الجاسوسة التي افشلت عمليات المقاومة الفلسطينية في لبنان

السياسي – أشهر الجاسوسات العربيات اللواتي عملن لصالح جهاز “الموساد” الإسرائيلي هي “أمينة داود محمد المفتي”، ابنة تاجر مجوهرات من أصل شركسي.

وُلدت “أمينة المفتي” عام 1939. كانت جميلة، جذابة، وذكية. سعت إلى التحرر من التقاليد العائلية والشرقية. أحبت خلال دراستها الثانوية شاباً فلسطينياً اسمه “بسام” لكن قصة الحب انتهت بالفراق. من يومها حقدت على الفلسطينيين. وفي عام 1957 قررت السفر إلى النمسا لإكمال دراستها في جامعة فيينا، واختارت دراسة علم النفس الطبي. في الجامعة تعرفت على طالبة نمساوية علمتها العيش على الطريقة الغربية، وهو ما كانت تصبو إليه منذ صغرها.

أنهت “أمينة” دراستها الجامعية وحصلت على البكالوريوس عام 1961 وعادت لبلدها لكنها لم تستطع العيش وعادت أدراجها إلى النمسا لإكمال دراستها والحصول على شهادة أعلى. وفي هذه المرة تعرفت على صديقة تدعى “سارة بيراد”، وهي شابة يهودية عرفتها بدورها على أخيها الأكبر “موشي”. كان الشقيق طياراً حربياً برتبة نقيب، أحبته وأحبها لدرجة أنه ساعدها في الحصول شهادة دكتوراه مزورة في علم النفس المرضي.

عادت “أمينة” لبلدها ثانية في عام 1966 لتفتح مستشفىً في بلدها بتمويل من أبيها ولتتزوج من ابن عمها الثري. ولما طلبت منها الجهات المختصة تصديق شهادتها ومعادلتها رفضت بشدة خوفاً من الفضيحة. عادت إلى النمسا للمرة الثالثة وعملت لفترة قصيرة في مركز للأطفال واجتمعت من جديد مع “موشي” وسكنت معه طالبة الزواج. وافق الحبيب اليهودي شرط أن تعتنق “أمينة” ديانته. ووافقت بسرعة. وفي معبد “شيمودت” الواقع في العاصمة فيينا غيرت ديانتها من الإسلام إلى اليهودية وصار اسمها “آني موشي بيراد”.

انضمت “أمينة” إلى جهاز “الموساد” حيث تم إخضاعها لتدريبات مخصصة للجواسيس وتولى 3 ضباط تدريبها على تقوية ذاكرتها وحفظ الأسماء وأرقام الهواتف والتصوير وسرعة البديهة. وبعد التأكد من قابلياتها وولائها حيث وجدوا فيها أرضاً خصبة للتعاون معهم بسبب حقدها على الفلسطينيين، تم إرسالها إلى لبنان لتعمل متطوعة داخل المخيمات الفلسطينية. وهناك تعرفت “أمينة” على ممرضة فلسطينية تدعى “شميسة،” وهذه بدورها عرفتها على رئيسها. وبعد أيام وافق الرئيس على عملها كمتطوعة مثلها مثل العديد من الأطباء المتطوعين الذين يعالجون الجرحى الفلسطينيين في المخيمات. وبما أنها عربيه استطاعت التعرف على معظم القادة الفلسطينيين وتقربت منهم وحصلت على ثقتهم. ومن بينهم الرئيس الفلسطيني الراحل “ياسر عرفات” حيث حصلت منه على توقيع خطي يمنحها حرية التنقل بين المخيمات ومعسكرات التدريب.

بدأت الجاسوسة ترصد تنقلات القادة الفلسطينيين وخصوصاً “علي حسن سلامة” الذي كان يرتاد فندق ” كورال بيتش” في بيروت. وكانت تنقل إلى رؤسائها ما يدور في اجتماعاتهم وخطوط تنقلاتهم. كما استطاعت بمعلوماتها أن تحبط عدة عمليات للمقاومة حيث تم إلقاء القبض على رجالها قبل تنفذيهم لعملياتهم. وكانت العميلة توجه القوات الإسرائيلية، عبر معلوماتها، لقصف مواقع حركة “فتح” في لبنان.

استغربت القيادة الفلسطينية كيفية حصول إسرائيل على كل تلك المعلومات وبهذه الدقة، فقامت بإجراء مسح كامل لمن يحضر اجتماعات القيادة من الصفين الأول والثاني والأشخاص المسموح لهم بدخول معسكرات التدريب. إلا أن النتائج كانت سلبية ولم تشكّ القيادة بخيانة “أمينة المفتي”. أما هي فقد واصلت نشاطها واستطاعت خلال وجودها في بيروت تجنيد الأردنية “خديجة زهران”، بائعة الملابس في شارع الحمرا. وبواسطة “خديجة” تعرفت على لبناني يدعى “مانويل عساف”، أغرته أمينة بخمسين ليرة. لكنه لم يكن يملك جميع المعلومات فقام بتعريفها على موظف أعلى منه شأناً، يدعى “مارون الحايك”، ليحل لها مشاكل العطل المتكرر في هاتف بيتها وانقطاع الحرارة عنه كما يحدث مع بقية سكان الحي. كان الحايك يعمل في البدالة الرئيسية، أغرته أمينة بالمال والجنس فأمن لها الاتصال بشكل سليم ودائم. سلمته جسدها وقام هو بتسليمها جميع أرقام هواتف الصف الأول من القيادة الفلسطينية في لبنان. وبدورها أرسلتها إلى رؤسائها في إسرائيل الذين طلبوا منها مراقبة محادثاتهم وتسجيلها حتى يحين الوقت المناسب لاغتيالهم.

وبعد هزيمة العرب عام 1967، واحتلالها لأراض عربية، عادت “المفتي” إلى جانب زوجها في النمسا. وراح الزوجان يفكران بالهجرة إلى إسرائيل. وهذا ما حصل في عام 1972 حيث التحق الزوج بسلاح الجو الإسرائيلي وبعد إجراء التدريبات اللازمة حصل على رتبة رائد.

في بداية عام 1973 حصل ما لم يكن بالحسبان. ففي أول طلعة جوية للاستطلاع تمكنت المدفعية السورية من إسقاط طائرة الرائد موشي زوج “أمينة المفتي”. وجن جنونها فطلبت من الموساد العودة إلى بيروت للانتقام له. سافرت إلى لبنان في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1973مع هيئة إغاثة عربية للمساهمة في علاج الجرحى الفلسطينيين. ومن هناك نشطت من جديد لتوجه الطائرات الإسرائيلية لضرب رجال المقاومة بوحشية.

تعرفت عميلة الموساد على “أبو الحسن سلامة” وصارت تلتقيه مرتين في الأسبوع في أحد فنادق بيروت. كما تعرفت على ضابط فلسطيني يدعى “أبو ناصر”، وكانت في كل لقاءاتها تحمل جهاز التنصت وتسافر إلى الجنوب اللبناني لتلتقط المعلومات عن العمليات الفدائية المقبلة. ترسل المعلومات إلى رؤسائها وتحبط العمليات وترشدهم لملاحقة الفدائيين.

ذات يوم تسلّم “أبو الحسن سلامة” تقريراً من فلسطيني يعمل معه ويعيش في إحدى الدول الاوروبية، يفيد بأن طبيبة عربية تعمل لصالح “الموساد” في المخيمات الفلسطينية. كانت مصادفة أشبه بالمفاجأة. وطلب “سلامة” أسماء جميع الطبيبات العربيات فاكتشف أن هناك أربع ممرضات تخرجن من النمسا. من هنا بدأت المراقبة والملاحقة. وبذكاء “أبو الحسن سلامة” اكتشف العميلة المطلوبة بعد عملية مراوغة معقدة. كانت “أمينة” قد أحست بالملاحقة فأخبرت “الموساد” الذي طلب منها التخلص من جهاز الإرسال وإحراق الشيفرة والمغادرة فوراً إلى دمشق عن طريق البر. هناك ستكون رسالة في انتظارها في مقهى “الشام”.

وما أن هبطت من شقتها طاردها الفلسطينيون في شوارع بيروت إلى أن تم القبض عليها في محطة الباصات المتوجهة إلى دمشق. وتم نقل الجاسوسة إلى الجنوب اللبناني حيث كان هناك كهف “السعراني” بانتظارها، وهو كهف مظلم يجري فيه التحقيق مع العملاء. ومكثت “أمينة” في الكهف أكثر من 1500 يوم. ورفض الفلسطينيون تسليمها للسلطات اللبنانية لكنهم وافقوا على تسليم “مارون الحايك” و”مروان عساف”.

طلب “أبو الحسن سلامة” إعدام “أمينة المفتي” لكن “عرفات” رفض، في سعي منه لمبادلتها بأسرى فلسطينيين. وفي 13 فبراير/شباط 1980 تمت المبادلة في جزيرة قبرص، وعادت “أمينة” إلى إسرائيل حيث أخضعت لرعاية طبية مكثفة ثم انتقلت للعيش في حيفا.

المصدر | مونت كارلو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى