البوتفليقية التي تنقض الجزائر الجديدة !
بشير عمري

إذا كان في العادة يصعب نسبيا كشف النواقض والنقائض الكامنة في جدلية الخطاب والممارسة للمسئولية في الأمم الأخرى، بسبب قوة الرقابة المؤسساية وفعالية الاعلام الحر، فإن الأمر ليغدو أسهل من شرب الماء في الجزائر، بحيث تكشف الوسئل وهي تُفعل في الصراعات عن عبثية المشهد، وانتحار المنطق في وضح النهار وأمام الأشهاد، في تلاعب مفضوح بعقول الناس بلامبالاة ولا اكتراث لفداحة وفضاعة الشأن.

فبعد أن ظل لعقدين كاملين يعبث بالقوانين كي يقصي الشعب ومنافسيه من سباقات الاستحقاقات السياسية، والانتخابية، يبدو أن نظام بوتفليقة قد رسخ هاته الثقافة في كوعيي انتهازي في ضمائر من استفادوا من نظامه وراكموا ثروات وأموال طائلة على حساب قوت المواطن اليومي ومصير الأمة، ومنها ما تكلم عنه وليد سعدي المترشح لاتحادية كرة القدم في رسالته المفتوحة لوزير الشباب والرياضة يناشده فيها التدخل لثني رئيس الفاف الحالي خير الدين زطشي على عدم تغيير بعض نصوص القانون المسير للهيئة الكروية الاولى في الجزائر بغرض إقصاء منافسيه أو خصومه من سباق الترشح لانتخابات مارس المقبل!

لكن ما فات وليد سعدي لربما، هو أن رئيسه السابق محمد راوروة سلك ذات السلوك يوم تحدث بعضهم عن نية ترشح ماجر لرئاسة مبنى دالي ابرهين، كما وفته فيما يبدو  أن يتساءل لمن ولماذا يشتكي طالما أن النظام الذي تركه بوتفليقة خلفه يظله هو هو، تغير على رقعة المسئولية والتسيير فقط في أحجاره دونما قواعده وطرائق لعبه، فبتوفليقة الذي، مذ قدم على رأس الدولة سنة 1999 ساخرا من الكل من الشعب، من النخب من القوانين، معتبرا نفسه ممتلكا للحقيقة الوطنية وأنه يلزمه الدوس والرفس الكل وإعادة تخليق الجزائر على نحو جديد، من خلال استباحة شاملة ودائمة للقوانين وتغييرها في طرفة عين، كلما استيقضت فيه نزوة من نزوات أو غريزة من غرائز السلطة المطلقة، ويصدر الاحكام بالهاتف كلما استشعر الضرورة إلى ذلك، يبدو أنه قد أثر في عمق الفكر التسييري لدى المسئولين على كامل صُعد المسئولية.

فمثلما فعل بوتفليقة سنة 2014 سعيا لاقصاء بعض الاسماء من الترشح لسباق الرئاسة منهم علي بن نواري ورشيد نكاز باشتراط الاقامة الدائمة المتواصل لمدة 10 سنوات داخل التراب الوطني، زطشي أجاد الاقتباس واشترط أن يكون الراغب في الترشح حاضرا في المشهد الكروي تسييرا لمدة ثلاث سنوات، بغية إقصاء قرباج ووليد صادي اللذين غادرا عالم الكرة منذ 2017!

حالة من العبث لم تعرفها أمة من الأمم نعيشها كثمرة مرة لثلاث عقود من الزيف والتزييف والتحريف السياسي والتسييري، لاضعاف إرادة المجتمع في التطور والانتقال من وعي أدنى إلى وعي أعلى في مفهوم السلطة والقيادة وتدبير الشأن العام، بعيدا عن الهيمنة الشخصية المصلحية.

لم يتوقف المكتب الفدرالي الحالي عند هذا الحد من اقتباس واستحضار التجربة الكاذبة لمنظومة حكم بوتفليقة، بل لجأ أيضا إلى أسلوب الحملات الانتخابية المسبقة التي كان يقودها عبد المالك سلال وأويحيى مع اقتراب موعد أي استحقاق انتخابي رئاسي أو برلماني، وذلك بجوب الوطن طولا وعرضا ومنح أغلفة مالية وهمية لقطاعات مأزومة بتلك المناطق، وتدشين المدشن وتدجين المدجن.

خير الدين زطشي الذي يبدو أنه لم يستفق بعد من صفعة الفيفا وهي تقصيه من سباق الترشح لمكتبتها التنفيذي بسبب عدم قدرته مكتبه الفدرالي على ملء استمارة عادية بوسع تلميذ في المتوسط أن يملأها دون خطأ، فلجأ إلى أسلوب البوتفليقية الدعائية الاعلامية، لزيارة المنشآت المنجزة من سنوات يعيد تدشينها كما كان الحال مع أكاديمية سيدي بلعباس التي يعرف الجميع أنه من المنجزات القديمة (الفاشلة)، وبمرافقة اعلامية لبعض القنوات التي لم يأتها فيما يبدو الايعاز بعد من قبل أولياء نعمتها لتغيير من اتجاه كاميراتها وضوئها شطر فارس السلطة حالما تتحدد ملامحه لها.

هكذا إن يرُاد للجزائر أن تظهر بهذا المظهر المبكي المدمي وسط الأمم، بلد بحجم قارة بقرابة الخمسين مليون نسمة، يُسير بمنطق المناكفة العصاباتية والعصبوية، في المقاهي والملاهي وعلى موائد وولائم العشاءات المترفة، دون إعارة أدنى اهتمام لروح القوانين والمؤسسات وقيمة المسئولية وسمعة البلاد في الخارج.

فعن أي جديد جمهوري نتحدث، والبوتفليقية مسترة بدون بوتفليقة؟ مستمرة كثقافة دولة تقوم على انتهاز كل الوسائل وعدم الاكتراث بخطورة المس بثوابت الدولة التي ترسخها القوانين وابجديات العمل التسييري المسئول؟

لقد جُرب العبث بكل شناعته مذ غامر الانقلابيون باللأمة سنة 1992 وادخولها في حرب أهلية طاحنة بعد اذ اغتصبوا كل القوانين وخلقوا مؤسسات وهمية خارج منظومة الحكم الجمهوري على علاته وقتذاك، ثم لجئوا إلى تزوير الانتخابات من أجل المصلحة العليا للوطن في أقدع وأفضع ما يمكن أن يبرر به العبث السياسي في العالم حين يتحول التزوير إلى خير والنزاهة إلى شر على البلاد والعباد!!

بات واضحا إذن بأن الحاجة إلى التغيير الثوري الجذري قد أصبحت أقوى من ذي قبل، وأي تراخ أو تخادل بعد الذي كشفته مثل هاته الممارسات من بقاء أسلوب النظام القديم في الوصول والبقاء في المسئولية، سيعني انتصار الثورة المضادة التي شنتها الجهات المحافظة داخل السريا ونجحت فيها نسبيا باستمالة قطاع من الحراك تحت وهم (الجزائر الجديدة)، ما سيعني بالضروة نقض الأساس الثوري التغييري الجذري للحراك التاريخي الذي ما تفجر إلا بعد أن أهان بوتفليقة ونظامه والذين جاؤا به بعصابته للحكم، للبلد والشعب والنخب، عبر العبث بالقوانين والممارسات وترسيخ ذلك كثاقفة فوقية عدمية يجليها اليوم أحسن تجلية رجالات المنظومة الحالية من مثل زطشي ومن معه.

 

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى