البندقية وغصن الزيتون
بقلم مهند طلال الاخرس

#كل_يوم_كتاب

كتاب من القطع الكبير ويقع على ٦٦٠ صفحة لدايفيد هيرست ومن ترجمة عبدالرحمن اياس ومن اصدارات رباض الريس للكتب والنشر.

الكتاب يتحدث عن جذور الصراع في الشرق الاوسط ، ويتكون من مقدمة طويلة وشاملة وملمة بكل التفاصيل والاحداث والوقائع التي واكبت الصراع العربي الصهيوني، والمقدمة منصفة وتقدم لنا رأي خبير وكاتب صحفي وعسكري سابق خدم في الجيش البريطاني في المنطقة وعاد اليها بعد التقاعد وعمل صحافيا متمرسا يظهر اثره واثر وعيه جليا في هذا الكتاب، والاهم ان هذا الكتاب يقدم لنا وللمنطقة صورة كتبت بغير اقلامنا وهو قلم منصف وحصيف في اقل قول. وهذه المقدمة الممتدة عبر الصفحات ١٥-١٦٣ تصلح ان تكون كتابا لوحدها، وتفي بغرض كبير، وتقدم صورة شاملة للصراع وتغطيه من كل الجوانب، وعبر هذه المقدمة نجد كثافة في المعلومات وتسلسل رصين وتوثيق وتثبيت لمصادر الاحداث ومراجعها وبمصداقية عالية وبروح من النقد الايجابي البناء.

جاء الكتاب عبر اثنا عشرة فصلا تناولت العناوين والمواضيع التالية:
الفصل الاول : ويتحدث عن بذور الصراع ويمتد عبر الصفحات ١٨٨٢- ١٩٢٠، فيتطرق لهرتزل ورسالة رئيس بلدية القدس يوسف ضياء الخالدي له والتي يناشده ويستجديه وهي رسالة جاء نصها على ص١٦٣ وهي مخزية لابعد الحدود. ويتناول هذا الفصل ايضا اول اعمال المقاومة من الفلاحين عام ١٩٠١ في مواجهة الاستيلاء على الارض ويتعرض فيه ايضا الى مشكلة السماسرة وبائعي الاراضي وبالتحديد عائلة سرسق ص ١٧٨-١٧٩. وما تبع ذلك كله من انتشار موجة العداء للصهيونية. وفي ص ١٨٢ يستعرض الكتاب بعض المحاولات للتفاهم والتقارب العربي الصهيوني ويستحضر مثالا مروعا وصادما عن دور المفكر الاسلامي محمد رشيد رضا في هذه الدعوة. وفي ص ١٨٧ يتحدث عن وعد بلفور بقوله: كان وعد بلفور عام ١٩١٧ احدى وثيقتين رئيستين شكلتا التاريخ الحديث في الشرق الاوسط، اما الوثيقة الاخرى فكانت فهي اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦. ومن القراءات الجميلة للكاتب انه يقدم وجهة نظر الحركة الصهيونية وقادتها بالنسبة لفهمهم لوعد بلفور من المهم الاطلاع عليها والالمام بتفاصيلها ص ١٩٠-١٩٢.

الفصل الثاني : وجاء تحت عنوان رئيسي لا سلام في صهيون ويمتد عبر الصفحات ١٩٧-٢٣١ .ويتناول فيه احداث وهبة يافا سنة ١٩٢١ واحداث البراق واذعان بريطانيا للصهاينة ص ٢٢٦.

الفصل الثالث : وجاء تحت عنوان الثورة الفلسطينية الكبرى ١٩٣٥-١٩٣٩ ويمتد هذا الفصل عبر الصفحات ٢٣١-٢٦٧. ويتناول ثورة الشيخ عزالدين القسام ودعوته واستشهاده ثم انطلاق الثورة الفلسطينية بعد استشهاده وصولا الى توصية بريطانيا بالتقسيم ص ٢٤٣، والعودة للحديث عن تصاعد الثورة حتى بلوغ مرحلة الذروة حتى يقال ان تعداد رجال الثورة بلغ في تلك المرحلة خمسة عشرة الف شخص، وكانت سلطتها تمتد في الجليل والخليل وبئر السبع وغزة. وهذا طبعا استدعى من بريطانيا لان تعيد احتلال فلسطين مجددا، بحيث اصبح عديد القوات البريطانية سنة ١٩٣٨ يزيد عن عشرين الف جندي بغية ضبط الاوضاع واخماد الثورة، فساقت الناس لاعواد المشانق(فرحان السعدي وعطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي) حتى بلغ مجموع الذين ساقتهم بريطانيا لاعواد المشانق ١١٢ فلسطيني مقابل يهودي واحد في عملية روتينية جعلت السير كير كبرايد احد القادة البريطانيين الذين اصطروا ان يحضروا الاعدام لان يقول ص ٢٤٩ ان حضورها يشعرني بالاثم والخزي.

وفي ص ٢٥١ يتابع الكاتب الحديث عن الثورة وصولا الى استشهاد قائد الثورة عبدالرحيم الحاج محمد في اذار ١٩٣٩ وانتهاء الثورة بعد ذلك عمليا. وتشير دراسة الخالدي التي اوردها الكاتب الى ان الشهداء الفلسطينيين بلغوا اكثر من خمسة الاف والجرحى اكثر من اربعة عشر الفا.

ولا يفوت الكاتب عبر الصفحات ٢٥١-٢٥٢ للتطرق لاوضاع الثورة وسبب انتكاسها والاثار السلبية التي خلفتها اضافة الى استعراض كثير من المشكلات خلالها مثل الثأر والخلافات الاجتماعية الاخرى.

الفصل الرابع : وجاء تحت عنوان الصهيونية البندقية ص ٢٦٧-٣١١ ، ويتطرق الى كيفية اخراج البريطانيين عبر استعراض عمليات العصابات الصهيونية مثل نسف فندق الملك داوود ويبين الكاتب عبر استعراضه لنصوص التوراة واقوال زعماء اليهود على الصفحات ٢٦٩-٢٧٠ والتي تشير في مجملها الى عقلية متأصلة باستباحة دماء الاخرين والانتقام منهم وقتلهم وترويعهم في سبيل تحقيق اهدافهم الشريرة بطرد العرب من ارضهم، وللتدليل على هذه العقلية الدموية يستعرض الكاتب لكثير من المجازر مثل دير ياسين ومجازر قرى القدس واللد والرملة وعسقلان ، طبعا دون ان يغفل الكاتب عن استعراض خطة داليت الصهيونية وتفاصيلها القائمة على تهجير العرب وطردهم من ديارهم بغية تفريغ الارض وان تمنع الفلسطينيون عن ذلك فيجب ارتكاب الفظائع والمجازر بحقهم.ص ٣٠١. ينتهي هذا الفصل بمجازر مروعة تفضي الى احتلال فلسطين ووقوع ما عرف لاحقا باسم النكبة.

الفصل الخامس: صور من استخدام العنفص ٣١١-٣٤١، وفيه استعراض لكثير من اعمال العنف الدموية التي قام بها الصهاينة في سبيل تحقيق طموحاتهم ، مثل اغتيال الكونت برنادوت، والتفجيرات التي قامت بها الحركة الصهيونية في العراق بغية تهجير يهود العراق لاسرائيل ص ٣٢١ ، وكذلك الحال في مصر ص ٣٣٥.

الفصل السادس : مقاتلو العرب ص ٣٤١-٣٧٧ وفيه يتحدث عن الاغارات التي قام بها العرب بغية محاولات استرجاع وطنهم او في محاولة العودة الى قراهم وبلداتهم التي هجروا منها. بالاضافة الى الحديث عن حال العرب الفلسطينيين الذين بقوا في ارضهم ووقعوا تحت الاحتلال، مع استعراض لقصة ترحيل وتهجير اهل عسقلان سنة ١٩٥٠ تحت قوة السلاح رغم انتهاء الحرب.

ثم يستعرض الكتاب حرب السويس ١٩٥٦ واسبابها ونتائجها وتداعياتها وكيف تم الانسحاب نتيجة الضغط الامريكي ص ٣٦٧.

الفصل السابع : جاء تحت عنوان اسرائيل الكبرى ٣٧٧-٤٣٣ ويتحدث عن حرب النكسة ١٩٦٧ وكيف وقع عبد الناصر بالفخ ص ٣٨٧ وكيف نجحت اسرائيل في اقامة امبراطوريتها ص ٣٩٠. ثم يتحدث في ص ٣٩٦ عن موجة النزوح واللجوء الفلسطيني الثاني. واجراءات اليهود في القدس عند احتلالها ص ٤٠٢ كهدم حي المغاربة وترحيل السكان وهدم البيوت وعمليات النهب والسلب والضم والاستيلاء على التراضي بحجج وذرائع كثيرة ص ٤١٠-٤١٥، اضافة لحديثه عن الفصل العنصري على الطريقة الاسرائيلية ص ٤١٥ وحتى حديثه عن الاجراءات التعسفية ضد المواطنين الفلسطينيين الذين بقوا تحت الاحتلال كالتوقيف الاداري والاعتقال والعقوبات الجماعية وهدم المنازل وعمليات الطرد وتدمير المعنويات والعقوبات تجاه دول الجوار والانتقام من المدنيين عند كل عملية للفدائيين بهدف كسر اي ارادة او معنوية لدى الفلسطينيين وافقادهم اي امل بالعودة ص ٤٢٤- ٤٢٧.

الفصل الثامن : (الصهاينة العرب) ٤٣٣-٤٦٥، وفيه يتحدث عن حرب تشرين اكتوبر ١٩٧٣، ثم الحديث عن صعود حركة فتح ص ٤٤٥، وبدء عمليات الفدائيين ص ٤٥١، ومعركة الكرامة ص ٤٥٨.

الفصل التاسع : البندقية وغصن الزيتون ص ٤٦٥-٥١٩ ، يتناول طرح دولة فلسطين الديمقراطية ورؤية حركة فتح للصراع ص ٤٦٨-٤٧٠. ثم يتحدث عن خطوات راكمتها فتح خدمتها في التقدم سياسيا ص ٤٧٢، وهنا بالذات يتبين لنا اقتراب الكاتب اكثر من نصرة القضية الفلسطينية كقضية عادلة وحتى انه يدافع عنها بشراسة وبالحجج والبراهين ويقدم الوسائل والادوات والخدمات المجانية، ثم لا يفوته ان يوجه النقد للفشل العسكري لدينا والمرض الداخلي ص ٤٧٦، ويستعرض بعض مظاهر هذه الامراض كخطف الطائرات والحرب الاهلية في الاردن ومنظمة ايلول الاسود واستعراض لكثير من عملياتها مثل ميونخ واغتيال وصفي وخطف طائرات وحجز سفراء والعمليات الانتحارية في فلسطين كعملية معالوت وكريات شمونة ص ٥٠٤-٥٠٧. وصولا الى الحديث عن خطاب ابو عمار في الامم المتحدة.

الفصل العاشر : السلام مع مصر ص ٥١٩-٥٤٧ ، يستعرض الكاتب مسيرة السلام بين مصر السادات واسرائيل في عهد بيغن، مع التطرق الى تداعيات هذا الامر وانعكاساته على الساحة العربية واندلاع الحرب الاهلية في لبنان(حرب اهلية عربية بالواسطة) ص ٥٢٤، ثم يتطرق لزيارة السادات للقدس ص ٥٢٩ وصولا الى كامب ديفيد ص ٥٣١ .

الفصل الحادي عشر : اغتصاب الضفة الغربية ص ٥٤٧-٥٨١ ، وفيه يتحدث الكاتب عن جنون اسرائيل الدائم من ديمغرافيا الضفة وحلول اسرائيل لمواجهة ذلك، كسياسة التهجير ومصادرة الاراضي والاستيطان، واستعراض لبعض الاصوات والمنظمات المتطرفة في اسرائيل مثل حركة غوش ايمونيم المدعومة شخصيا من بيغن وشارون. وصولا الى مشاريع الادارة المدنية والروابط القروية ومشروع مناحم ملسون ص ٥٦٦، وحديث اكثر عن مواجهة الشعب الفلسطيني لروابط القرى وافشالها.

الفصل الثاني عشر : اجتياح لبنان ص ٥٨١-٦٣٣ ، ويتحدث فيه عن حرب لبنان تحت عنوان فرعي بيغن يعرض السلام ويخطط للحرب، وفي هذا الفصل ايضا يتحدث الكاتب عن خطة شارون الجاهزة سلفا لاجتياح لبنان وانتظاره المبرر فقط، ويستعرض الكاتب عدة مبررات وذرائع كاد ان يقتنصها شارون الى ان جائت حادثة اغتيال السفير الاسرائيلي في بريطانيا ص ٥٩١ لتنطلق المجنزرات والطائرات الاسرائيلية تجاه بيروت يوم الاحد ٦ حزيران ١٩٨٢، وصولا لخروج قوات م.ت.ف من لبنان وتشتتها وما تبعه من الانشقاق ص٦٠٣ وحصار طرابلس ومجزرة صبرا وشاتيلا ص ٦٠٥ وتقرير كاهان حول المجزرة ص ٦١٧ والتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وضحايا المجزرة والعار الذي لحق باسرائيل جراء تلك المجزرة ص ٦١٢.

الكتاب جميل وحافل ويحمل في ثناياه كثير من القضايا التي يجب علينا كفلسطينيين ان نأخذها على محمل الجد وان نوسعها نقاشا، فثمة انصار لنا حول العالم ينظرون الينا بعين من الحب والتقدير، من الواجب ان نسعفهم في موقفهم بغية تطويره، لا ان نخذلهم ونخذل انفسنا بشعارات براقة، نحن لسنا لوحدنا على هذا الكوكب، ولسنا عاجزين عن طرح قضيتنا بما يضمن جلب الانصار والمؤيدين لها في كل المحافل، هذا طبعا دون ان ننسى ولو للحظة ونتيجة فهمنا لابعاد الصراع ولطبيعة الحركة الصهيونية وظروف نشأتها وتكوينها ومعتقداتها؛ انه لن تعود فلسطين لاصحابها إلا بالبندقية، لكن وجب على الكلمة والطرح السياسي ان يغطي عري تلك البندقية، وهذا ما هو مطلوب من اي برنامج لاي فصيل فلسطيني يتبنى نهج التحرير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى