الانتهازية الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية إلى أين؟!

أحمد قنيطة

نفت حركة “حماس” ما أوردته قناة “الميادين” من أنَّ الحركة تواصلت مع الرياض للإفراج عن المعتقلين في السعودية، وأن الأخيرة ردت بشروط “صادمة”، وكانت قناة الميادين التابعة لإيران قد زعمت أن حركة حماس تواصلت مع السعودية في إطار محاولات الحركة ومساعيها للإفراج عن المعتقلين في السجون السعودية، وأن الرياض وافقت على استئناف العلاقة مع حماس والإفراج عن المعتقلين بشرط يستحيل على حماس قبوله، وهو الاعتراف بشروط الرباعية الدولية والاعتراف بـ”إسرائيل”.

إن من نافلة القول أن الجميع يعرف النظام السعودي الحالي بقيادة محمد بن سلمان على حقيقته، فهو لا يخفي عداءه للمقاومة وتساوقه مع الاحتلال، لكن ما أثار شكوكي وحفيظتي حول ذلك التسريب “المفترض” قبل أن تعلن حماس موقفها؛ أن تصدير مواقف معادية للنظام السعودي والتصعيد ضده يناقض السياسة العامة لحماس، وأنه لا يخدم ملف المعتقلين الفلسطينيين، وأن قناة الميادين تسعى لخدمة أهداف خاصة بها وبمن يمولها، في إطار الصراع القائم بين إيران والسعودية على حساب حركة حماس وعلى ظهر القضية الفلسطينية.

ويبدو أن هذه السياسة الإيرانية تأتي استكمالاً لمخطط عزل حماس عن عمقها العربي والإسلامي وتعميق الشرخ بينها وبين شعوب المنطقة، وهنا لا ننسى ما فعله الحوثي سابقاً حين أعلن عن استعداده لاتمام صفقة تبادل بينه وبين النظام السعودي، وزجّ المعتقلين الفلسطينيين فيها، وحتى دون أن تعلم حماس بذلك إلا من خلال وسائل الإعلام، مع علم الجميع أنها صفقة ولدت ميّتة وأنها للاستهلاك الإعلامي.

ناهيك عن التصريحات السافرة للقادة الإيرانيين أن غزة باتت خط الدفاع الأول عن إيران، والتي ردّت عليها حركتي حماس والجهاد الإسلامي بحزم ووضوح باستنكار هذه التصريحات ورفضها جملة وتفصيلاً، والتأكيد على أن سلاح المقاومة الفلسطينية هو للدفاع عن فلسطين وتحرير القدس، ناهيك عن وضع راية حماس إلى جانب رايات المليشيات الشيعية المجرمة خلف قائد القوة الجوية في الحرس الثوري الإيراني بعد اغتيال قاسم سليماني، وذلك بهدف إيهام الجماهير العربية والإسلامية بتبعية حماس لإيران،

المحاولات الإيرانية للتأثير على الفصائل الفلسطينية ومحاولات توظيفها لخدمة الأجندات الإيرانية الخاصة لم تتوقف، وسعي طهران لاستخدام القضية الفلسطينية لتلميع صورتها من جهة، والتلويح بها أمام خصومها من جهة أخرى لا ينكره عاقل، لذلك على قادة الفصائل الفلسطينية أن يتخذوا مواقف حازمة -وقد فعلوا- تجاه هذه المحاولات الإيرانية التي تعبّر عن العقلية الانتهازية التي تتمتع بها القيادة الإيرانية، مع المحافظة على إقامة علاقات متبادلة على أساس من الندية والاحترام المتبادل في ظل حالة الاضطرار والحاجة للدعم الإيراني لمواجهة تغوّل الكيان الصهيوني على شعبنا ومقدساتنا، وبموازاة ذلك ضرورة تعزيز العلاقة بالأحزاب السياسية والقوى الثورية الصادقة في الأمة، وإرسال الرسائل التي تحمل معاني الولاء والانتماء والتكامل مع أهداف وقضايا الأمة وشعوبها الصابرة.

فالسياسي الفذ، والقائد الحكيم، والدبلوماسي الذكي، هو من يعمل على استجلاب المصالح وتحقيق الأهداف من خلال تعزيز علاقات بلاده أو جماعته مع مختلف الأطراف المتنازعة، لكن دون أن يخسر خزّانه البشري، أو يفرّط في عمقه الاستراتيجي “الأمة العربية والإسلامية”، فالمستقبل للأمة الصابرة وشعوبها المجاهِدة، لا للحكومات المستبدة والأنظمة الظالمة.

والعاقل من يستثمر “إستراتيجياً” مع القوى الأصيلة التي سيؤول لها المستقبل، بينما يوظّف أدواته الدبلوماسية “تكتيكاً” مع القوى الطارئة التي لا مستقبل لها، وتحكم شعوبها جبراً وقهراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى