الانتخابات اللبنانية وفرصة الخلاص الأخيرة
أورنيلا سكر

بات هناك أمر واقع أصبح لبنان أمامه اليوم، إمّا أن يتمّ إنقاذ ما تبقى من لبنان، وإمّا كما قال جان إيف لودريان وزير خارجية فرنسا: إنّ لبنان مقبل على الزوال، وأعتقد أنّه إذا لم يتدارك الشعب اللبناني، سواء في الخارج أو في الداخل، هذه الفرصة الأخيرة التي يوفرها الاستحقاق الانتخابي لإنقاذ لبنان ممّا هو عليه من هيمنة أهل الظلام، وانتشاله، فهو حتماً سيكون في طريقه نحو الزوال، فلم يعد هناك أيّ مجال للترقيع، أو تجريب الخيارات التي طرحت في السابق وأثبتت فشلها، فنحن الآن لم نعد نستطيع أن نراهن على الوقت والأسباب والمسببات، هذا المبدأ يجب أن نتخلى عنه في لبنان، وأن نفكر تجاه التصويت نحو ما يخدم المشروع الوطني، ويكرس قيم الدولة الوطنية من أجل حماية كيان لبنان من الانهيار.

هذا الاستحقاق التاريخي يأتي من أجل حماية وجودنا، ذلك أنّ هناك بعض الأطراف المهمشة في لبنان أصبح وجودها بالفعل مهدداً، وهنا أقصد الواقع المسيحي بالدرجة الأولى، وهناك الوحدات العلمانية التي تطرح منظومة مختلفة عن منظومة الفساد والاستغلال والتعبئة وغسل الدماغ القائمة، والتي أغرقت البلاد في مشاريع لا تخدم مصلحتها، في ظل وجود عدة متغيرات، أبرزها متغير التطبيع الذي بات يفرض منطلقاته على المنطقة العربية، وكذلك مسألة تنظيم داعش الذي لم ينته؛ لأنّه يرتبط بمسألة عقائدية، سرعان ما سوف تعود بنا إلى المربع الأول، فهي منظومة وظيفية تعيد إنتاج نفسها باستمرار، وفق أجندات القوى الراعية.

حزب الله أعاد رسم خريطة منطقة بلاد الشام لصالح إيران وأجندتها التوسعية، على حساب الوجود السنّي، وهذا ما بدأنا نلمسه في لبنان، على مستوى عزل السنّة من السياسة، وتهميش دور القوى السنيّة
ويمكن القول إنّ حزب الله أعاد رسم خريطة منطقة بلاد الشام لصالح إيران وأجندتها التوسعية، على حساب الوجود السنّي، وهذا ما بدأنا نلمسه في لبنان، على مستوى عزل السنّة من السياسة، وتهميش دور القوى السنيّة.

ليس هناك حتى الساعة أيّ مشروع سياسي حقيقي يمكن أن ينقذ لبنان من هذا الانسداد السياسي المأزوم، لا من جهة الأزمة الأساسية المركزية، وهي سلاح حزب الله، فلا أحد يجرؤ على طرح ترتيب مرحلة انتقالية لتفكيك ترسانة حزب الله، وكذلك لم يُطرح إلى الآن مشروع واضح حول مسألة ترسيم الحدود، ومساعي استخراج الطاقة، ولم نسمع أيّ جواب واضح تجاه مسألة اللاجئين، وملف الوجود السوري والفلسطيني في لبنان، وهو ملف له تداعيات خطيرة على البنية الديموغرافية في البلاد، هذه نقطة، والنقطة الأخرى أنّه لا يوجد مشروع حول شكل النظام السياسي، الذي عليه أن ينقل لبنان على المستوى الاقتصادي، ويعالج الأزمة المصرفية، والمسألة النقدية، واختصاراً، فإنّه لا يوجد أيّ طرح لمشروع واضح المعايير، لمعالجة هذه الأزمات التي ضربت لبنان بعنف في أعقاب ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر)، وانفجار مرفأ بيروت، ولم يسعَ أحد لتقديم رؤية واضحة للملف القضائي، سوى توجيه الاتهامات بالخيانة.

اليوم، نحن أمام الاستحقاق الانتخابي الأهم؛ من أجل مساعدة لبنان على عبور هذا النفق المظلم، واختيار الجهة المناسبة، والقادرة على انتشال البلاد من أزمات الراهن، وإن كنت أرى أنّ النظام الانتخابي الفرنسي، كان هو الأفضل للنموذج اللبناني، حيث يطرح المرشحون برامجهم، ويتلقون التساؤلات في وضوح، ويتبارز المتنافسون أمام الناخبين، ولكن للأسف فإنّ هذه الشفافية لا تحصل في بلداننا لعدم تقبل النقد والرأي الآخر.

على الناخب أن يتخلص من السلبية، وينفض جملة الأفكار والإيديولوجيات الضيقة، من أجل مستقبل سوف تتحدّد بناء عليه طبيعة الحياة على كافة المستويات
إنّ مسؤولية ما يجري في لبنان تقع الآن على عاتق الناخب، فهو وحده يحمل مسؤولية اختياره، والذي سوف ينعكس بالضرورة على ملفات البلاد الشائكة، وأزماتها المزمنة، فقط على الناخب أن يتخلص من السلبية، وينفض جملة الأفكار والإيديولوجيات الضيقة، من أجل مستقبل سوف تتحدّد بناء عليه طبيعة الحياة على كافة المستويات.

هناك أمل، إذا بدأنا في وضع أول حجر أساس في هذا المسار المعقد، وتلمّسنا الوعي عند الجماهير، وهذا لا يكفى إن لم تكن هناك إرادة في التغيير، من الممكن أن نطلق الأحكام، لكنّني أؤمن بالخلاص والأمل بصفتي مسيحية، فالخلاص هنا أشبه بقيامة لا بدّ أن تكون قريبة.

ويمكن القول إنّ المواطن اللبناني بات الآن في امتحان، فالربّ يمتحننا في مسألة وطنية ملحّة، واللبناني يعي الآن أهمية قراره للتأثير في مسارات الواقع المتردي على كافة المستويات، ولا بدّ في بداية الطريق من وضع الأسس والمعايير السليمة لبناء الوطن، والتي تبدأ بالتصويت الصحيح، الذي عوّل عليه الدكتور سمير جعجع، فإذا اخترنا الشخص المناسب والجهة المناسبة، فسوف نصل بالضرورة إلى برّ الأمان؛ لأنّ بقاء الأمر كما هو عليه أصبح مستحيلاً.

( أورنيلا سكر، صحافية لبنانية متخصصة في الدراسات الاستشرافية والعلاقات الدولية، رئيسة موقع أجيال القرن 21)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى