الحرب في زمن الكورونا
مالك العثامنة

من وجهة نظر الفيروس ـ أي فيروس ـ فإن البحث عن حاضن ـ أي حاضن ـ لا يخضع لأي شروط إلا ما يلائم الفيروس ووجوده الحيوي، وعليه فإن هوية الحاضن ودينه ومذهبه ولونه وعرقه وطائفته ليست مطلقا في جدول أعمال أو برنامج أولويات الفيروس، وهذا ينطبق على الفيروس الأكثر شراسة مؤخرا، ما تم تسميته بفيروس الكورونا.

من وجهة نظر الطبيعة، والتي يعتبر هذا الفيروس طفرة في مكوناتها التي لا تعد، فإنه لا فرق بين موت إنسان وموت قطة. والفيروس المنتشر بتسارع لن يفني الطبيعة لكن ربما سيغير من شكلها. في المحصلة، فإن الطبيعة لا تكترث بزيادة البشر أو نقصهم، كانت الدنيا موجودة قبل البشر وربما بحالة تناغم أكثر من مرحلة ما بعد البشر.

من وجهة نظر الإنسان نفسه، فنحن أمام شبكة من وجهات النظر المختلفة والمتباينة والتي تبدأ بتحويل قصة فيروس الكورونا إلى قضية إلهية وعذابا شديدا، ولا تنتهي بحكايات غير مؤكدة وغير منفية أيضا عن أن الفيروس “صناعة بشرية” ليقتل الإنسان أخاه الإنسان.

لكن، ومن منطق بارد وموضوعي، فإن لا الفيروس ولا الطبيعة يكترثان كثيرا لكل وجهات نظر الإنسان في القصة.

يواجهنا جميعا فيروس قاتل من المضحك أن نعجز أمامه كعجز أسلافنا التاريخيين في مواجهة مرض الطاعون
وبينما “هذا الإنسان” مشغول ومشتبك بكل ما يملك من جهد ووقت وموارد للحروب والنزاعات وتغيير طبيعة الكوكب بأطماعه اللا منتهية فإن هذا الفيروس الدقيق جدا والذي لم يتمكن أحد من التقاطه أو فهمه متوغل في التكاثر المليوني والانتشار السريع، وكل ما يلزمه ليكون وباء قاتلا على مساحات أراضي شاسعة، عطسة طائشة في المكان الخطأ، والمكان الخطأ فعليا هو أي مكان على هذا الكوكب.

♦♦♦

تداعت تلك المفارقة في خاطري، بينما كنت أتابع باهتمام شخصي لا علاقة له بالعمل، أخبار انتشار فيروس كورونا ووصوله إلى إيطاليا، وشراسة الفيروس وهي شراسة تكمن في غموضه الفتاك، وبينما أنا في المتابعة كمشاهد يتملكه الذعر، أتلقى اتصالا من محطة إعلامية محترمة تطلب مني مداخلة “تحليلية” على خلفية مناورات حلف شمال الأطلسي في أوروبا ومخاوف التهديد النووي المتبادل بين موسكو وواشنطن!

لا الفيروس ولا الطبيعة يكترثان كثيرا لكل وجهات نظر الإنسان في القصة

قمت بواجبي المهني كما يجب وقدمت رؤيتي ضمن معطيات الأخبار، واتفقنا أنا والسيدة المحاورة أن العالم يعيش حالة إعادة إنتاج للحرب الباردة لكن هذه المرة بصيغة أكثر جنونا وعبثا، خصوصا مع التقدم التكنولوجي والتقني الذي يجعل تحميل رأس نووي وإطلاقه مجرد لعبة في غرفة إلكترونية مغلقة.

لكن ما بعد انتهاء المداخلة، جعلني أفكر بالجنون البشري الأكبر والأكثر فداحة في تاريخ البشر منذ القرد الأول المؤسس حتى اليوم، وهو السعي للانتحار الجماعي والإبادة الذاتية بكل ما نملك كبشر من تقنيات وأدوات، من خلال تسخير كل علومنا ومعرفتنا وأخبارنا وإعلامنا نحو مزيد من النزاعات وتوجيه رؤوس الصواريخ القاتلة نحو “أهداف استراتيجية” على كوكبنا المشترك، بينما يواجهنا جميعا فيروس قاتل من المضحك أن نعجز أمامه كعجز أسلافنا التاريخيين في مواجهة مرض الطاعون، والتي نقرأ فظاعتها كحكاية تاريخية لا يمكن أن تتكرر، وها هي تعيد نفسها بشكل أكثر تعقيدا.

♦♦♦

ليس القصد من المقال إثارة الفزع والذعر، لكن هي دعوة ضعيفة الحال أن ننتبه إلى إعادة تعريف مصطلحاتنا ومفاهيمنا، وربما هي فرصة أن نكون أمام خطر “غير بشري” يواجه البشرية كلها فتتوحد ولو لمرة في تاريخها.

نحن اليوم، نطلق كلمة الإرهاب على فئات متطرفة ودموية تستهدف حياة الناس بهدف إقصائها إن لم تكن متطابقة معها في الأفكار أو العرق أو الدين.

لكن ماذا يمكن أن نسمي عدوا جديدا يستهدف الكل بلا أي إقصاء، متطرف في انتشاره ودموي قاتل لا يرحم، ولا يهمه أي تطابق في الهوية أو الدين أو المعتقد، فهو بلا هوية ولا دين ولا معتقد؟

أليس هذا إرهابا نوعيا جديدا؟ ألا نشعر بالرعب والرهبة منه؟

أليس التركيز على مقاومته وحماية البشر أجدى من التركيز على استراتيجيات العداء والإبادة المتبادلة؟

ربما.. إن العالم بحاجة ماسة إلى إعادة ضبط الإعدادات من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى