“التطبيع” يقصم ظهر الحزب الإسلامي في المغرب
عبد الرحيم التوراني

لم يكن رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني، لما أحنى رأسه للتوقيع على وثيقة اتفاقية التطبيع بين المغرب وإسرائيل (الخميس 10 ديسمبر 2020)، في تمام الرضى عن النفس وهو بصدد ما يقدم عليه. لكنها السياسة والبراغماتية لما تفرض إكراهاتها. وقد ترافقها نصائح المقربين في الحزب، وربما دفْعُ وتحفيز بعض أفراد الأسرة أيضا. ناهيك عن ضغوط جهات في الدولة. دون إهمال هواجس الذات، الخوف من فقدان منافع وضياع مصالح ينعم بها الرجل، خصوصا إذا كان لم يحلم بها من قبل مطلقا، (إن النفس لأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم) كما جاء في الآية القرآنية.

سعد الدين العثماني هو من خاطب مرة الناس قائلا: “إن الوصول إلى منصب رئاسة الحكومة ليس بالأمر الصعب المنال، والمثل أنا أمامكم، فبعد أن أصبحت رئيسا للوزراء، بإمكان أي كان أن يبلغ هذا المنصب والدرجة”.

وبعد أن ظل زمنا مهددا بإسقاط حكومته واللجوء إلى انتخابات مبكرة، ها هو العثماني ينهي فترة ولايته كاملة غير منقوصة، والتي ستختتم هذه العام 2021. وربما قد تمنى له البعض من محازبيه وأنصاره، لو لم تكتمل ولايته ليقوم غيره بتلك المهمة الثقيلة والحارقة.

كثيرة هي المرات التي اضطر فيها العثماني إلى تكذيب أخبار تروج حول إمكانية إسقاط حكومته والتوجه إلى انتخابات سابقة لأوانها. وكان يسارع إلى التحذير من كونها مجرد “شائعة”، منبها لكونها “أخبار لا تقوم على أي أساس”.

هي نفس عبارات النفي تقريبا التي لجأ إليها سعد الدين العثماني في آخر أيام شهر غشت الماضي، ليكذب ما راج عن إقدام المملكة المغربية على التطبيع مع “الكيان الصهيوني”. لكن الأيام ستكذبه وتسقط أمانيه. بل سيضطر هو نفسه، ما غيره، إلى وضع إمضائه وبصمته على ما نفاه بالأمس القريب.

استعراض التطبيع و”البيعة” بالعامية المغربية…!
كان المشهد في رحاب القصر الملكي بالرباط تكتنفه رهبة غامضة، مشهد أضفى عليه المكان روحا مضمخة بعطر آتٍ من زمن بعيد، عندما أصر الملك على بسط سجادة جدارية كبيرة تمثل شجرة الأنساب الشريفة للسلاطين والملوك في الدولة العلوية التي تحكم المغرب منذ القرن السابع عشر، وهي “شجرة أنساب آل البيت”، التي تنتهي إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي الرسول محمد. وقد تطوعت بعض الأقلام واجتهدت لقراءة وتفسير المغزى العميق لإحضار تلك المنسوجة المطرزة في جدار لحظة غير عادية.

ظهر سعد الدين العثماني كمن تمت جرجرته من دون إرادته إلى ساحة لا يرغب فيها، وأمام ملك المغرب محمد السادس، وجاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي وزوج ابنته، ومئير بن شبات رئيس أركان الأمن القومي الإسرائيلي، وأفراهام بيركوفيتش المساعد الخاص للرئيس الأميركي والممثل الخاص المكلف المفاوضات الدولية. استوت عناصر المشهد ودلالاته في انتظار إعلان اللحظة التاريخية. توارى الجميع خلف كمامات الوقاية من “كوفيد 19″، حيث لم تظهر من الوجوه غير أعين شاخصة بجفون سريعة الرفرفة، لكن “لغة الجسد” كانت كافية للتعبير عما يغوص في بواطن الأنفس من مشاعر متباينة.

أتى سلام مئير بن شبات على الملك، بمثابة تجديد لعقد المبايعة الصريحة من أحد رعايا المملكة الشريفة لملك البلاد، بلغة دارجة مغربية، لفظها بلكنة اليهود المغاربة التي تقلب فيها أحيانا السين شينا: “الله يبارك في عمر شيدي”. إن السيد رئيس أركان الأمن الإسرائيلي الحالي يتحدر من أصول أمازيغية مغربية، فوالده هو أحد كبار حاخامات مدينة أسفي (جنوب الدار البيضاء)، وقد وصل إلى “أرض الميعاد” إسرائيل في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.

جلس سعد الدين العثماني وبن شبات يتوسطهما كوشنر ووقعوا جميعا، ثم وقف الثلاثة، وعلى طريقة دونالد ترامب الاستعراضية عندما وقع اعتراف القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، أبرزوا للكاميرات إمضاءاتهم على الورق. لقد تم إنجاز ما يسميه المغاربة  (ضرب الاكحل ف الابيض)، أي “وضع الحبر الأسود على الورق الأبيض”، عبارة غالبا ما تردد عند توقيع العقود، وفي عقود الزواج خاصة. لكن الكاميرات التقطت سعد الدين العثماني وهو يحاول الاطلاع على الوثيقة كمن يريد تهجي سطورها، قبل أن يتدارك ويرفع ما بين يديه نصف رفعة. ما يفيد، حسب كثير من المدونين المغاربة، أن الرجل لم تتح له فرصة الاطلاع على تفاصيل مضمون ما وقع عليه، كما هو مفترض. وتساءل آخرون لماذا سعد الدين العثماني وليس وزير الخارجية ناصر بوريطة الذي سعى سنوات جاهدا بسرية وراء هذا “الإنجاز التاريخي”، خصوصا أن نظير العثماني غير موجود، وهو هنا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو؟

كان موقفا صعبا، كما عبر عن ذلك لاحقا العثماني نفسه، في لقاء خاص مع قناة “الجزيرة” القطرية. وإن لم يحالفه الحظ  والتوفيق خلال هذه الإطلالة التي جرت عن بعد، وظهر وهو يحاول انتقاء الكلمات ليشرح للمشاهدين ما هو في غنى عن أي شروح أو تفسير.

ممارسة السياسة بالإشارات
لكن مراقبين لم يفتهم التأكيد على مغزى ما حصل، فـ”السياسة تمارس بالإشارة”، كما كان يحلو للراحل عبد الرحمان اليوسفي أن يصف تجربته في توليه الوزارة الأولى لحكومة التناوب التوافقي (1998- 2002).

كان وصول حزب العدالة والتنمية، ذو التوجه الإسلامي، إلى قيادة الحكومة المغربية، في ظرفية حرجة عرفت بـ”الربيع العربي”. وقد قبل الحزب أن يلعب دور “الإطفائي” وإخماد “حركة 20 فبراير” التي انتشر لهيبها في شوراع المدن والقرى بالمغرب. وقد طال أمد ولاية “العدالة والتنمية” لتستغرق حوالي عقد كامل من الأعوام. واتضح بعد انتخابات 2016 التي تبوأ فيها الحزب الإسلامي للمرة الثانية على التوالي الرتبة الأولى، أن الملك لا يرغب في التجديد لعبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وسبق أن كشفت وثائق موقع “ويكيليكس” المسربة قبل وصول حزب بنكيران إلى الحكومة، أن محمد السادس متحفظ ضد الإسلاميين ولا يرى بينهم أي صقور أو حمائم، فكلهم في نظر العاهل المغربي سواء.

بعد ستة أشهر من “البلوكاج”، أو الأزمة الحكومية، (من سبتمبر 2016 إلى مارس 2017)، تم إعفاء عبد الإله بنكيران من تشكيل الحكومة، وجيء برئيس المجلس الوطني للعدالة والتنمية سعد الدين العثماني، ليتم تعبيد الطريق أمامه سالكة لتشكيل ائتلاف حكومي من خمسة أحزاب، ضمنها حزب الاتحاد الاشتراكي الذي أصر بنكيران على إبعاده وعدم مشاركته في الحكومة.

التوجس من الإسلاميين وتعرية سوءتهم
لكن الهجوم على الإسلاميين الذين يقودون التحالف الحكومي لم يتوقف من كل حدب وصوب، ومن جهات محسوبة على النظام أساسا، خصوصا وقد عرفت فترتهم تدنيا كبيرا على مستويات تسيير الشأن العام، سواء في الحكومة أو الأداء البرلماني أو في المجالس المحلية التي يتولونها. وزاد من حدة انتقادهم والغضب الشعبي عليهم، ما طفا على السطح من ملفات فساد وفضائح أخلاقية وجنسية كان أبطالها قياديون في حزب العدالة والتنمية، الحزب الذي وصل بشعارات محاربة الفساد وتخليق المجتمع والعودة إلى الدين، بل إن قبول عبد الإله بنكيران بامتياز راتب تقاعدي خارج القانون، تم منحه له من طرف محمد السادس، بمبلغ شهري يفوق تسعة آلاف دولار، كان ورقة التوت التي طارت لتكشف سوءة الحزب الإسلامي أمام جمهوره وأمام طبقات الشعب.

ظلت الدوائر العليا في السلطة المغربية تتوجس من تغول العدالة والإسلامية، ولم تتردد في إنشاء حزب جديد لمواجهة من يوصفون بـ”الظلاميين” و”المهربين الدينيين”، تبعا لسياسة إنتاج أحزاب ونخب موالية للسلطة، منهجية سطرها نظام الحسن الثاني منذ الستينيات، لكن الحزب الجديد “الأصالة والمعاصرة” لم يوفق في لي عنق “الظلاميين”، رغم توفير الأموال الباهظة لمساعدته في إنجاز المهمة، ومنها جلب مطبعة فريدة من نوعها في المنطقة الإفريقية، وإصدار صحف ومجلات بالعربية والفرنسية وإطلاق مواقع إلكترونية، كلها انتهت سريعا إلى البوار والإغلاق. ما جعل النظام يغير الخطة بالعودة إلى الاعتماد على حزب التجمع الوطني للأحرار الذي كان الحسن الثاني أمر بتأسيسه ليعبر عن صوت “الباطرونا”، رجال الأعمال والإقطاع، ووضع على رأسه صهره الوزير الأول أحمد عصمان (سنة 1977).

وبدل الالتفاف حول قطب “حزب الأصالة والمعاصرة”، ستعطى الإشارة إلى الأحزاب أن تلتف حول وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، صديق الملك، الملياردير عزيز أخنوش، المسيطر على قطاع المحروقات، عندما تم تعيينه رئيسا لحزب الأحرار، وأرسل سلفه صلاح الدين مزوار لرئاسة نقابة “الباطرونا” (الاتحاد العام لمقاولات المغرب). وكان في مقدمة تلك الأحزاب التي لبت نداء الالتفاف، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برئاسة إدريس لشكر الذي قام بالإجهاز على ما تبقى من تاريخ وأمجاد أعرق الأحزاب السياسية المعارضة في المغرب منذ نهاية الخمسينيات، ما أكد أن الملكية ضمنت الولاء التام للأحزاب الوطنية بعد تجربة التناوب التي قادها الحزب الاشتراكي.

انشقاق في حزب العثماني وبنكيران
مثلما فجرت مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحكومة، أزمة كبيرة في صفوف قواعده، أضعفت تأثيره وصداه في الشارع المغربي، كان توقيع العثماني على التطبيع ضربة قاصمة بل أكبر. ضربة فاقت كل أخطاء الأحزاب السياسية سابقا. فقد استطاع الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي أن يقدم استقالته من رئاسة حزبه ويعتزل العمل السياسي احتجاجا على ما سماه بـ”الخروج عن المنهجية الديمقراطية”، عندما رفض الملك استمراره على رأس الحكومة إثر ترتيب الاتحاد الاشتراكي على رأس الأحزاب في انتخابات سبتمبر 2002، لكنها شجاعة لا يمتلكها خلفه الإسلامي سعد الدين العثماني، الذي يتهرب ويغض الطرف عما خلفته مباركته وتوقيعه على التطبيع، من أزمة متأججة تضع حزبه في منعرج صعب وتكاد تعصف بكيانه.

يتساءل محللون هل ينتظر أن نشهد تكرار ما عاشه الاتحاديون في المؤتمر الوطني السادس للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (مارس 2001)، عندما انشقت قيادات وأطر بارزة، بعضها أسس “حزب المؤتمر الوطني الاتحادي” بزعامة النقابي الكبير محمد نوبير الأموي، وبعضها اجتمع داخل تيار يساري (تيار الوفاء للديمقراطية) اندمج لاحقا في الحزب الاشتراكي الموحد، واختار آخرون الانتساب إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

هل سيحدث انشقاق داخل حزب العدالة والتنمية بسبب التطبيع؟ وهل سيترجم أتباع وقياديو الجناح الدعوي للحزب، في “حركة التوحيد والإصلاح” رفضهم الصارخ للتطبيع، بتأسيس إطار حزبي إسلامي جديد، بعد مباركة الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية للتطبيع وخروج الأمين العام السابق عبد الإله بنكيران ليدعم العثماني والدولة المغربي؟ أم أن الأمر مجرد توزيع أدوار بين من “يكوي ومن يبخ”، كما تقول العامة، أي بين من يكوي ومن يقوم بالنفخ للتبريد؟

وهل ستفتح جماعة العدل والإحسان الإسلامية أبوابها لاحتضان المنشقين عن حزب العثماني وبنكيران؟ خصوصا إذا علمنا أن هذه الجماعة المحظورة التي أسسها الشيخ عبد السلام ياسين في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وإن كانت معارضتها جذرية وتقاطع الانتخابات، فإنها كانت توجه أعضاءها للتصويت على مرشحي ولوائح حزب العدالة والتنمية.

العزوف السياسي وبلقنة المشهد الحزبي
إن بعثرة المشهد الحزبي والسياسي في المغرب وبلقنته، يعتبره بعض المؤرخين غاية “مخزنية”، أي أن النظام أو ما يسمى بالدولة العميقة هي من وراءها. حيث لا مجال للأحزاب المستقلة عن النظام. فلم يعد مرغوبا في استمرار الصراع والتشنج أو الندية ما بين الأحزاب والنظام كما حصل في عهد الحسن الثاني وخلف ما يعرف بـ”سنوات الرصاص” في المغرب.

لكن محللين آخرين يقرأون ما يحدث حاليا بكونه لن يكرس سوى مزيد من العزوف السياسي والانتخابي لدى المواطنين، والشباب منهم أساسا، وسيعمق فقدان الثقة في المؤسسات التمثيلية وفي العمل الحزبي والقول بعدم جدواها، ما سينعكس سلبيا وبوضوح جلي على المشهد السياسي والممارسة الحزبية في المغرب، حيث لم يعد بالإمكان التمييز بين الأحزاب وبرامجها ومرجعياتها، وبين يمينها ويسارها من وسطها. لقد انتفت ثقة المواطنين في التزام السياسيين بوعودهم ومواقفهم المعلنة؟ ألم يصرح العثماني قبل أشهر قليلة بعدم قبول التطبيع مع “الكيان الصهيويني”؟ ألم يكتب من قبل في جريدة الحزب “التجديد”، بأن “التطبيع خط أحمر ومسألة منافية للثوابت الإيديولوجية التي يقوم عليها الحزب، ووصف التطبيع بأنه “جريمة إبادة حضارية”؟؟!

يقول أحد اليساريين الشامتين من حزب النهج الديمقراطي الماركسي، تعليقا على ما يحدث في البيت الإسلامي: “لعل السياسي والطبيب نفسي والباحث والفقيه سعد الدين العثماني، وهو على موعد قريب مع أعضاء حزبه في الأسبوع الأخير من هذا الشهر، في إطار هيئات الحزب المركزية، سيلجأ إلى تفسير السياسة بالإشارات، وبدل فلسفة الدلالات السيميولوجية، ربما سيلجأ إلى مفردات لغة الصم البكم، وهي لغة إشارة بحق، إذا لم يحالفه الاقتباس من سيرة الرسول محمد وصلته بيهود الجزيرة العربية، أو الاقتباس من مجلدات التراث الإسلامي، وفي مقدمتها كتاب: “السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة، ويليه النهج المسلوك في سياسة الملوك، ويليه نهاية الرتبة في طلب الحسبة”.

إن كل شيء يستند على الحسبة وعلى الحساب.

لكن المثل الشعبي المغربي القديم يقول: “اللّي كَيَحْسَبْ وَحْدُو.. كَيْشيطْ ليه”. (من يحسب وحده يجد في نهاية الحساب نفسه أمام فائض في حسابه).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى