الترامبية تيار فكري أم نهج سياسي؟
بشار نرش

مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، بدأ مصطلح الترامبية يأخذ زخماً كبيراً في الاستخدام في وسائل الإعلام الغربية والعربية، وفي مراكز أبحاث ودراسات، وقد أحدث هذا المصطلح حالة من الاستقطاب الشديد بين أنصاره ومعارضيه، إلى درجة أنّ قواميس غربية أضافت “الترامبية” إلى قائمتها، وقدّمت له تعاريف، كقاموس كولينز الإنكليزي الذي أضاف المصطلح إلى قائمته المختصرة، وعرّف “الترامبية” بأنها “السياسات التي ينادي بها دونالد ترامب، وخصوصا المنطوية على رفض المؤسسة السياسية الحالية، والسعي نحو المصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية”، في حين عرّفه القاموس الأوروبي كحركة اجتماعية – سياسية تقوم على عناصر عديدة منها العنصرية، والتعصّب الديني، والمواقف المهينة تجاه المرأة، ومحاولات تخويف الصحافة، وعدم اليقين الاقتصادي، ورفض النتائج العلمية، وصناعة الكراهية”.
وقد اعتبر باحثون ومهتمون أنّ مصطلح الترامبية يعبّر عن تيار فكري آخذٍ بالتبلور منذ تولي ترامب إدارة البيت الأبيض، خلفاً لباراك أوباما، ولا يعتبر هذا التيار الفكري تيّاراً عابراً أو ظرفياًّ، وإنّما هو امتداد موضوعي لتراكم طويل الأمد في السياسة الأميركية، فالأفكار هنا تعد أدوات سياسية قوية، يمكن من خلالها تحريك الجماهير أو تضليلها أو حشدها، وهو ما نجح فيه  ترامب. وفي هذا الصدد، يمكن القول إنّ الرئيس الأميركي، وعلى الرغم من أنه لم يهتم بالأفكار، ولم يلتزم بتيار سياسي أو فكري محدد (غيّر انتماءه الحزبي خمس مرات منذ 1987 وحتى ترشحه للرئاسة)، إلا أنّ ذلك لا ينفي أنّ الآراء التي قال بها وروّجها، منذ ترشّحه للرئاسة، قد حاكت توجّهات قوى داخل المجتمع الأميركي، ولامست مطالبها، وهي أفكارٌ موجودة، بل ومنتشرة لدى أوساط واسعة، نجح ترامب في تحريكها، وبثّ روح المجابهة فيها، بحيث يمكن اعتبار الأكاديمي والكاتب في جامعة كلاريمونت، مايكل أنطوان، أحد أبرز سماسرة الأفكار الذين عملوا على تأسيس الترامبية، وممّن بذلوا جهداً كبيراً لخلط القومية “الترامبية” العدوانية مع تيار المحافظين، حيث نشر مقالاتٍ تحت اسم مستعار، هو بوبليوس ديسيوس موس، خلال الحملة الرئاسية عام 2016، جعلته يبرز بوصفه واحداً من المؤلفين القلائل الذين يقدّمون أساساً فكرياً لترامب، علماً أنّ بعضهم يعتبره المؤسس الرئيس لأيديولوجيا ترامب، حتى أنّه يطالب بالاعتماد على صياغة مصطلح “الترامبية”، وبناء إطار فكري له.
وعلى الطرف الآخر، اعتبر باحثون ومهتمون أنّ الترامبية هي مجرّد رد فعل سياسي طارئ ومؤقت ومرهون بوجود الرئيس ترامب على رأس السلطة في الولايات المتحدة، وبمجرّد مغادرته رأس السلطة فإنّ هذه الحالة ستختفي. وفي هذا الصدد، يمكن القول إنّ الترامبية، في إطارها العام، تمثّل أحد تجلّيات الشعبوية، المستندة إلى القومية الضيقة، والتي لاقت رواجاً في مختلف أنحاء العالم، باعتبارها رد فعل على العولمة والآثار السلبية لاقتصاد السوق الذي لا يراعي العدالة الاجتماعية. ويبدو أنّ هذا التيار وجد في ترامب قائداً له أو نموذجاً يُحتذى، بعد  أن جسّد نمطاً جديداً من الإدارة، يحكم بها الولايات المتحدة فوق المؤسسة السياسية، وفوق الأعراف والتقاليد السياسية، وأحدث تغيّراتٍ كبيرة ومهمّة، شكّلت صدمة وانقطاعاً لما استقر عليه الحكم في أقوى دولة في العالم. ولذلك، تعني الترامبية عند بعضهم صخب التغيّر والتحوّل واللااستقرار.
وعليه، يمكن القول إنّ الترامبية، أكانت تيّارا فكريا جديداً أم نهجاً سياسياً ديماغوجياً، ارتبطت بشخص ترامب نفسه، وسجّلت ماركة تجارية باسمه، بعد أن مزجت، بشكلٍ محيّر، بين العداء للمؤسسية، والنزعة الاقتصادية الشعبوية، والقومية الرجعية، والعسكرة القوية، والعداء للمهاجرين والأقليات، بحيث مثّل “البزنس” والمصلحة التجارية جوهر هذه الماركة، فكراً وممارسةً، من خلال عقيدةٍ تستند إلى مفهوم براغماتي مصلحي، تقوم على مبدأ الصفقة في التعامل مع القضايا الخارجية. وعلى الرغم من أنّ رؤساء أميركيين جاءوا من المهنة نفسها (عالم الاقتصاد والتجارة)، إلا أنّ ترامب نجح في إخضاع السياسة للمصالح التجارية، بحيث كرّس، بسلوكه هذا، نهجاً جديداً يقوم على إخضاع السياسة والعلاقات الدولية لاعتباراته التجارية، فالترامبية هنا بقدر ما هي عقيدة شخصية، يتم إبقاؤها متماسكةً معاً بطرق كثيرة، بواسطة مواقف سياسية ومبادئ أيديولوجية متطرفة، وأوهام قومية قد تتناقض مع التاريخ الأميركي وقيم الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، كما أنّها تصبح قوىً ناعمة من خلال قوة  كلمات ترامب التي تحمل قدراً هائلاً من الوزن والتأثير، جاذبةً، في الوقت نفسه، قطاعات واسعة من البسطاء المهمشين، والإنجيليين الذين يشكلون جيش “الترامبية” القوي في الولايات المتحدة الأميركية.
وفي المحصلة، من الصعب العثور على تقدير موضوعي، أو متوازن، بشأن حقيقية الترامبية ومستقبلها، وخصوصاً أنّ هناك من يرى أن نتائج سياسات ترامب لم تتبلور، وبالتالي من غير المنطقي الحكم عليها، في انتظار ما قد تنتهي إليه إجراءات محاكمة ترامب في محاولةٍ لعزله بعد موافقة مجلس النواب الأميركي على توجيه تهم استغلال السلطة، وعرقلة عمل الكونغرس، والتي ستنهي آمال ترامب بالرئاسة في حال عزله، وقد تكون مقدّمة لانتخابه لأربع سنوات مقبلة مليئة بالقرارات القائمة على الانفعال أكثر من العقلانية، في حال تم إسقاط التهم عنه في مجلس الشيوخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى