الانتخابات بين القول والفعل
بقلم  نبيل عمرو * 

كثر الحديث عن الانتخابات العامة، ودائما اضع يدي على قلبي خوفا، فمنذ آخر انتخابات عامة جرت في بلادنا وحتى يومنا هذا كانت كثرة الحديث عن الانتخابات بديلا عن الإجراءات العملية التي وحدها من يجعل الانتخابات حقيقة وليست مجرد دعوات يتطلبها السوق السياسي والمساجلات الفصائلية.

الانتخابات العامة لا تحتاج الى حوار ثنائي بين فتح وحماس ولا وطني شامل كما تطالب الفصائل دائما، لأن الانتخابات اذا ما كانت جدية فهي تحتاج الى امر واحد هو القرار السياسي الذي يحدد الموعد، واذا لكان لا بد من تشاور فمع لجنة الانتخابات المركزية التي هي وحدها من يتولى انجاز العملية الانتخابية ولها ان تستعين بمن تراه ضروريا لانجاحها.

ووفق التجربة فإن الفلسطينيين جميعا والعالم كذلك لن يتوانوا في تقديم كل ما تحتاج الانتخابات العامة من مستلزمات النجاح، وانوه هنا بالمقالة الهامة التي نشرها الدكتور حنا ناصر حول جاهزية لجنته لاجراء الانتخابات في القدس وسائر محافظات الوطن، وبالرغم من كورونا وغيرها من المعوقات التي اختبىء خصوم الانتخابات خلفها على مدى العقد الماضي.

واذا ما ادرك الجميع على مختلف اطيافهم واجتهاداتهم ومسمياتهم بأن الانتخابات العامة ليست هدفا بحد ذاته بل وسيلة أساسية لتحقيق جملة اهداف وطنية، فإن أداء العملية الانتخابية ينبغي ان يكون مختلفا هذه المرة، وما اعنيه الا يكون صندوق الاقتراع مجرد عملية شكلية لاستنساخ كل سلبيات الماضي من تعصب فصائلي او حتى مناطقي، فمثل هذا الاستنساخ لن ينتج غير تكريس الجمود ولكن بوسيلة تسمى ديموقراطية، ويظل الوضع الذي عانينا منه وما نزال على حاله دون تقدم لا في الصيغة ولا في الأهداف.

بتوضيح اكثر ان الانتخابات العامة المرتجاة وبعد توقف دام عقدا ونصف ينبغي ان تكون مفتوحة تماما دون قيود فصائلية وما دامت الانتخابات ستجري على أساس القائمة النسبية وهذه افضل وصفة لتجنب المؤثرات العشائرية والمناطقية وحتى الفصائلية فكل أصحاب اجتهاد لهم الحق في تشكيل قائمتهم حتى لو كانت عابرة للفصائل والمناطق، ومن يجتاز نسبة الحسم في حالة كهذه يصبح جزءً من مؤسسة برلمانية تعددية وبوسعه اداء دوره داخل البرلمان متحررا من القيود ملتزما ببرنامجه الذي انتخب على أساسه.

ان في بلادنا تياران واسعان هما الوطني الذي عنوانه فتح ومن معها من فصائل منظمة التحرير والمستقلين والإسلامي الذي عنوانه حماس ومن معها من الفصائل والقوى، وهذان التياران يضمان داخلهما قوى متباينة الاجتهادات والتوجهات والاهتمامات والمصالح، واذا ما تم فرض صيغة التيارين على المجلس سواء بالائتلاف في قائمة مشتركة او بأي وسيلة أخرى فسوف يصبح المجلس مجرد خلية حزبية تابع لهما في حالة الوفاق او الاختلاف وهذا ابعد ما يكون عن التمثيل الديموقراطي لكل فئات الشعب واجتهاداته، اذا لا لزوم بعد اليوم لممارسة ديكتاتورية الفصيل على المرشح والناخب ولتفتح الأبواب والنوافذ امام تمثيل حر في انتخابات حرة.

كذلك كانت انتخاباتنا العامة على مستوى الدوائر مبنية على العشائرية والمناطقية بنسبة كبيرة، وكانت البرامج غائبة تماما عنها وحتى لو وضعت برامج فكانت لمجرد الإعلان فقط، حتى ان المرشحين لم يأتوا على ذكرها وكثيرون منهم لم يقرأوها، ما ارمي اليه ان نعيد الاعتبار للبرامج كي تكون أساس التصويت، ربما لن يتحقق ذلك تماما من اول مرة الا انه وبالتراكم سوف يطور العملية الانتخابية اداءً ومخرجات.

لقد اضرت القطبية النمطية التي حكمت الحياة السياسية الفلسطينية كثيرا بمبدأ التداول الحر والديموقراطي للسلطة، وبفعل هذه القطبية صار عندنا نظامان سياسيان في الوطن الواحد وغابت المؤسسات الوحدوية في زحام الاستقطاب الفصائلي المدمر، وصار البرلمان مجرد مكان لنزاع بلا ضوابط وبلا حدود وكأنه منتدى سجال دائم بين متنافسين على السلطة او النفوذ وهذا امر لابد من معالجته وليس اخطر واكثر من التعصب التنظيمي البغيض من يجر البلاد والعباد الى مهاوي الصراع الدائم.

ما نريده من الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية هو ان تقدم القوائم نفسها ببرامج تنموية قبل السياسية التي صارت محفوظة عن ظهر قلب، وان توضع الضمانات للالتزام بنتائج الانتخابات مهما كانت وان تكون العملية الانتخابية من الفها الى يائها تحت رقابة دقيقة فلسطينية ودولية، بهذا نحصل على مجلس تشريعي جديد يصلح لأن يكون اطارا لنظام سياسي فعال بعد ان اهلكتنا القطبية النمطية واوصلتنا الى ما نحن فيه الان.

* كاتب وسياسي فلسطيني .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى