دفن) أركان كبرى في فلسفة الدولة الصهيونية؛ فضلاً، بالطبع، عن الطارئ الأطرف: كيف يمكن لرجل يخضع اليوم لثلاثة اتهامات فاحشة، الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، أن يشكل الحكومة؟ وأية حصانة هذه التي يمكن لصناديق الاقتراع أن تمنحها، فوق القانون وبالدوس عليه، لمتهم يعتبر إحالته على القضاء مؤامرة على شخصه، وانقلاباً؟

يلفت انتباهي، شخصياً، السجال الذي ينخرط فيه بعض ديناصورات “اليسار” الإسرائيلي، في أطلال حزب “العمل” و”ميرتس” بصفة خاصة؛ ليس بصدد تفسير قدرة نتنياهو على مواجهة الناخب الإسرائيلي تسع مرّات، والبقاء في السلطة أكثر من دافيد بن غوريون نفسه؛ وليس، كذلك، نجاحه في استقطاب الحشود رغم الزمن المديد والسجلّ المشين، إلى درجة حيازة لقب “الساحر” تارة و”ملك إسرائيل” تارة أخرى؛ بل، في المقام الأوّل، تمكّنه من تفكيك جبهات خصومه تباعاً، سواء ضمّت كبار متقاعدي الجيش من الجنرالات، في “أزرق ــ أبيض” مثلاً، أم كبار متقاعدي الأحزاب التي تصدّرت طويلاً هرم السياسة والحكم في دولة الاحتلال.

لافت، في هذا الصدد، ذلك المزيج من نبرة الرثاء وطغيان النوستالجيا الذي طبع تعليق يوسي بيلين، أحد كبار مخضرمي “العمل” وصاحب مشروع التسوية الشهير الذي كان إحدى النُسخ الأولى المبكرة عن “صفقة القرن” الراهنة، على جولة الانتخابات الثالثة: “النتيجة المتواضعة التي حققتها القائمة المشتركة للعمل وغيشر وميرتس محزنة”، ولكنّ “الفكرة حية ترزق عندنا وفي العالم أيضاً”. إنها، عنده، “الأفكار التي وضعها العمل وميرتس وقبلها الجمهور الغفير كأمور مسلّم بها”، في المجال الاقتصادي الاجتماعي؛ وكذلك ــ يا للعجب! ــ أنّ “حلّ الدولتين أصبح حجر الزاوية في خطة ترامب”!.

وذات يوم، حين انشقّ إيهود باراك عن “العمل”، وشكّل حزباً جديداً باسم “عتسمؤوت” بذريعة أنّ الحزب الأمّ “انزلق إلى أقصى اليسار” وأخذ يعتنق “أفكاراً ما بعد حداثية وما بعد صهيونية”؛ وأنّ الحزب الجديد سوف يكون “صهيونياً ديمقراطياً”، يهتدي بـ”وثيقة الاستقلال”؛ لم يكن الجنرال المكلل بالأوسمة يتحدّث عن دولة الاحتلال التي على الأرض، بل تلك التي في سماء الاستيهام، حيث الصهيونية صافية نقيّة متجمدة عند برهة استقلال خالدة، من المحال أن تعقبها أحقاب ما بعد صهيونية، فكيف بأخرى ما بعد حداثية!

والحال أنّ انشقاق باراك كان أحد آخر المسامير التي واصل نعش “العمل” انتظارها، قبيل التشييع إلى مقبرة السياسة في صياغاتها الإسرائيلية المعاصرة. لكنّ النعش مسجىً أمام ناظريه، منذ التحاق شمعون بيريس بصفوف “كاديما”، وهرولة باراك نفسه للانضمام إلى حكومة نتنياهو يومذاك. وإذا شاء المرء توسيع المشهد لكي يشمل الفصائل الأخرى في ما يُسمّى “اليسار” الإسرائيلي، شهدت “ميرتس” مصائر مطابقة حين استولى عليها يوسي ساريد، فأفرغها من تسعة أعشار توجهاتها الاجتماعية ذات الطابع اليساري العلماني، وردّها إلى أسفل سافلين في ما يخصّ برامجها حول السلام مع الفلسطينيين.

تتعدد المسامير، إذن، ذات اليمين وذات اليسار وذات الوسط؛ الأمر الذي لا يبدّل الكثير في جولات انتخابية تحتدم وتتعاقب، والنعش واحد مسجى… أمام صندوق الاقتراع!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى