الثورة خارج أسوار النظرية والوصايا المعرفية
بشير عمري

يتصلب دوما المعادون للتغيير السياسي الشعبي في رفض الاقرار بصفة الثورة على كل انتفاضة تنجم عن وعي شعبي بحجة خلوها من العناصر التي يشتط الاكاديميون المستريحون في أبراج العاج النخبي العالي  في تسليطها ووكل النظريات على حركة التاريخ، ويصبح بالتالي الانسان خاضع لنوذج تجربة اخيه الانسان وليس محاك لها ويصبح بالتالي التاريخ نموذجا جاهز وليس رافدا متدفق يصب في وعاء التجربة الانسانية الدائمة في التطور والثراء عبر مجرى الزمن .

وإن الأمر ليغدو أكثر تعقيدا حين تكون هذه القوى “العرفانية” المعادية لقوى إنتاج الثورة خارج الأنساق المفاهيمية الجاهزة، ممن تتصل بشكل أو بآخر بمصالح سواء دنت أو علت مع السلطة، فلحظتها يصبح التاريخ مزدحم بأشيائه في ضيق المكان وضيق الزمان معا.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

قانون الثورة الذي تأسس في المعرفة التاريخية والسياسة وأكتملت أسسه النظرية والتطبيقية هناك، في تجربة المركز الحضاري أي الغرب، صار معيارا ونموذجا تحليلي وبل وتركيي لإحقاق وشرعنة كل انتفاضة تغيير كبرى تحدث في الأطراف، من ذلك تجربة ثورة الحراك في الجزائر التي يواجهها بعض المتعلبين من المثقفين “المسيسين بالاكاديمية” بكونها لا تستكمل شروط الثورة والتي من أهمها الانتظام الزعامة، الفكرة والمشروع.

وقبل الرد على مثل هذا الشطط في التوصيف اللا ثوري للحراك، تجدر بنا حساسية المسألة العودة إلى نقطة الوعي الانساني الأولى بالثورة، وكيف تم رصد تضاريس مساراتها التي لا تزال إلى حد الساعة محل نظر ومعاودة نظر كي تفهم من زوايا مستجدة في التجربة الثورية المتأزلة.

فكل الثورات انطلقت من جزئيات خاصة شكلت نقطة البداية في جُماع العناصر المشروع الثوري المتطور وذلك لكون الثورة سريان وجريان دائمين تمتد فيهما من تلك النقطة الجزئية إلى ما لا نهاية في الزمان وبهذا يصبح أي تغيير يحدث داخل هاته الثورة هو صورة للصراع على المركب الثوري الجاري في نهر التاريخ.

الجزئية التي ستغدو شرارة الثورة، ستحمل فيما بعد بلحظتها الزمنية ثم بكل ما تراكم عليها من أشياء ومفاهيم التجربة رمزية الثورة، فمثلا في التجربة الفرنسية المنطلق كان في 14 جويلية 1789 استرداد الحكم من القصر ليتطور ويتراكم وفق الاسئلة اللاحقة لتواجه اليوم فالثورة الفرنسية في جمهورية الخامسة بأسئلة أخرى اخترقت بنية الكينونة الوطنية إذ راحت تساءل عن مفهوم اللائكية اليوم وفق المستجد الوطني الذي خلفته حقيب الاستعمار وحضور العنصر المستعمر داخل الوعاء الوطني الأول في الثقافة، الاجتماع والاقتصاد الخاص بالمجتمع الفرنسي حتى صارت ديموغرافيته تتغير لتغيير بدورها من أيديلوجيته الثورية والوطنية الأولى التي صارت هشة يمكن لهبة من خمار فتاة مسلمة تدرس بإحدى عشوائيات باريس أن تهزها هزا   ؟

وفي الوقت الذي يطالب فيه البعض  ممن تفرنسوا من أجيال المهاجرين ودرسوا في حرية واستقلال فكري داخل المنظومات الثقافية والتعليمية الفرنسية نفسها، بضرورة أن تعيد نخب الاعتراض على ضرورة أن تتسع المفاهيم المتعلقة بالثورة الفرنسية وتنفتح على العناصر الجديدة التي فرضها منطق التاريخ وتدافع الرؤى وفرضها خاصة النموذج المتجمعي الذي اختطه الفرنسيون لأنفسهم، تتصلب نخب الرفض لهكذا مطلب، وتصر في تأويل انتقائي على أن قيم التأسيس الأولى للثورة الفرنسية هي التي تحدد إطار التعايش وتضمن طبيعة الكيان، وهي بمثل هكذا الاحتباس الثوري تضيق مساحات تطور التاريخ داخل الكيان نفسه.

في الجزائر يريد البعض القفز على حقيقة إشكالية الحرية بوصفها أساس الممارسة التامة للسياسة وللسيادة في الوقت نفسه، كأسس منطلقي للثورة، فالجزائري انتقل وفي عييه التحرري من إرادة الاستقلال عن الاستعمار إلى إرادة الاستقلال عن الوصايا السلطوية التي تحمل مشروعا أحاديا تلزم به الجزائريين كي يعبروا بها عن جزائريتهم وبالتالي تصبح السلطة هنا هي مرجع الجزائرية في كل المجالات والنطاقات، الثقافية والسياسية والاجتماعية.

وهو ما صار يرفضه الشعب شيئا فشيئا مذ أخذ وعيه بمفهوم الدولة خارج البنية الاستعمارية، أين كان إرداكه بالقهر ينحصر عند حدود الآخر، أما اليوم ومع تعالي مستويات التعليم والتفتح على عالم الاشهاد وعوالم المعرفة النظرية والتطبقية للدولة وما لحقها من عناصر مفاهيمية ومؤسساتية فقد امتد ادراكه بالقهر والسيطرة ليشمل الانا الوطنية.

فشرع في القيام بانتفاضات واحتجاجات يطالب باستعادة سيادته على قراره داخل حضيرة الأنا الوطنية، مرة يواجه الأشخاص (المسئولين) بذاتهم مرة  ثم يواجه مؤسسات مثل الحزب الواحد الذي كان يعتقد أنه هو السلطة وهو سبب الأزمة، ليوجه السلطة السياسية فيما بعد قبل أن يدرك بأن هاته السلطة ذاتها ليست سوى واجهة لأخرى فانتهى به المطاف إلى المطالبة بدولة مدنية وليس عسكرية، وبذلك اكتملت لديه عناصر التأسيس الثوري إثر مسار ضار وطويل من محاولات فهم أساس البناء الثوري .

ما يجعل هذا المسار الثوري نموذجا هو أنه، بالاضافة إلى كونه لا يشتغل داخل النظاق المغلق، سواء أكان تنظيمي مؤسساتي (حزبي عند السلميين أو عسكري عن العنفيين) ولا ايديولوجي خاص، اشتراكي أو ليبرالي أو إسلامي، فإنه ظل متمحورا حول مسألة مؤسساتية باعتبارها محور الأزمة وبالتالي يفترض أنها محور الثورة مثلما قامت الثورة الفرنسية بفصل سيدة الشعب على مقدراته وسيادته عن القصر يطالب الجزائرية بالفصل بين السياسي والعسكري بشكل فعلي وفعال وتمكين الشعب من سيادته على كل مقدراته ومؤسساته، والأكيد أن هذا المنطلق الثوري (تمدين السلطة السياسية وتمكين السيادة الشعبية) حال ما يتحقق سيتطور إلى عناصر أخرى ومفاهيم أخرى تجول حالة الانحباس التام للعمل السياسي والوطني بالجزائر إلى مجرد ماض مؤلم وانتهى.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى