الحراك ومهمة البحث عن جيل ثان للتعددية في الجزائر
بشير عمري

لم يعد بخاف على أحد كيف أن نهج الحرب السياسية بالوكالة في الجزائر بين الخصوم من داخل النظام نفسه وبين المعارضة من الداخل أيضا وبين الجميع عبر الفضاء الأزرق، صار يكشف حجم الافلاس الذي أحيط بالعمل السياسي بالجزائر والتخريب الذي طال منظومته التعددية الأولى التي أريد لها أن لا تكون تصحيحا لخطيئة الاستقلال التي ارتكبت ذات صيف 1962 حين أغتنم الحكم والوطن معا،.

وفي هذا السياق عاد الكاتب الصحفي والعضو السابق في جهاز الاستخبارات هشام عبود، ليفضح ما اعتبره فساد زعيم سياسي لأحد الأحزاب التي كانت رئيسة فجر التعددية الأولى، ونعني به سعيد سعدي الأمين العام السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذي النزعة البربرية، حين كشف بعضا من حجم الثروة والمتتلكات التي قدر هشام عبود أن سعدي كونها من خلال علاقاته مع الاستخبارات ورجالات نظام بوتفليقة البائد، وذلك كله في رد على تهجم هذا الأخير عليه في حوار لاه مع قناة البربريو “بربر تي في” !

وليس ما يشغلنا هنا هو معرفة لماذا ومن يقف خلف هذا الاشتباك بين الرجلين المقيمين في الخارج، لأن ذلك لن يفيد الساعين لمعرفة حقيقة المآل الذي بلغته السياسة في الجزائر بعد أزيد من ثلاثة عقود عن التحول من الأبوية الصلبة إلى التعددية المصلوبة، وكيف أن الحراك كشف في أدق ما كشفه عن حالة الافلاس التام للفاعل التعددي الأول وحاجة المجتمع القوية اليوم لجيل جديد من التعددية تقفز على كل أخطاء العمل السياسي مذ تناهض الوعي الوطني الأول وانتزع الاستقلال مرورا بفترة السرية ووصولا عند دروس الارتكاسة التعددية الأولى في الجزائر المستقلة  .

لقد فهم النظام بخبرته الطويلة ووسائله وأجهزيته الضخمة من الوهلة الأولى أن التنظيمات والأحزاب التي تولدت عن أحداث أكتوبر، وإن كانت كلها متفقة على رفضه (النظام) إلا أنها ظهرت متفقة أيضا على عدم قبول بعضها البعض، فالكل كان يريد ميراث النظام لوحده وهو لا يزال حيا  تنبض فيه الحياة (النظام)! وبذلك سهل عليه عملية تخريب الوعي السياسي الجديد لتلك المرحلة والاستفراد بقوى التحدي التعددي الاولى ومن خلالها بكل مجتمع السياسة الوليد فسقط الكل في الفوضى التي لم يخرج منها فائزا إلا المنظومة الصلبة للحكم.

فسعيد سعدي وحزبه التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي حرص النظام على سرعة اعتماده لشق صف منطقة القبائل باعتبار أن الحزب الذي كان مسيطر هناك هو جبهة القوى الاشتراكية للزعيم الوطني حسين آيت أحمد أشرس معارض للنظام، اشتغل – سعيد سعدي – بالاضافة لاضعاف جبهة القوى الاشتراكية، من البداية على معارضة الاسلاميين الذي كانوا يتصدرون المشهد السياسي التعددي الوليد (1989/1992) أكثر من معارضته للنظام بل أنه اختار التحالف مع مجموعة الانقلاب (الينايريون) على المسارين الانتخابي والديمقراطي على أن يدعم مسار التجديد، في صورة دراماتيكية دلت على أن الجيل الأول بدا متخبطا منفكا عن أبجديات العمل التعددي ومفهوم التحول السياسي من نمط لآخر ومن نظام قديم إلى أخر جديد!

هذا التخبط سهل على العناصر الفاعلة في المنظومة، عملية أخذ المبادرة والانتقال من مرحلة الترقب التي دامت لسنتين (1990/1992) اي بعد ارتسام الخريطة السياسية الجديدة من خلال العمليتين الانتخابيتن البلدية ثم التشريعية (الملغاة) إلى مرحلة الفعل بإعادة صياغة المشهد وفق مخططها السري الذي كان جاهزا حتى قبل تبني التعددية بالاكراه، لكون الاصلاحات السياسية والدستورية لم تكن أنذاك محل أجماع داخل عصب المنظومة، إذ وبعد العصف بخيار الشعب بالقوة صارت إرادة السلطة هى العليا في إعادة رسم وفرض الملامح الجديدة للعملية السياسية بالبلاد، داخل فضاء محدد ومحدود ضيق النشاط السياسي وقزمه بشكل لم يعد فيه أي معنى لسلطة المعارضة.

هكذا وضع جديد للعمل السياسي الذي تقلصت فيه سبل المناورة حزبية، وسقطت عبره روح العمل السياسي الجماعي سينتج عنه جموح الارادة الفردية وطموح خارج النسق الحزبي وأطره التنظيمية وكمرجعيته العقائدية، وبالتالي تأتت للمنظومة الفرصة المثلى لشراء الذمم وتفجير الأحزاب من الداخل، فعم الفساد السياسي كما السلطة، الأحزاب وبالتالي نُفر المواطن من العمل السياسي والانتخابي معا، وذاك أقصى ما كانت تحلم به المنظومة المستمرة في الحكم.

واليوم بعد يقظة الوعي الوطني التي أبرزها الحراك الثوري المشهود، بات لزاما على نخبه (الحراك) تصحيح المسار التعددي بالانتقال به جياليا ونموذجيا ليكون استمرار في الاسم وقطيعة في المسمى مع الجيل الأول، ولن يتأى له ذلك من غير اتباع جملة من الخطوات التي شكلت عثرات الجيل الأول أبرزها..

الاشتغال على ما فوق الانتماءات الفكرية والايديولوجية، بمعنى الالتزام بالوعي الحاد بمسألة محورية التغيير السياسي الكلي بما في ذلك قواعد النظام، وعدم التخاطب والتحاسب الايديولوجي والتاريخي فيما بين مكونات المعارضة الحراكية.

التأسيس لثقافة التحالفات السياسية التي اجتهدت المنظومة في الحؤول دون الوصل إليها على مستوى فعل المعارضة واستدرجت بعض الاحزاب إليها (التحالف الرئاسي) لاضفاء الديكور التعددي على سلطة رئيس (بوتفليقة) لم يؤمن قط في حياته بالمعارضة ولا بشيء اسمه التعددية الحزبية.

من هنا يظهر جليا خطأ من كانوا يطالبون الحراك بأن يتمثل ويتشكل في حزب وكأنه جماعة تحرك الشارع وليس حركة وعي جديد تقفز على مثالب المراحل السياسية السابقة في العمل الوطني، وبهذا المعني فإن الحراك مطالب بتأسيس جيل تعددي سياسي ثقافي اجتماعي جديد، تنشأ عنه حركة حزبية وجمعوية جديدة متحررة من الوصايا، وليس التمثل داخل تنظيم حزبي يسهل تدجينه وتجبينه كما حصل مع جل أحزاب الجيل التعددي الأول.

 

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى