الحريري والصدر.. و”الوعي الشقي”
رستم محمود

في استنكاف زعيم تيار المستقبل اللبناني سعد الحريري عن الترشح للانتخابات البرلمانية اللبنانية المُقبلة، وإمكانية عدم دعمه لأية لائحة انتخابية، ما يُطابق ما أقدم عليه زعيم التيار الصدري العراقي مُقتدى الصدر قبل بضعة شهور، حينما أعلن انسحابه من سباق الانتخابات البرلمانية العراقية، ثم تراجع.

في الحالتين، ثمة زعامتان تقليديتان، تقفان على رأس هرم زعامة وموقع سياسي لا يملك أية إمكانية أو أهلية للتعامل مع مختلف أشكال التخريب والمنغصات التي تواجه الحياة اليومية للقواعد الاجتماعية الموالية لهما، راهنا ومستقبلا. لكن، ومع ذلك، متأكدتان تماما من أن القواعد الشعبية الداعمة لهما، وجزء غير قليل من القوى السياسية في كِلا البلدين، ستشعر بفراغ سياسي كبير إذا ما قررا الانسحاب من الحياة السياسية. متأكدتان من أن هذه القواعد ستُجبر على استجدائهما للتراجع عما أقدما عليها. وهو أمر جرى تفصيلا في حالة الصدر، والمسيرات الشعبية الأخيرة في العاصمة اللبنانية بيروت، أنما دليل على إمكانية حصول الأمر نفسه مع الحريري.

لا يتعلق الأمر بالزعيمين المحليين، بقدر ما يكشف عن حالة جماعات أهلية/سياسية موالية ومرتبطة بهذه الزعامات في كِلا البلدين، وبدرجات متفاوتة بمختلف الجماعات الأهلية/السياسية في مختلف بلدانٍ منطقتنا. أيا كان وزن وموقع هذه الجماعات، أقلية هامشية كانت، أو جماعات تشكل بتعدادها السكاني مركزاً ذا ثُقل في المتن الوطني. فالأساس هو غرق أبناء هذه الجماعات في نوع من “الوعي الشقي”، المُتيقن بأن مُستقبلها السياسي وضمان وجودها، أنما مرتبط بمثل هذه الزعامات.

ففي كل مثال، ثمة مئات الآلاف من السُكان، على الأقل، من الذين يعيشون قلقا سياسياً شديد التركيب والتناقض. إذ من طرفٍ متأكدون بأنه ليس من أي أفق أو إمكانية لحل تناقضاتهم و”صراعاتهم”، سواء الداخلية منها أو تلك التي مع الجماعات والقوى السياسية الأخرى، عبر هذه الزعامات السياسية، ليقينها التام بعدم امتلاك هذه الزعامات لأية مشاريع أو رؤى أو ديناميكيات تستطيع عبرها أن تقدم ما هو أفضل لهذه القواعد الموالية ومشكلاتها، ومن طرف آخر تملك ارتباطاً وولاء أعمى لها.

شيء مثل ذلك لا بد أن يكون قد تأسس على ما هو غير عقلي، وهل من شيء غير عقلي مثل الصدرية والحريرية السياسية!، الزعامتان اللتان تأتيتا من أبعاد ذات هالة.

فالزعيمان منحدران من أبوين تأسيسيين، ذهب كل واحد منهما جراء جريمة قتل مأساوية، ارتكبها مناهضون لهذه الجماعات، مما شكل الرمزية الأولى لزعامتهما. فقتل الأبوين المؤسسين، أنما كان ترميزاً لقتل الجماعة نفسها، أو قتل أباها الأعلى. وهو أمر يمنح علاقة هذه الجماعات بالزعامتين بُعداً “دينياً/أسطورياً”، فهذه النوعية من الزعامات المشيدة على إرث من “الدم”، أنما تلاقي نوعية الوعي الجمعي لمجتمعات تعيش أحوالاً مثل أحوال منطقتنا بكثير من الحميمية.

تجاوزت أحوال البلدين اللحظة التأسيسية تلك بمسافات بعيدة، لكن هالة الزعامة الدموية بقيت محافظة على حيويتها.

الصدر تجاوزته ثورة تشرين العراقية وما رافقها من إيمان عمومي لدى الأجيال العراقية الأصغر عمراً والأقل طائفية وأكثر تطلعاً لعراق خارج الصراعات الطائفية. لكن، ومع كل ذلك، فإن الحيز الأوسع من مؤيدي الصدر ما يزالون يعتقدون بأنه وحده القادر على تأمين منصة أبوية وتنظيمية في مواجهة باقي القوى الشيعية الأكثر استقطاباً، والعراقية الأخرى المباينة لها طائفياً وقومياً، بالرغم من إدراكها الباطن بأن التيار الصدري لا يمت لما تأمله من مستقبل بأية صلة.

بذا، يبدو ذلك الولاء نوعاً من اليقين الإيماني بالهالة، أو بوله الأبناء بآباء غائبين، شقاء بشقاء، لا يُمكن أن يصف حجراً على الآخر في الحياة الموضوعية.

مؤيدو الحريري بدورهم، يعيشون شيئاً كثيراً من ذلك، يعرفون أن مشروع الحريرية الإنمائي أنما صار شيئاً من الماضي، وأن الحريري الابن فقد أي دعم إقليمي ودولي كان يستحوذه الأب، ولا يتمتع زعيمها الحالي بأية طاقة أو كاريزما كان يملكها الأب، وأن شبكة من المصالح المادية والزعمات المحلية داخل تياره، صارت أكثر فاعلية منه نفسه. فوق ذلك، يعرفون أن الحريري لا يملك أية حظوظ للبروز مجدداً في اللعبة الداخلية، بالذات في مناوشة خصوم مثل حزب الله. لكن، وأيضاً مع كل ذلك، لا تملك هذه القواعد أية جرأة للانقلاب عليه وتجاوزه، إلى ما يُمكن أن يكون أكثر رحابة وقابلية للنجاح.

فالحريري بالنسبة لها هو “الماضي الجميل”، والملموس الأخير عما كان حضوراً كثيفاً ومكانة متمايزة لها في المتن اللبناني العام. لذا فإن أفول الحريري بالنسبة لها هو اندثار لذلك الماضي الرمزي، الذي لم يبقَ منه شيء إلا في المخيلة، وانتهى موضوعياً منذ زمن بعيد.

في كِلا الحالتين، لا تملك القواعد الاجتماعية طاقة وفاعلية للذهاب بعيداً عن تلك الزعامات “المهترئة”، لتجاوزها. لأن ذلك يتطلب نوعاً من تجاوز الذات، وهو ما لا طاقة لها به.

لا يستطيع أنصار الحريري أن يذهبوا بعيداً لموالاة القوات اللبنانية وزعيمها سمير جعجع مثلاً، الذي يبدو متحدثاً شجاعاً عما في خُلد هؤلاء الأنصار، وبطاقة أكثر جاذبية وحزماً من الحريري بكثير، لأن ذلك القفز أنما يعني فعلياً تجاوز “ذات الجماعة”، وهو ما لا تجرؤ عليه قط.

مع الصدر لا يستطيع المؤيدون أن يقولوا إن الحل الوحيد هو ثورة تشرين، بشبابها وخطابها وروحها المدنية، وأولاً قدرتها على رسم خريطة مختلفة لأحوال العراق الراهنة. لأن قول ذلك يعني تجاوز عراق مكرس في باطن وعي هؤلاء المؤيدين، عراق ذي صبغة شيعية طائفية، يقف على رأسها أب مُقدس.

الحريري والصدر مثالان واضحان عن نماذج لا تُحصى من مثلهما في ربوع منطقتنا. ترى في كل واحدة منها تشكيلات أهلية تتراكض لاهثة خلف زعامة ما، غاضة النظر بقصد عن كل أحوال تلك الزعامة، مانحة إياها كل أشكال القداسة، بالرغم من وهنها وخلو جعبتها.

في الأمر دلالتين رهيبتين.

تقول الأولى، إنه بالرغم من أجواء الحريات السياسية في بلدين مثل لبنان والعراق، إلا أن الناس مصطفون بأغلبيتهم المُطلقة على شكل معسكرات مغلقة من الوله الجذري بالاصطفاف الزعاماتي، لا الفكري أو السياسي أو الطبقي. وأن قلقها الجذري والأولي والأكثر حضوراً هو خوفها من تفكك معسكراتها تلك، وليس خوفها من تفلش وتحطم أشكال الحياة والعيش من حولها.

القول الثاني يرتبط بخلو الفضاء العام من أية طروحات بديلة، ذات مضامين وقدرة على جذب تلك القواعد وطمأنتها إلى مستقبلها. فصحيح ثمة الكثير من الهبات ومحاولات الانتفاض، لكنها جميعاً، وفي كل البلدان، كانت تفتقد إلى أية طاقة تنظيمية وخطابات جذابة، تفرز من طرف طمأنينة سياسية، تغري الناس بما هو أكثر حداثة ومعنى وقيمة من المعسكرات العصبوية، عبر ملاقاة القلق الرمزي لأبناء هذه الجماعات، التي تشكل هذه الزعمات تعبيراً عن وعيها لذاتها وللمجتمع والدولة، وللحياة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى