الجزائر الثورية الحاضنة الوطنية للقضية الفلسطينية
اللواء الركن (م) جهاد جيوسي

من ذكريات اللواء الركن (م) جهاد جيوسي

في خريف العام 1975 وصلت ضمن البعثة الطلابية الفلسطينية إلى الجزائر والتي ضمت (95) طالباً، لنتوزع على عدة معاهد متخصصة بالبترول والصناعات الخفيفة في منطقة تدعى بومرداس وتبعد بحدود 95 كم إلى الشرق من العاصمة الجزائرية، وها عيناي أخيراً تعانق تلك الساحرة الجميلة التي تعلقنا بثورتها ومجاهديها صغاراً، ونظم شعبنا فيها الأشعار الثورية والأناشيد الحماسية، وكانت نبراساً لشعبنا اللاجئ بالمخيمات ليفجر ثورته المسلحة ضد المحتل الصهيوني.

دخلنا معترك السياسة والعمل الطلابي من خلال الجسم النقابي الطلابي العتيد: الإتحاد العام لطلبة فلسطين – فرع الجزائر، والذي كان مِرْجَلَاً وطنياً ضم الفصائل التي لها تواجد طلابي، وكانت الجزائر تعج بمئات التنظيمات السياسية والأحزاب وحركات التحرر الوطنية العربية والعالمية على اختلاف أيدلوجياتها، وكان لفلسطين مكتباً لمنظمة التحرير الفلسطينية تحول إلى سفارة في 5 شارع فيكتور هوغو بالعاصمة، أما الجالية الفلسطينية فكانت تضم مدرسين ومهندسين وأطباء ورجال أعمال وطلاب في معظم المحافظات الجزائرية.

ومن خلال البث الإذاعي لصوت فلسطين – صوت الثورة الفلسطينية التي كانت تبث برامجها على أثير الإذاعة الجزائرية، كنا نتواصل مع أخبار الثورة والوطن، ونتلقف بقلق ما يرد من أخبار حول المعارك المستعرة في لبنان بعد إندلاع الحرب الأهلية ومحاولة تصفية الوجود الفلسطيني.

وكانت نشاطات الإتحاد العام لطلبة فلسطين تتنوع بين المسرحيات وحفلات الدبكة الشعبية والغناء وإقامة المعارض للتعريف بالنضال الوطني الفلسطيني، وتوزيع مجلات الفصائل الفدائية والكتب التثقيفية والروايات، مما وفر لي إمكانية الإطلاع على عوالم تقدمية ملتزمة مثل حنا مينه وغابرييل غارسيا ماركيز ومكسيم جوركي وجلال صادق العظم والفلسفات المختلفة وتجارب حركات التحرر الوطني العربية والعالمية.

ومن أهم نشاطات الإتحاد إشرافه على التعبئة الثورية من الطلاب المستجيبين لنداء القائد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والقائد العام لقوات الثورة بالتوجه إلى لبنان للدفاع عن ثورتنا وشعبنا بالعام 1976 من تعديات القوى الإنعزالية المرتبطة بالكيان الصهيوني، فأمنت الجزائر مشكورة نقل مئات الكوادر الفلسطينية والعربية من أطباء ومهندسين ومعلمين وطلاب بالطائرات حسب طلب ممثل منظمة التحرير بالجزائر (مثَّلها المناضل أحمد وافي – أبو خليل وخلفه المناضل فاروق يونس أبو الرب – أبو حسَّان)، وفي تلك اللحظات الحماسية كانت حناجرنا تصدح بلحن واحد.. لحن الوطن فلسطين.

غادرنا حضن الجزائر الثوري الدافئ وحنوّْ شعبنا الجزائري الأصيل الذي يفوق كل شعوب الأرض التصاقاً بالقضية الفلسطينية وتقديساً لها، ولم تهدأ الأهازيج الحماسية حتى ونحن بالطائرة الجزائرية في طريقنا إلى طرابلس الغرب، يرافقنا بالرحلة العشرات من الضباط الفلسطينيين (ملازمين) تخرجوا لتوهم من الكلية العسكرية الجزائرية (شرشال)، أخذت بعضهم الحماسة إلى حدها الأقصى فقاموا يدبكون بممر الطائرة، مما استدعى تدخل كابتن الطائرة شخصياً لتهدئتهم والطلب منهم الجلوس بمقاعدهم.

وسرحت بخيالي إلى أيام الطفولة عندما كنت تلميذاً بالابتدائية بمدرسة بيتونيا قرب مدينة رام الله، متذكراً حملات التبرع للثورة الجزائرية، نساء فلسطينيات يتبرعن بذهبهن على قلته، وملابس وأغطية، أما نحن التلاميذ فتبرع كل واحد منا بخمسة قروش لتقلنا الحافلات بالمجان إلى سنيما دنيا بمدينة رام الله لنحضر فيلم حرب الجزائر، ولننشد بصوت هادر ملوحين بعلم الجزائر: وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر…  فاشهدوا.

ورد الشعب الجزائري بأجمل ما يكون الرد، فالحكومة الجزائرية أول من افتتح مكتباً لحركة فتح وزودها بالأسلحة والذخائر والتجهيزات العسكرية، ودرب للثورة آلاف الكوادر العسكرية، وتخرج من جامعاتها آلاف الطلاب بمختلف التخصصات، وكل ما قدمته الجزائر كان مجاناً لعيون الجميلة فلسطين، والشعب الجزائري المعروف بتعصبه الشديد لمنتخب بلاده بكرة القدم لم يقبل إطلاقاً أن يخسر المنتخب الكروي الفلسطيني (الفدائي) أمام منتخبه، فهتفت حناجر عشرات آلاف الجزائريين في ملعب 5 جويلية بالعاصمة وملايين الجزائريين أمام شاشات التلفزه لفلسطين ولمنتخبها تشجيعاً ليفوزوا.. وقالوا كلمتهم الشهيرة: فلسطين ما تخسرش.

لروح الرئيس هواري بومدين الذي قال: الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، ولأرواح شهداء حرب التحرير الجزائرية، وللجزائر الحرَّة بلد المليون شهيد الحاضرة فينا أبداً ما حيينا،

ولشعب الجزائر المناضل الأصيل الملتزم والمرتبط بقضية فلسطين قولاً وعملاً..

أؤدي التحية العسكرية احتراماً وتبجيلاً وتقديراً وعرفاناً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق