البرهان يلوذ بالتصوف الكذوب
جعفر عباس

التعريف الراجح والشائع للصوفية، هي أنها من الصوف، أي لبس الصوف، من زاوية أن لبس الصوف مما يقرب إلى الله تعالى، لأن فيه تعذيبا وإذلالا للنفس، مما يقرب العبد إلى الله تعالى مطلقا، وبعيدا عن التحريم والتحليل، فالصوفية التي يراها غالب أهل السنة والجماعة بدعة وضلالا، هي عند أهلها أحد مراتب الدين الثلاث (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، وبينما يهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، فإن “التصوف يهتم بتحقيق مقام الإحسان، ومقام التربية والسلوك، ومقام تربية النفس والقلب، وتطهيرهما من الرذائل وتحليتهما بالفضائل”، ويقول المتصوف السُنِّي أحمد بن عجيبة إن “مقام الإسلام يُعبّر عنه بالشريعة، ومقام الإيمان بالطريقة، ومقام الإحسان بالحقيقة” وتعريفه للحقيقة هي أنها “شهود الحق في تجليات المظاهر. فالشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده”.

والراجح أيضا استنادا إلى وقائع التاريخ، أن الإسلام انتشر في السودان عن طريق شيوخ المتصوفة، وليس بالغزو والفتح، وحرص أولئك الشيوخ على التواؤم والتصالح مع الثقافات الإفريقية السائدة في البلاد -عوض الاصطدام بها- بل جيَّروها لصالح طرقهم، خاصة فيما يتعلق بالوساطة الروحية بين شخص حكيم وقوة عليا، كما هو جوهر الكثير من المعتقدات الأفريقية، ثم سايروا أصحاب تلك المعتقدات في التعبد بالإنشاد والغناء والرقص على إيقاع الطبول.

وإلى عهد قريب، كانت هناك أربع طرق صوفية ذات وجود راسخ وقواعد جماهيرية كبيرة وقيادات روحية تحظى بالاحترام والتقدير في السودان، ثم تكاثرت وتناسلت وصارت هناك فروع كثيرة لتلك الطرق، ثم واستنادا إلى شرط جوهري في التصوف هو التأثير الروحي أو بتعبير أدق “البركة التي لا تتأتى إلا بواسطة”شيخ” وتنتقل من شيخ إلى مريد، ظهر عشرات الشيوخ بعضهم من لابسي الدمسق والحرير يوزعون البركات ويزعمون القدرة على إتيان الخوارق واجتراح المعجزات، وساعد على تفشي تصديقهم أن بعض أهل الحكم في السودان اعتصموا بحبال “مشايخ”.

 

وقد كان لديكتاتور السودان الراحل جعفر نميري شيخه الخاص، الذي زوده بالتمائم، وأعطاه عصا يحملها أينما سار لأنها تحميه من السقوط، ثم جاء المشير عمر البشير ورهطه عبر انقلاب عسكري، بزعم انهم يريدون حكم البلاد بما أنزل الله عبر حزب المؤتمر الوطني، والذي كان اسمه قبل الانقلاب الجبهة القومية الإسلامية، والتي كان اسمها من قبل جبهة الميثاق الإسلامي، والتي كانت في الأصل الإخوان المسلمين، وغادرت هذا الاسم عندما قررت مغادرة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وانتهى الأمر بعمر البشير وكبار أعوانه مستجيرين بشيوخ من “أهل الكشف والبركة” لتحصينهم ضد السقوط.

ثم جاء عصر عبد الفتاح البرهان في السودان، وصار الرجل بحكم منصبه العسكري رأس الدولة، وقال صراحة إن أباه بشره بالمنصب قبل سنوات بعيدة، وأسلافه من جهة الأم “مشايخ” معروفون في منطقتهم في وسط البلاد، وفي مساعيه المتصلة للانفراد بالحكم، وعندما أدرك أنه لا سند بين قوى الثورة التي أسقطت حكم عمر البشير- فوجدها فرصة لاحتلال قصر الرئاسة باسم الانحياز لـ”الثورة”، دخل في غزل صريح مع مشايخ الطرق الصوفية، بل وصار يتحدث عنها على أنها فصيل متماسك وموحد، يوازي قوى المجتمع الأخرى والتنظيمات السياسية.

 

 

إلى عهد قريب، كانت هناك أربع طرق صوفية ذات وجود راسخ وقواعد جماهيرية كبيرة وقيادات روحية تحظى بالاحترام والتقدير في السودان، ثم تكاثرت وتناسلت وصارت هناك فروع كثيرة لتلك الطرق، ثم واستنادا إلى شرط جوهري في التصوف هو التأثير الروحي أو بتعبير أدق “البركة التي لا تتأتى إلا بواسطة”شيخ” وتنتقل من شيخ إلى مريد، ظهر عشرات الشيوخ بعضهم من لابسي الدمسق والحرير يوزعون البركات ويزعمون القدرة على إتيان الخوارق واجتراح المعجزات،

ولأن كثيرين من أدعياء التصوف في السودان أهل دنيا، وحظهم من العلوم الدينية دون القليل بكثير، فقد ظلوا يتهافتون على كل من بيده سلطة الحكم، ولا عليهم أن ميسم التصوف كما حدده الآباء المؤسسون هو الزهد في الدنيا والبعد عن أهل السلطان، وهكذا وجد فيهم البرهان السند والبركة، ثم أوعز مؤخرا إلى واحد من تلك الفئة كي يطرح مبادرة لحل الأزمة السياسية التي نجمت عن انقلابه على الحكم شبه المدني في 25 تشرين أول/ أكتوبر من العام 2021، بحيث يلتف حولها المتردية والنطيحة وما أكل السبع، وليس بأن يكون الحل في حكومة كاملة المدنية كما تطرح القوى المناهضة للانقلاب، والتي تتحدث صراحة عن عودة العسكر الى ثكناتهم، وانتزاع عشرات المؤسسات الاقتصادية من براثنهم.

ومنذ أيام وشيخ مبروك يجد أمامه المنابر والكاميرات ليروج لمبادرة تحمل اسم نداء أهل السودان، بل ويعلن أنها ستدخل حيز التطبيق (بمعنى ان يتم تشكيل حكومة تنفيذية بمقتضاها) في غضون أيام،  وكالعادة خان البرهان ذكاءه السياسي المحدود، فأعلن عن تأييده للمبادرة، وكان البرهان قد أعلن في 4 تموز/ يوليو المنصرم أنه والعسكريين عموما قرروا الانسحاب من المشهد السياسي، ولم ولن يعودوا طرفا في أي حوار او سجال حول شكل الحكم المدني المرجو، فإذا به يثبت أنه يواصل الكذب والمخاتلة، لأنه يقف وراء مبادرة تتعلق بإقامة حكم المدني شكلي، قوامه شخصيات وتكتلات أيدت انقلاب تشرين أول/ أكتوبر.

ومن تم تكليفه بطرح المبادرة من على المنابر، ظل يطرح نفسه لمريديه على أنه صوفي، ليس لأنه خشن الملبس او العيش، ولكن لأنه “مبارك” بحكم انه سليل بيت عمل أسلافه على نشر الدين وتحفيظ القرآن، ولأنه صوفي بالوراثة وليس بالأصالة، فما أن تعالت الأصوات متهمة إياه بأنه أداة في يد البرهان والانقلابيين حتى غرّد: الكلب ينبح والجمل يسير، بينما عموم أدعياء التصوف يوارون ضعف كسبهم في مجال الفقه والشريعة بعفة اللسان ولا يصفون من يخالفونهم بأنهم كلاب.

ولأن البرهان وكما جميع الانقلابيين نهّاز فرص، فقد بات واضحا أنه على استعداد لـ”بيع” شيخ المبادرة، ففي إطار تقاسم الأدوار بينه وبين ولي عهده محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أوعز للأخير بالزعم أنه لم يسمع بالمبادرة، بما يمثل “خط الرجعة” بالتنصل منها، إذا تواصل وتفاقم الرفض الشعبي لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى