التطبيع العربي الصهيوني .. لماذا الآن؟
علاء أبو عامر

لماذا الآن؟ إنه سؤال الأسئلة، فهو يحملُ في طيّاتهِ تسليمًا بأن التطبيع سيقع عاجلًا أم آجلًا، لكن اختيار التوقيت هو السؤال، يليه سؤالٌ آخر مكملٌ له وفق صيغة “ما الذي تغير؟”. للإجابة علينا مُراجعة أحداث العقد الأخير، فثمّة تغيّرٌ كبير قد حصل، وثماره هذا التطبيع المُذِل.
أولًا وببساطة، عالم العرب 2020 هو غير عالم 2002، أي عام المبادرة، فعرب العام 2020 يعيشون واحدةً من أسوأ مراحل الانقسام والتفتُّت الرسمي والشعبي في التاريخ المعاصر. التغيير الذي حصل كان في طبيعةِ توازن القوى الحاكمة في الرسميات العربية، حيث غابت الدول الجمهورية المحورية الشعاراتية ذات الفكر القومي العربي التي تصدّرت مشهد التصدّي للصهيونية، بل والصراع المسلح معها، والتي كانت تُعرف بدول المواجهة (مصر، العراق، سورية، حركة المقاومة الوطنية الفلسطينية واللبنانية، ليبيا، اليمن، والجزائر)، والتي وصفها الأكاديمي والدبلوماسي الروسي السابق يفغيني بريماكوف، في كتابه “تشريح الصراع في الشرق الأوسط”، بأنها “العدو اللدود للصهيونية”، ووصف صراع الشرق الأوسط بأنّه “صراعٌ بين القومية العربية والحركة الصهيونية، والقومية العربية تُعبّر عنها قوى وحركات وأحزاب”. هذه الحركات والأحزاب المعادية للصهيونية كلها ضعفت وأُسقطت عن السلطة، وحلّت بدلًا منها قوى طائفية أحيانًا، أو عسكرية، وأخرى مُلفّقة من دون أي مبادئ.
قد يقول قائلٌ: بدأ السقوط قبل ذلك بكثير؛ أي مع خروج مصر من حالة الصراع مع العدو الصهيوني عام 1979، وهذا صحيح، إذ إنها البداية التي انشغلت بعدها باقي الدول والقوى العربية بالصراعات الداخلية، فخروج مصر وإقامتها سلامًا مُنفردًا مع الصهاينة مثّل إسفينًا شقّ جدار الأمن القومي العربي، وبداية التخلي عن فلسطين بوصفها قضية العرب المركزية. تلا ذلك تدمير العراق لمصلحة كيان الصهاينة، وذلك بحسب اعتراف جورج بوش الابن، وباتفاق ومشاركة دول عربية وإقليمية، كسورية وإيران والسعودية (اعترفَ بذلك أخيرا تركي الفيصل). إذًا لم تعد تلك الأحزاب القومية ترفعُ شعار تحرير فلسطين في الحكم، ما بقي منها فقط هو نظام البعث السوري، وهو في حالة صراع مع قوى محلية داخلية مدعومة من قوى إقليمية ودولية، والدولة السورية باتت اليوم، بفعل الوجود الروسي والإيراني، محكومةً بمعادلات جديدة غير قومية، بل إقليمية ودولية، ولم تعد فلسطين وتحريرها شعارًا لدى سورية اليوم.

ثانيًا: سبقَ سقوط الأحزاب القومية العربية، وبالتالي حركة التحرّر الوطني العربية، تلاشي التنظيمات الشيوعية أو اليسارية بعد تفكّك الكتلة الاشتراكية. كانت هذه الأحزاب رديفًا للحركة القومية العربية. وعلى الرغم من اختلاف أهدافها الاستراتيجية، إلا أنها اتفقت على النضال ضد الصهيونية والإمبريالية الغربية. وقد أدى ذلك إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية، فتلك الأحزاب، منذ خمسينيات القرن الماضي، كانت صاحبة الشعار الذي وحّد العرب جميعًا خلفه: “الوحدة العربية هي الطريق لتحرير فلسطين” أو “تحرير فلسطين هو الطريق إلى الوحدة العربية”، والذي مُسح اليوم من أدبيات الأنظمة الجديدة، وحلّت مكانه اليوم شعارات مثل “مصر أولًا”، أو “السعودية أولًا”، أو “الإمارات أولًا”.. إلخ.
ثالثًا: أدّى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، إلى خشية العائلات الحاكمة في الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية، وبطلبٍ أميركي، إلى إخراج “شيطان” الحركات الإسلامية الأصولية من القُمقم، وهدفها المُعلن، في ذلك الوقت، وقف المد الثوري الإسلامي الإيراني المعادي للملكية أولًا، وثانيًا ضرب الحركة التقدّمية والشيوعية في المنطقة، وثالثًا ضرب التيار القومي العربي. والمُلاحظ أن العربية السعودية القائد الموجه والممول لهذا التيار، لم تضع الصهيونية ولا مرة هدفًا وعدوًا ضمن أهداف جماعاتها الإسلامية المُسلحة.
منذ ذلك الحين، أصبح الجهاد الإسلامي في أفغانستان والفيليبين والبوسنة والهرسك أهمّ من أي قضية أخرى، وتراجعت مكانة فلسطين، حتى لدى قطاعات شعبية عربية، بفعل التعبئة الإعلامية الدينية التي جعلت من الشيوعية والشيعية عدوًا أول، بل ونهائيًا. لقد جعلَ هذا الاتجاه السلفي الجهادي السعودي الأولوية لكل الصراعات الأيديولوجية، ولم تكن فلسطين إحداها، فقد عملت هذه الحركات بأوامر وتدريب وتسليح من جهاز المخابرات المركزية الأميركية المرتبط توأمةً مع جهاز المخابرات الصهيوني (الموساد).
رابعًا: بعد تدمير العراق العربي عام 2003 من الولايات المتحدة واحتلاله، واجتياح القوّات الصهيونية مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة في عدوانٍ همجي، أدى إلى سحق حركة المقاومة الفلسطينية المُسلحة، برز حزب الله وسورية وإيران محورا معاديا للصهيونية وأطماعها، وانضمت إليه حركتا الجهاد الإسلامي والمقاومة الإسلامية (حماس). في المقابل، جاءت ردّة الفعل الأميركية والصهيونية، وبتحالفٍ مع كل القوى العربية المرتبطة بالولايات المتحدة (حمايةً) والمتمثلة بإمارات الجزيرة والخليج العربيين وممالكهما، باستغلال ثورات الحرية والديمقراطية العربية الصادقة في جوهرها والمُطالبة بالعدالة ومكافحة الفساد، وحوّلتها من خلال ركوب موجتها إلى نقيض التغيير الديمقراطي، مستعينةً بالقوى الظلامية، كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وجبهة النصرة من جهة، وبعض الجماعات الإسلامية المُعتدلة الطامحة للسلطة بأي وسيلة، وبذلك أوجدت صدامًا داميًا بين الإسلام السياسي، التكفيري منهُ والمعتدل، مع الحركة الوطنية والقومية والتقدّمية العربية. ونتج عن ذلك الصدام الدامي خرابٌ ما زالت تعاني منه كل المنطقة، ولن تلتئم جراحها إلى عقدٍ قادم أو أكثر.

خامسًا: يُعتبر إثم الآثام في المنطقة الذي أضعفَ حركة التحرّر الوطنية الفلسطينية، بعد اتفاقيات الذُل في كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، هو الانقسام الفلسطيني الداخلي الذي سبقَ غيره من الصراعات بين التيارات الإسلامية والوطنية القومية باعتراف رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، الذي ادّعى أن أوّل “الربيع العربي” هو انتصار “حماس” على حركة فتح في غزة عام 2006، وكان صراعًا دمويًا لاأخلاقيًا، وهو الأول من نوعه ما بين الحركة الوطنية والتقدمية الفلسطينية، والتي هي جزء مهم من الحركة القومية والتقدّمية التحررية العربية، مع جماعة الإخوان المسلمين، ممثلةً بجناحها حركة حماس، بحيث تحوّل الصراع ضدّ المحتل الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي الغريب إلى صراع على السلطة الوهمية، تحت مُبرّرات واهية ثبتَ في ما بعد زيفها، إذ تبنّت الحركة الإخوانية ما اتهمت به الحركة الوطنية الفلسطينية من نهج التسوية لصالح البقاء في الحكم تحت مسمّى “الوثيقة السياسية”. وقد أعقبت أحداث الانقسام الفلسطيني الفلسطيني الدامية في غزة حملات من التشهير والاعتقالات شغلت الساحة الفلسطينية 12 عامًا، وأصبحت فيه الصهيونية حليفًا مُعلنًا أو مستمرًا لكل منهما. بل إن صفة العدو الصهيوني نزعت عن دولة الكيان الغاصب في الضفة الغربية، وحلت محلها عبارة “الطرف الآخر”، أو في أحسن الأحوال “الاحتلال” من دون الإشارة إليه ونعته. وبالتالي، تعاونت السلطة الفلسطينية في قمع أي تحرّك نضالي مسلح أو شعبي فاعل ضد الصهاينة، من خلال شبكة التنسيق الأمني (المقدّس). وقد اعترف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أخيرا، بأن السلطة الفلسطينية تُمارس دورًا استخباراتيًا فاعلًا في الإقليم والعالم لمصلحة تعاون أمني دولي، يخدم في ما يخدم الولايات المتحدة وكيان الصهاينة.

سادسًا: أصبحت القضايا المحلية والصراعات الداخلية اليوم هي السيدة، بينما تراجعت قضايا الأمن القومي العربي والوحدة الوطنية الفلسطينية والكرامة ووحدة المصير العربي المشترك، أو حاولت الأنظمة العربية، فاقدة الإرادة الحرّة المرتبطة بالحماية الأميركية، إزاحتها إلى الخلف. وباستخدام القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني من كل الأنظمة العربية عقودا لإلهاء المواطن العربي، بذريعة أنّ المعركة الأهم هي معركة تحرير فلسطين والمقدسات الإسلامية في القدس، على حساب مسائل الحريات ومكافحة الفقر وتحقيق الرفاه التي أُجّل تحقيقها إلى ما بعد الانتصار على العدو، وقعَ خللٌ في فكر الأنظمة الرسمية العربية، حيث ترك إبعاد العدو الصهيوني عن دائرة الصراع فراغًا كان يجب تعبئته، أي إيجاد عدوٍّ بديلٍ عن الصهيونية، وكان ذلكَ مُلحًا. وهنا ظهر “العدو العثماني” الذي كان راعي الحركات الجهادية المتخلفة، وشريكًا لهذه الأنظمة في تدمير سورية وليبيا، قبل أن ينقلبوا عليه، والعدو الفارسي الصفوي (كان شريكهم في تدمير العراق، وخصمهم عندما حاولوا تدمير سورية)، والذي أصبح، منذ احتلال الولايات المتحدة العراق وثورات الربيع العربي، العدو الأهم لبعض الأنظمة العربية الملكية، وفق تخطيط أميركي صهيوني مُعلن.
وعليه، وخلاصةً لما سبق في الإجابة عن سؤال: لماذا الآن؟ وماذا تغير؟ تغيّر كل ما سلف ذكره وهو كثير، حيث إنّه في ظل ضعف قوى حركة التحرّر الوطني العربية حدّ التلاشي، وضرب القوى الإسلامية المعتدلة، المؤمنة بفلسطين قضية إيمانية ذات قداسة، باتت مُخططات الماضي القابعة في الأدراج محلّ نقاش بين القوى الحاكمة في المنطقة، وفي مقدمتها العربية السعودية ومحورها، مع حليفها الدائم الإدارة الأميركية التي قامت تحت بند مواجهة الخطرين، الإيراني والتركي، وخديعة التلويح بالخروج الأميركي من المنطقة، بطرح مشروع حلف الناتو العربي الصهيوني، الذي اعتذر الجيش المصري عن المشاركة فيه، لكن الدول الأخرى رأت فيه فرصةً للحماية، بعدما جرّبته فعليًا في تحالفها مع الصهاينة في أثناء حرب اليمن التي ما زالت مستعرة (بل وجرّبته في حرب اليمن الأولى ضد الجيش المصري)، في مواجهة حلفاء إيران الحوثيين، وفق تقاريرٍ أشارت إليها الصحف الصهيونية، بمشاركة طيارين وخبراء صهاينة. هذا بالإضافة إلى ملفات حقوق الإنسان في السعودية والإمارات والبحرين وغيرها، وما يُثار عن جرائم حرب في اليمن، والتلويح بقوانين أميركية لها علاقة بـ”11 سبتمبر” منذ عام 2016، أهمها “جاستا”، وقضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وحاجة السودان إلى التنمية وإزاحة اسمه من ملفات الدول الراعية للإرهاب، وغيرها من ملفاتٍ تبتزُّ بها الولايات المتحدة وإدارة ترامب دول التطبيع التي جعلت هذه الأنظمة العائلية والعسكرية تُقايض بقاء عائلاتها الحاكمة بالأمن القومي العربي والمقدّسات والحقوق الفلسطينية والعربية في الجولان وجنوب لبنان. وقد برهن الرئيس ترامب، أخيرا، على ابتزاز هذه الدول، وبدفعها المال متى أراد، بتصريحٍ جريء حدّ الوقاحة، بأنه أمَر هذه الدول بعدم تقديم أي دعم مالي للفلسطينيين، كي يرضخوا للإدارة الأميركية، ويقبلوا مبادرتها التصفوية “صفقة القرن”، وقد استجابوا له. ومؤكّد أن الحلف العربي الصهيوني السني، أو “الناتو” العربي الصهيوني، موجود بشكل غير رسمي قبل التطبيع الرسمي أخيرا، وما التطبيع العلني إلا تعبير عن امتنان هؤلاء لشريكهم في الحروب والاستخبارات (الصهاينة)، وحماية أنفسهم في ملفاتٍ كثيرة ما زالت في أدراج السياسة وأجهزة المخابرات الأميركية والغربية، بعضها معلن والآخر ما زال خفيًا.

وإجابةً عن سؤال: ما البديل؟ أو ما العمل لوقف هذا المخطط المُدمر للأمن القومي العربي ولمبدأ التضامن العربي؟ الأمر في جوهره بسيط، ويتمثل في محورين متكاملين. الأول: إعادة الاعتبار للكفاح الفلسطيني المسلح والشعبي، الذي يجبُ أن يسبقه إنهاء الانقسام الفلسطيني ووحدة كل القوى الحيّة في مواجهة المحتل. الثاني: إعادة الاعتبار للفكر القومي العروبي ذي البعد الإسلامي الذي يرتكزُ على المبادئ والعقيدة الإسلامية التي ترى في فلسطين الأرض المقدسة التي يُمنع التفريط فيها. وعندما ينجحُ ذلك سيسقط كل ما حصل، كما سقط عقب انتفاضة الأقصى عام 2001 ولو مؤقتا.
ختامًا، حصل التطبيع الآن، لأنّ قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والعدالة والفقر واللجوء والفساد التي أُتخمت بها المجتمعات العربية أصبحت شاغل الشعوب. يُضاف إليها ضُعف الكفاح الوطني الفلسطيني الذي مثّل جاذبًا ومحفزًا للثورات العربية، بفعل التنسيق الأمني للسلطة مع الاحتلال، والرهان على وهم التسوية، وذهاب التنظيمات الإسلامية الفلسطينية إلى تحالفات المحاور ذات الأبعاد الطائفية، وكذلك ارتهان الأنظمة العربية للحماية الأميركية ووكلائها الصهاينة.. ذلك كله جعلَ التطبيع يحصُل من دون خوفٍ، فلا وجود لقوّة فاعلة مُنظمة اليوم للتصدّي لهذه الخيانات، بحيث أضحى التفاخر العلني الإماراتي والبحريني بالعلاقات مع العدو مُمكنًا. لكن هل سيطول الاحتفال بهذا العرس المخزي؟ أعتقدُ أنّه لن يطول، فالربيع العربي لا بدّ قادم بموجةٍ أقوى تجرفُ معها كل هذا الانحطاط، وتُعيد للشعوب العربية كرامتها، عازلةً المهرولين لزيارة تل أبيب قبل تحريرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى