الجولان ستبقى سورية
عمر حلمي الغول

قضية احتلال الجولان السورية العربية تتقاطع مع قضية الاغوار الفلسطينية وبذات الحسابات الأمنية، التي تدعيها دولة الاستعمار الإسرائيلية، مع ان الخلفيات أوسع وأعمق من مسألة الامن، وتعود للجشع الاستعماري الصهيوني، واستغلال الثروات والموقع الاستراتيجي سياحيا وزراعيا وامنيا، التي تتمتع بها، وتختزنها الهضبة الواقعة للجنوب من نهر اليرموك وشمال جبل الشيخ، وتقع على مساحة 1860 كم2، وبطول من الشمال للجنوب 74 كيلومتر، وعرض 27 كيلومتر.
واثارة موضوع ضم هضبة الجولان التابعة لمحافظة القنيطرة السورية ليست جديدة، انما كانت العين الاستعمارية الإسرائيلية عليها منذ احتلالها في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، وأعلن سابقا عن ضمها عام 1981، ثم جاء الرئيس ترامب ليعلن ضمها لإسرائيل في 25 آذار / مارس 2019، وهو قرار لا يتمتع باي معيار من الشرعية، انما هو جزء لا يتجزأ من قانون الغاب، الذي انتهجه الرئيس الأميركي السابق في صفقة القرن، التي رسمها 28 كانون ثاني / يناير 2020، مع انه بدأ بتطبيقها منذ اعترف بالقدس العاصمة الفلسطينية الأبدية، عاصمة لإسرائيل المارقة في 6 كانون اول / ديسمبر 2017. ومع ان كل قرارات إدارة الرئيس الافنجليكاني لا تمت لحقائق التاريخ، ولا لقرارات الشرعية الدولية، ولا للقانون الدولي بصلة. الا ان تلك القرارات المشؤومة كانت محل ترحيب حكومات إسرائيل الأخيرة المتعاقبة المسكونة بالنزعة الاستعمارية ذاتها، وجاءت بالتوافق مع رغباتها وطموحاتها.
مجددا عادت قضية هضبة الجولان للواجهة اثناء مشاركة نفتلي بينت، رئيس الوزراء الإسرائيلي في مؤتمر صحيفة “ميكور ريشون” اليمينية يوم الاثنين الماضي الموافق 11 تشرين اول / أكتوبر الحالي، الذي أعلن في كلمته “إن إسرائيل ستحتفظ بمرتفعات الجولان حتى لو تغيرت المواقف الدولية تجاه دمشق”. وتابع نهجه الاستعماري الاجرامي بالقول ان الصراع السوري الداخلي “أقنع كثيرين في العالم بانه ربما يكون من الأفضل ان تكون هذه الأرض الجميلة والاستراتيجية في أيدى دولة إسرائيل.” وأنهى حديثه في شان الهضبة بالتأكيد على تمسكه بالأرض العربية السورية قائلا أي كانت التغييرات الداخلية او العالمية تجاه الوضع السوري، “فإنه لن يكون لذلك أي تأثير على مرتفعات الجولان” ولخص موقفه ” مرتفعات الجولان إسرائيلية، انتهى الكلام.”
وإذا توقفنا امام المنطقين (وهو بالمناسبة منطق واحد ومتطابق إلى حد كبير) الأميركي والإسرائيلي، ودققنا النظر فيهما، نجد انهما أولا يتناقضان تناقضا استراتيجيا مع قرارات وقوانين ومواثيق ومعاهدات الشرعية الدولية؛ ثانيا اعتقاد القيادات في البلدين انهم فوق القانون الدولي، ولا ينطبق عليهما ما ينطبق على الآخرين؛ ثالثا تكريس قوانين الغاب والبلطجة والتشبيح على العالم عموما والدول والشعوب الضعيفة خصوصا؛ رابعا تكامل تام بين القيادتين على تكريس الاستعمار الإسرائيلي على الأراضي العربية المحتلة في عام 1967 وخاصة في فلسطين وسوريا ولبنان؛ خامسا استغلال حالة الضعف والانحدار العربي الرسمي، والركض في متاهة التطبيع المجاني وما يسمى “اتفاقات ابراهام” او ابراهيم لتعزيز مكانة إسرائيل الخارجة على القانون على حساب ركائز السلام الممكن والمقبول وفق قرارات الشرعية الدولية.
أضف إلى ما تقدم، في أحلك مراحل التاريخ سوادا، وتسيد قوانين الغاب بالمعنى الدقيق للكلمة لم تتمكن الامبراطوريات القوية باحتلالاتها لأراضي الشعوب والدول الأخرى من ضم أراضيها لها الى ما لانهاية. وحتى عندما اقتسمت روسيا وبروسيا والنمسا بولندا نهاية القرن الثامن عشر أكثر من مرة عادت ومنحتها حريتها واستقلالها وسيادتها على أراضيها 1918. ولكن هذا لا ينطبق على دولة لا تاريخ ولا جغرافيا ولا موروث حضاري ولا مستقبل لها كإسرائيل، لذا عملت وتعمل دول الغرب عموما وأميركا خصوصا بتوسيع سيطرة هذه الدولة على الأراضي العربية بذريعة “الامن”. او كما افترض وتخيل رئيس الوزراء المستعمر، بينت أن “كثيرين في العالم (قالوا) بانه من الأفضل ان تكون هذه الأرض الجميلة والاستراتيجية في ايدي إسرائيل” والسؤال من هي هذه الدول؟ هل تتفضل تخبر العالم عن هذه الدول غير الولايات المتحدة ومن والاها؟ وهل تعتقد ان التاريخ وموازين القوى ستبقى على ما هي عليه؟ وإلى متى؟
من الأفضل لإسرائيل وأميركا ومن لف لفهم ان يتراجعوا عن قرار الضم ليس للجولان وحدها، وانما للقدس العاصمة الفلسطينية الأبدية والاغوار والأراضي اللبنانية، والتفكير مليا باستغلال اللحظة الراهنة للاندفاع لدفع استحقاق السلام الممكن والمقبول قبل ان تنقلب معالم التاريخ وموازين القوى وتنهض قوى التغيير من سباتها، عندئذ لا ينفع الندم، ولن تحميكم الأساطير والخزعبلات من لعنة الشعوب العربية كلها، وليس الشعبين الفلسطيني والسوري. واي كانت وحشية انتهاكاتكم وجرائمكم، فإن الجولان ستبقى عربية، وفلسطين وعاصمتها القدس ستبقى عربية، وغالبا ثمن دروس التاريخ يكون غاليا وغاليا جدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى