البراغماتية السياسية في الانتخابات الإسرائيلية لعام 2022
محمد عبدالله الظهوري

لا شكّ أن تجربة الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي لم يُكتَب لها الاستمرار لأكثر من عام، حملت معها كثيرًا من التساؤلات لدى المراقبين للشؤون الشرق أوسطية.

 

خاصة أن الحكومة الحالية هي التي أعلنت حقبةَ ما بعد “النتنياهويَّة”، التي تولى فيها بنيامين نتنياهو ترتيب التوازنات السياسية الداخلية لمصلحة اليمين لمدة 12 عامًا دون منافس.

ومع الانتخابات المزمَع عقدُها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل يعود الحديث مُجَددًا عن نتنياهو، الذي يُعَدُّ الرقم الأصعب في المشهد السياسي الإسرائيلي، فالنتائج التي ستتمخَّض عنها الانتخابات، لا شكَّ أنها ستحسم الجدل إن كنا فعلًا سنتجاوز حقبة “النتنياهوية”، أو أننا سنعود إليها بعد تعثُّر تجربة الحكومة الحالية؟

ومن أجل تبيان ما تقدَّم، فإنه لا يمكننا فهم الانتخابات المقبلة، وما قد تتمخض عنه دون الرجوع إلى النظريات والأفكار التي يطرحها علم السياسة.

فثمَّة مدارس فلسفية مختلفة عملت من أجل تفسير سلوكيات الفاعلين السياسيين في النظام الدولي بطرق مختلفة، وذلك عن طريق تتبُّع سلوكهم بالتوازي مع مصالحهم العليا.

إحدى الأفكار المهمَّة التي طرحتها هذه المدارس هي فكرة “البراغماتية”، التي جاء بها الفيلسوف الأمريكي تشارلز بيرس، وهي ترتكز في المقام الأول على مبدأ النفعيَّة للحفاظ على البقاء والوجود.

والمتتبِّع للسلوك السياسي الإسرائيلي سيلحظ أنه مبنيٌّ على فكرة البراغماتية، التي تعمل على تعظيم المصالح فوق كل شيء، سواء كانت على المستوى الفردي، أو على المستوى المؤسساتي.

من الناحية الفردية، برزت البراغماتية في سلوك القيادات السياسية، التي ستخوض الانتخابات المقبلة، وذلك عبر تجاوز خلافاتهم، وتعظيم مصالحهم في المقام الأول.

مثال على ذلك، إعلان رئيس حزب “الأمل الجديد”، غدعون ساعر -بعد سيلٍ من استطلاعات الرأي التي توقعت عدم تجاوزه نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة- تحالفه مع رئيس حزب “أزرق أبيض”، بيني غانتس، لخوض الانتخابات في قائمة واحدة لضمان دخوله الكنيست.

كما برز السلوك نفسه من إليت شاكيد، التي رأست حزب “يمينا” بعد إعلان نفتالي بينيت اعتزاله الحياة السياسية، إذ لجأت هي أيضًا إلى التحالف مع يوعاز هندل، رئيس حزب “ديرخ إيرتس” المنشق عن “الأمل الجديد”، ليكوِّنا معًا حزبًا جديدًا تحت اسم “الروح الصهيونية”.

بهذه الخطوة تبيَّنت براغماتية “شاكيد” عبر تجاوزها المبادئ الأساسية لـ”يمينا” -القريب نسبيًّا إلى الأحزاب الدينية الحريدية- وتحالفها مع “ديرخ إيرتس” -القريب من يمين الوسط.

وبناءً على ذلك يمكننا ملاحظة أن الحرب السياسية من أجل البقاء، والوجود النفعي “الذي يُعَدُّ لُب فكرة البراغماتية” ترجمها السياسيون الإسرائيليون بسلوكهم الرامي إلى الاستعداد للانتخابات المقبلة عبر تكوين تحالفات قد تتناقض مع مبادئهم السياسية.

وبالعودة إلى الحقبة “النتنياهوية”، والتساؤل حول إن كنا سنتجاوزها في الانتخابات المقبلة أو لا، فإن استطلاعات الرأي الإسرائيلية، التي تعد نتائجها ذات مصداقية بدرجة كبيرة، سواء من القناة الثانية عشرة، أو الثالثة عشرة، أو هيئة الإذاعة الإسرائيلية “كان”، رجَّحت عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عبر تشكيل ائتلاف حكومي مكوَّن من أحزاب يمينية صرفة، دون الحاجة إلى أحزاب عربية، كالقائمة العربية الموحَّدة، التي يرأسها منصور عباس. وقد بيّنت ذلك بعض الاستطلاعات عبر تجاوز نتنياهو الـ62 مقعدًا في الكنيست من أصل 120 دون الحاجة إلى الأحزاب اليمينية الصغيرة المهدَّدة بعدم تجاوزها نسبة الحسم.

ومن هنا، عزيزي القارئ؛ يمكننا القول إننا قد نشهد عودة الحقبة “النتنياهوية” إلى الساحة السياسية الإسرائيلية، نظرًا إلى المزاج العام الإسرائيلي، الذي تكوَّن في السنتين الأخيرتين، بناءً على عدد من الشواهد المهمَّة، وعلى رأسها العمليتان العسكريتان: حارس الأسوار التي اندلعت مع أحداث القدس في عام 2021، وبزوغ الفجر بقطاع غزة في هذا العام.. إذ كان للتصرف المؤسساتي المبني على أفكار المدرسة الواقعية -التي تُفضِّل مبدأ استخدام القوة في تحقيق المصالح للوصول إلى المبتغَى الرئيسي وهو البقاء- نصيبٌ في تحويل المزاج العام الإسرائيلي ليكون براغماتيًّا في توجهاته السياسية.

وهذا ما يُترجِم في الحقيقة مسألة التضافر حول عودة اليمين إلى الحكم مع ترسُّخ القناعة بشأن الخطر الوجودي الذي تواجهه إسرائيل من مختلف الجبهات.

إن الحسابات البراغماتية في السياسة الإسرائيلية هي الركيزة الأساسية في تحريك مجريات الأحداث السياسية والعسكرية والأمنية في إسرائيل، وذلك نظرًا إلى طبيعة دولة إسرائيل من ناحية مهدِّدات الأمن القومي، التي تواجهها من مختلف جبهاتها الجغرافية، وتطوُّر أساليب التهديد الوجودي في ظل الثورة التكنولوجية العالمية، وانعكاساتها على الحروب المعاصرة التي يشهدها نظامنا الدولي.

وإجابةً عن التساؤل الجوهري الذي قد يتبادر إلى ذهن القارئ بشأن مستقبل المشهد الانتخابي في إسرائيل، يمكن القول إن انتخابات الكنيست المقبلة ستشهد تجاوز السياسيين الإسرائيليين مقولة المفكر النمساوي، سيجموند فرويد “إن البشرية يحكمها صراع نرجسية الفروق الصغيرة”.. وذلك عبر اتباع مقاربات براغماتية في سبيل الانصهار والاندماج من أجل توحيد الصفوف لضمان مستقبلهم السياسي في السلطة بأي ثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى