البحث عن جديد في سياسات الإدارة الأميركية الجديدة
ماجد كيالي  * 

لا يمكن فهم مراهنة البعض في العالم العربي على رئيس جديد في الولايات المتحدة، كما في كل مرة، إلا في إطار فقدان الفاعلية، والتسليم بعدم التأثير، والارتهان للسياسة الأميركية، هذا إضافة إلى النظر إلى النظام السياسي الأميركي وفقا لمنظور الأنظمة السياسية في العالم العربي، حيث الرئيس أو الحاكم يستطيع أخذ البلاد والعباد إلى حيث يريد دون حسيب أو رقيب.

بعد أسابيع قليلة يذهب دونالد ترامب، ويأتي جو بايدن، كرئيس للولايات المتحدة، للأعوام الأربعة القادمة. فما هو الثابت وما هو المتغير إذا في السياسة الخارجية الأميركية؟

الإجابة عن هذا السؤال تقتضي طرح وإدراك الملاحظات الآتية:

أولا، رغم الصلاحيات الكبيرة التي يتمتع بها الرئيس الأميركي في الشؤون الخارجية والدفاع، إلا أن سياسة الولايات المتحدة لا تصدر عن الرئيس لوحده، فقط، إذ أن الرئيس في أي خيار له يفترض أن يأخذ مصالح ناخبيه. وهنا يفترض ملاحظة أن الناخبين الأميركيين تنحصر خياراتهم في الشأن الداخلي، أي في موضوع الضرائب والخدمات الصحية والتعليمية والسكن والبنى التحتية والأمن، وضمن ذلك مكافحة كورونا، أي إنها داخلية بحتة، وهذا أمر بديهي لدولة عدد سكانها 330 مليون نسمة تقريبا (الثالثة في العالم بعد الصين والهند)، وهي دولة مترامية الأطراف، وبمثابة 50 دولة في دولة، مع قدرات اقتصادية وتكنولوجية وعلمية هائلة. لذا فحتى في الشأن الداخلي ثمة قيود تحد من قدرة الرئيس على التصرف على هواه، مع وجود حكام ولايات وحكومات محلية، في نظام فيدرالي.

ثانيا، إضافة إلى ما تقدم يفترض إدراك أن الولايات المتحدة هي بمثابة دولة تتحكم بها، أو تديرها، بشكل غير مباشر، الشركات الكبرى، وتلك تتحكم بالعمليات الاقتصادية في البلد، وهي المشغل الأكبر لليد العاملة، ولديها موازناتها، وهي بحجم موازنات دول متوسطة الحال، علما أننا لا نتحدث عن شركات أهلية (عائلية)، إذ هي بمثابة مؤسسات بمعنى الكلمة، أي تشتغل وفق قواعد الإنتاج والربحية والأهلية والكفاءة وإتاحة الفرص في الوقت ذاته.

ثالثا، يستنتج من ذلك أن أي تغيير يريد الرئيس إحداثه في السياسة الداخلية والخارجية سيتطلب نوعا من الموافقة من قبل ما يمكن تسميته بـ”المؤسسة”، أو بحسب تعبيراتنا “الدولة العميقة”، ومن جماعات الضغط، وهذه تتألف من الطبقة السياسية في الكونغرس ومراكز الأبحاث، واللوبيات الاقتصادية والإثنية. ولعل ذلك ينطبق أكثر على الشأن الخارجي، إذ أن مؤسسات الدولة هي التي تتحكم بالسياسة الخارجية، وفقا للمصلحة الأميركية، وهنا يأتي نفوذ وزارتي الخارجية والدفاع.

بعد تلك الملاحظات يفترض التمييز بين مسألتين، تحسبا لأي خلط، تعريف المصالح العليا للولايات المتحدة، وحدود التغيير بين رئيس وآخر. فعندما قام ترامب، مثلا، بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، أو عندما قلص الدعم الأميركي لموازنات يونسكو، والأمم المتحدة، وأنروا، أو عندما طالب دول ناتو بدفع حصة أكبر لتمويل موازنة ذلك الحلف، لم يكن ذلك ليؤثر كثيرا على المصالح العليا الأميركية، أي يمكن هضمه، إذ أن ترامب لا يستطيع الخروج من الأمم المتحدة، أو من حلف ناتو، أو التنصل تماما من الالتزامات الأميركية إزاء الهيئات الدولية.

لذا فإن التغير الذي سيحصل في عهد بايدن هو عودة الولايات المتحدة إلى حصصها السابقة في تمويل تلك الهيئات، وهو أمر كان يحصل في عهد رؤساء جمهوريين سابقين، بمعنى أنه ليس ثمة جديد في هذا الأمر حقا، وذلك ينطبق حتى على إمكان عودة بايدن إلى اتفاقات وقف التسلح مع روسيا.

تبقى نقطة واحدة ساخنة تتعلق بالصين، أي بمراجعة ترامب للعلاقات مع الصين، وضمن ذلك العلاقات الاقتصادية والمبادلات التجارية، ففي هذه النقطة فإن إدارة بايدن ستقوم، على الأرجح، بإبقاء ذات السياسات، كأداة ضغط، للاستفادة منها لانتزاع قدر أكبر من التنازلات من الصين.

أما في ما يتعلق بخيارات السياسة الأميركية في الشؤون الشرق أوسطية، فهي تتسم بالثبات على رغم اعتقاد البعض بالتغيير، إذ أن هيمنة الولايات المتحدة، وأمن إسرائيل وتفوقها، وأمن النفط، هي من أهم محددات تلك السياسة. لذا فما اعتبر تغيرا بين إدارتي أوباما وترامب لا يمكن التعويل عليه.

مثلا، فإن تمكين إيران من العراق جرى في عهد بوش الابن، أي بعد غزو العراق، حيث تم تسليم الميليشيات التي تعمل كأذرع إقليمية لإيران في ذلك البلد، بعد أن تم حل الجيش وأجهزة الدولة، كي تفعل به ما فعلت، لاسيما تقويض الدولة والمجتمع، وتعزيز دور الميليشيات الطائفية المسلحة، ونهب ثرواته، وهو ذات الأمر الذي حصل في عهد أوباما في السماح لتلك الميليشيات بفعل ما فعلته في العراق وفي سوريا.

والخلاصة أن الولايات المتحدة وإسرائيل استثمرتا في إيران، وطموحها الإقليمي، كي تقوم بالشغل “الوسخ” في العراق وسوريا، الذي أدى إلى كل هذا الخراب في المشرق العربي.

المتغير في عهد ترامب أن إيران انتهت “مهمتها”، لذا بات الأمر يتطلب تحجيم نفوذها ووضعها عند حدها أميركيا، وإسرائيليا، لذا فإننا على الأغلب سنجد أن إدارة بايدن ستفعل، على الأرجح، ما ستفعله بخصوص الصين، أي استغلال عقوبات ترامب على إيران للضغط عليها ودفعها إلى تقديم مزيد من التنازلات، وفقا للسياسات والمصالح الأميركية.

للأسف، في الشأن الفلسطيني سيحصل ذات الأمر، أي أن بايدن هنا، لن يغير شيئا فعله ترامب، الذي لم يخرج حقا عن السياسة الأميركية المحابية لإسرائيل من الناحية العملية؛ هو ربما خرج من الناحية النظرية فقط، لذا فإن التغير سيكون على الصعيد الدبلوماسي والعلاقة الشخصية.

هكذا، فإن بايدن قد يعيد فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، والمساعدات المالية للسلطة، ودفع مستحقات أونروا، لكن ثمن ذلك سيكون عودة القيادة الفلسطينية إلى المسار السابق، أي إلى التزام مسار أوسلو من طرف واحد، ككيان فلسطيني لحكم ذاتي تحت الاحتلال، وهو الأمر الذي أدركته قيادة السلطة، وسارعت إلى ملاقاته في منتصف الطريق، في خطوتها عن استئناف علاقاتها مع إسرائيل.

* ماجد كيالي  –  كاتب سياسي فلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى