الحوافز الحكومية ودور راس المال والشريحة المتضررة
د. ســـليمان عيسى جــرادات

رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية

فيروس “كورونا” فرض بحمله الثقيل عبئا على أداء الحكومات في معظم دول العالم فالبعض تعامل بحكمة وهناك من تعامل بتخبط للتكلفة البشرية والاقتصادية والمالية بإجراءات متتالية ومتسارعة غير مسبوقة بفرض حالة من الحجر المنزلي الجزئي والكلي لما يقارب اربع مليار نسمة حول العالم ، والآثار القاسية مع سرعة التفاعل من الشعوب والتي يمكن تسميتها بالحرب الصحية الخفية التي تتصارع الدول الكبرى على من يتحمل المسؤولية في انتشاره ، الامر الذي ادى الى انهيار المنظومة الإنسانية والقيمية لدى الطبقة السياسية والاقتصادية الدولية في التعامل والتعاون الموحد في مواجهة الفيروس وعدم انتشاره وتعطل لمعظم الموارد الاقتصادية وعناصر الإنتاج حول العالم.

ودولة فلسطين واقتصادها الذي عانى ويعاني من ازمات متتالية وتحمله لأكثر من ست عقود ماضية استمرارية الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه وإجراءاته وانتهاكاته واستغلاله لكافة الموارد وهو اكبر المستفيدين من الازمة الراهنة لسيطرته على مساحة 63% من أراضي الدولة الفلسطينية ، وتنصل دول العالم من التزاماتها تجاه تقديم المساعدات والمعونات والمنح باعتبار دولة فلسطين دولة تحت الاحتلال الإسرائيلي ، فحكومة الاقتصادي د. محمد اشتية وفريقة الوزاري والأجهزة الأمنية التي تدير الازمة بحكمة وشفافية عالية أمام ( مواجهة الفيروس بالإجراءات نفسها، والتنشيط الاقتصادي ) وكلاهما مخاطرة ولكنها ضرورية وذات اهمية في محاصرة الفيروس وحماية صحة المواطنين والاهتمام باحتياجاتهم كهدف استراتيجي ، وتنشيط الحالة الاقتصادية يحتاج الالتزام بمعايير وضوابط السلامة والوقاية العامة ومكابح قانونية صارمة ومراقبة شديدة من خلال فرق تفتيش متخصصة تقوم بواجبها بشكل مباغت ومفاجئ ، وعلى الصعيد الآخر في حالة الاغلاق امام محاربة الفيروس الذي سيكون مفقر للمواطنين كذلك معاناة الكثير من الاسر الفلسطينية من فقدان الأمان الاقتصادي والضمان الاجتماعي الذي اصبح اقراره ضرورة ملحة وذلك لزيادة حجم الفئات المتضررة ( المستورة والمحتاجة ) من تلك الجائحة ، والمؤشرات الحكومية تشير ان حجم الأزمة التي سيعانيها الاقتصاد الفلسطيني وسوق العمل الفلسطيني في حال بقي الحال لأشهر ممتدة أن تتسبب في 60% بانقطاع وفقدان وتسريح الوظائف في القطاع الخاص وانقطاع العمل داخل الخط الأخضر والتقليص للحد الأدنى في التوظيف في المؤسسات الحكومية ممن يقعون في دائرة الازمات الاجتماعية والاقتصادية ، وستشهد كافة المحافظات تصاعداً في مشكلة البطالة خلال الفترة المقبلة خاصة في المناطق الأكثر فقرا وتأثراً ومعاناة.

لا شك بان تفاعل رأس المال الفلسطيني متواضع جدا وبأدنى حدوده الذي عبر عنه في صندوق “وقفة عز” الذي لم يتعد حجم التبرعات فيه10  مليون دولار، بالرغم من مواقفه الوطنية في القضايا المفصلية ، ولكنه عبر عن حالة تشاؤمية شديدة مع ما جرى ويجري في الاقتصاد المحلي وتعطل مصالحهم الاقتصادية والتجارية وحالة من الهلع التي سادت ارباب القطاع الخاص ، ومن وجهة نظر المستثمرين والقطاع الخاص الاقتصاديين والتجاريين وارباب العمل ان الأسواق تتهاوى والالتزامات النقدية تتزايد سواء على المستوى الداخلي او الخارجي مع عدم الاخذ بعين الاعتبار بان هناك حرب من بعض التجار الاحتكاريين في رفع الأسعار في المواد التموينية والدوائية وغيرها وأشعلت ردات فعل مجتمعية لاستغلال بعض التجار غير المسؤول الذين يقع على عاتقهم التفكير الجدي و العميق بواقع الأزمات الكبرى والمصالح العليا للمواطن وتعزيز صموده على ارضة أولاً وأخيراً، بعيداً عن استغلال الظروف والاوقات وعدم التعامل مع الازمة بالنهج نفسه مع أصحاب الدخل المحدود والاسر المستورة ليزداد تعقيداً بجوانبه المادية والمعنوية وتجنبهم الدخول في نفق مظلم نتيجة الظروف وعدم استغلال أوضاعهم كأحد الضمانات الضرورية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى البعيد ، بالإضافة الى التحدي الأكبر الذي يتمثل لعدم توخي الحذر والحيطة واتخاذ الإجراءات والوقاية ومعايير السلامة العامة للعديد من العمال في الداخل الفلسطيني.

لقد أعلنت الحكومة الفلسطينية التي كانت وستبقى من أولى الدول التي واجهت الجائحة بإجراءات نوعية ، بوضع سيناريوهات للتعامل مع العبء الثقيل باتخاذ مجموعة من الإجراءات وتغيير منهجها الاقتصادي عبر خطوات تحفيزية و التي ستبقى مرهونة بالوقت الذي سيصل فيه الفايروس الى ذروته ليبدأ بعدها بالتراجع ,و اتباع أساليب وآليات يتم اللجوء اليها وفق تمديد حالة الطوارئ وتطورات الحالة محلياً وإقليمياً ودولياً، ومدى تأثيرها على معنويات المجتمع المحلي بكافة مكوناته وامكانياته الاقتصادية واحتياجاته الاجتماعية مرورًا برجال الاعمال وأنشطتهم الاقتصادية الحقيقية من دون استثناء و تبني سياسات وخطط حكومية باتخاذ قرارات مستقبلية باعتبار الحكومة من أكثر المتأثرين في هذا الشأن لمواجهتها فايروس الاحتلال السياسي والانقسام وكورونا الصحي، الامر الذي يتطلب تضافر الجهود بين مكونات العمل الرسمي والشعبي لتعزيز الجبهة الداخلية وللخروج بأقل الخسائر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى