الثلاثاء قادم.. ما العمل لوقف المؤامرة الصهيو ـ أمريكية؟
د.علاء أبوعامر

أيام صعبة قادمة، صعبة جدًا، لأن المعلن أمريكيًا وإسرائيليًا لا يمكن لأي وطني فلسطيني أن يقبل به وتحت أي ظرف.
قد يقول قائل وفق التفاؤل الفلسطيني الدائم والمرتبط بالصمود واجتراح المعجزات المبتكرة من قبل هذا الشعب، الذي يصف نفسه وفق الأسطورة الفلسطينية القديمة “طائر الفينيق” الذي يُخرج كل مرة من بين رماد النار أقوى، ويحلق عاليًا نحو الشمس، أن مصير الصفقة مزبلة التاريخ، كما سبقها من مؤامرات ومكائد استهدفت فلسطين أرضًا وشعبًا.
بظني أن هذا التفاؤل أمر لاشك فيه، لكن في السياسة والاستراتيجيات المقاومة لا تُبنى على الأحلام، والعبارات الحالمة، ولكي تذهب الصفقة إلى المزبلة على الفلسطيني أولاً أن يرفع معوله ويلقي بها بعيدًا عنه، وأن يقاوم أي محاولة لجره إلى الدخول لهذه المزبلة تحت أي ذرائع.

الضفة الغربية لنهر الأردن وفق ما يشاع ستكون في حال الرفض الفلسطيني ضمن العودة للخيار الأردني، أي مشروع الوطن البديل سكانيًا، وليس أرضًا، لذلك الأردن مستهدف كما كل فلسطين، وبتلاحم البلدين يمكن إسقاط الصفقة، لكن ليس التلاحم على مستوى القيادات بل على مستوى الجماهير أولاً، فالقادة ضعفاء أمام الضغط الأمريكي الهائل من خلال العقوبات، والضعف العربي العام الذي يسود المنطقة، ولكن زحف الشارع بملايينه الهادرة إن حصل سيوقف كل شيء شرط عقد مؤتمر فلسطيني جامع ينهي جريمة الانقسام.

هذه المرة أظن أن الوضع بحاجة إلى مواجهة شاملة، لكن المواجهة الشاملة بحاجة لقيادات تتحمل وتقود هذه المواجهة، في غزة أفقر حكامها الناس بالضرائب والمصائب، وفي الضفة أوهمت قيادات السلطة الناس بقرب السلام الزائف، والنتيجة روض الناس وبقي الاحتلال وانفصال تام ما بين القاعدة والقمة.

لسان حال المواطن الفلسطيني فيما تبقى من وطن فلسطيني يقول: “أسوأ مما نعيش لن يأتي، إذ رغم الفقاعة الواهية التي تظلل المشهد إلا أن هذا الواقع هو الأسوأ الذي مررنا به في تاريخنا المعاصر، واقع استكانة وتجارة لا نضال فيه، تسأل كيف والصواريخ تنطلق نحو تل أبيب والخضيرة والقدس المحتلة؟
يقول المواطن: “إنسى الصواريخ ذات العلامات التجارية أو المباعة بثمن للخارج في سبيل الأيديولوجيا والنفوذ الإقليمي…
ما نعيشه واقع احتلالي بقبول فلسطيني وهو لم يحدث على مر الزمان لدى أي شُعب محتل آخر”.

إنه اليأس أو اللامبالاة.
هل مر على شعب يتمنى الاحتلال المباشر على حكم نفسه بنفسه بعد أن جرب حكامًا منه؟ بالطبع لا، لقد افقروا وأذلوا وقتلوا في الشعب كل نفس وطني.

لم يحدث مطلقًا أن تاق شعب محتل لعودة الاحتلال المباشر على حكامه المحليين، لكن في فلسطين بدأ الناس وأمام الخيبات يفكرون بطريقة مسموعة بذلك.. هكذا يقول البعض الفلسطيني اليوم والصفقة شارفت أن تظهر للنور خارجة من جيوب العتمة.

وهذه هي أم المآسي، وكونها كذلك، لا يمكن الرهان على انتفاضات قريبة قادمة، الانتفاضات إذا كانت ستحدث وقد حدث بعضها فبوجه من وضع نفسه حاكمًا تحت الإحتلال، إذا حصلت قريبًا فشعاراتها ستحمل أمورًا مطلبية لكنها لن تكون ضد الصفقات، الناس تنتظر صفقة تريحها مما هي فيه.

ربما أكون متشائمًا في عباراتي لكن المتفائل في ظل هذه الظروف كاذب، لا أحد متفائل بعد ما جُرب، التفاؤل قد يكون أُفقًا لكنه ليس بأفق قريب.

فلتسقط الصفقة، مؤكد أنها ستسقط من السماء على الأرض ومن الممكن أن تنبت فجلاً، لكن المؤامرات لا تسقط بالكلمات والتهديدات الفارغة من الأفعال، المؤامرات تسقط بالأفعال وبالأفعال فقط.

لم يُدجن الشعب الفلسطيني يوماً كما دُجن فيما بعد العام ٢٠٠٧ كان ثائرًا على مر العصور من معارك شاروحين ومجدو وصور وغزة وثورات أيوديا في العصر السلوقي وصولًا لظاهر العمر الزيداني وعز الدين القسام وعبد القادرالحسيني وحركة فتح، والانتفاضات المتواصلة منذ مطلع القرن إلى العام ٢٠٠٥، لكن بعد العام ٢٠٠٧ تُحول النضال إلى محاولات للحكم في ظل المحتل ورفاهية قادة وتجويع شعب وتجارة، وبيع للأوهام التي بلا سقف.

هذه المرحلة ستطوى، فقد اقتربت من نهاياتها، لا شك ستطوى، ويخرج من يُغير الاتجاه لكن ليس اليوم وليس في الغد القريب، لكن ذلك اليوم سيأتي، لا بد آت، حيث أن الواقع لا يحتمل الفراغ إلى مالا نهاية.

تتخطى الولايات المتحدة والصهاينة كل الخطوط الحمراء ومازال الفلسطيني يهدد بأن تجاوز الخطوط الحمراء يعني الذهاب إلى المواجهة، لا أدري ما هي قصة الخط الأحمر لكن بظني أن الخطوط الحمراء لا تسمح بوضع السيارة جانب الرصيف، لكنها تسمح بالمرور الآمن لآلاف السيارات، لذلك أعتقد أن على الفلسطيني إشهار الضوء الأحمر في وجه ترامب وصهاينته بدل الحديث عن الخطوط التي لاتعني لأولئك شيئاً، فالخطوط وضعت للتجاوز والمرور الآمن لا لكي تمنعه.

إذا كان هناك استراتيجية فلسطينية للرد على خطوات ترامب فيجب أن تكون هذه الاستراتيجية جاهزة للتفعيل فور الإعلان، ورغم كل ما قيل عن الخطة ونُشر، فإن الاستماع والقراءة ومن بعدها الرد هو المنطق، لكن إذا جاءت الخطة حسب المتوقع وهذا هو المرجح وفق كل التسريبات والوقائع والتصريحات التي سبقتها، فهل وضع الفلسطينيون خطة للتصدي لها، أم أنهم سيأخذون بنصائح عرب أمريكا القائلة اقبلوا أو لا تعترضوا، وانتظروا الانتخابات الأمريكية.

وهذا ما فُعل عندما نقل ترامب سفارة بلاده إلى القدس واعترف بها عاصمة موحدة لكيان الصهاينة، لكن إذا كانت ردة الفعل هي ما فُعل بعد ضم القدس ونقل السفارة فهذه الاستراتيجية ليست موفقة، حيث فتحت شهية الأمريكان والصهاينة ولم توقفهم بل زادتهم اعتداءً على الحقوق الفلسطينية، لذلك ليس المطلوب بعد الثلاثاء القادم الذهاب فقط للأمم المتحدة بل وأيضاً تثوير الحالة الفلسطينية وتطويرها باتجاه مختلف أي بتوافق كل القوى على برنامج تصدي وبرنامج بديل لوهم التسوية بالتفاوض ( مع من سنتفاوض؟)، وأول خطوات التصديق إنهاء الإنقسام، أي خطوات لا تشمل إنهاء هذه الجريمة هو فقاعات هواء لا أكثر، هناك العديد من الأفكار التي يمكن طرحها كبديل، وهناك قرارات اتُخذت في المجالس الوطنية والمركزية كإجراءات وردود أولية ممكن تفعيلها، رغم الخشية في حال تفعيلها من الردود الصهيونية والأمريكية وعلى رأسها العقوبات، ولكن لابد من موقف ورد مهما كانت العواقب وخيمة، فالصمت بمعناه الحركي لا التصريحات يعني ضياع كل شيء.

الإقليم سيقبل بالصفقة، هذا أمرٍ بات مؤكدًا، لكن لا أحد يستطيع أن يُجبر الفلسطيني على القبول بها، مع أن ذلك ليس محسومًا بعد، فقد يُجبر إذا ظل متمسكًا ببقاء السلطة وبالرفاهية التي يعيشها البعض من قياداته متوهمين أن فلسطين قد تحررت وأصبحت دولة،أما بالمطلق فإن المتحرر من أي التزامات تجاه العدو لا يستطيع أن يجبره أحدٌ مهما بلغت قوته وجبروته على أي شيء لا يرضاه، مع ملاحظة أن هذا المُطلق مرتبط بشرط التحرر من الوهم الذي يعيشه هذا البعض بأن هناك سلامًا ممكناً مع مغتصب الأرض والشعب.

وماذا عن انتفاضة شعبية عارمة؟
بظني كل من يعتقد أن هناك انتفاضة ثالثة قادمة لا يقرأ أوضاع الضفة وغزة جيداً، لا إنتفاضة قادمة هذه قراءتي للمشهد، الناس طوعت ودجنت، والنُخب القيادية في المجتمع طوعت قبل الناس العاديين…وعليه من سينتفض على من؟.. خروج مظاهرات من مئات الأشخاص واردة، ولكن تلك ليست انتفاضة بل مظاهرةً لرفع العتب وليست لإبداء الغضب.

صفقة ترامب أو خطته وصهيونييه الثلاثة كوشنير وغرينبلات وفريدمان ومن خلفهم المسيحيين الصهاينة باتت جاهزة، والثلاثاء القادم ستُعلن بحسب ترامب، يمكن للقيادة الفلسطينية أن تتجاهلها ولا تعلق عليها، وأن تغمض عينيها وتجعل من نفسها لا ترى شيئاً، لكن في السياسة لايمكن إغلاق العينين وجعل الحدث يمر دون تعليق أو دون إعتراض، لا بد من إعتراض وهذا الإعتراض وحجمه وكيفيته هو الذي يمرر أو لا يمرر الخطة، فهو من يستطيع إبقاءها حبرًا على الورق أو صرخات في الهواء أو يحيلها واقعًا على الأرض من عدمه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى