الدبلوماسية لترميم الجسور المحترقة بين تركيا وأميركا
 إلهان تانير*  

أحوال تركية –

ليس مراد مرجان، الذي عينه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سفيراً لتركيا لدى الولايات المتحدة، غريباً على واشنطن. فقد كان يزورها، وتواترت رحلاته إليها أكثر خلال فترة رئاسته لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان في الأعوام بين 2007 و2011 لأسباب مختلفة، شملت جهود الضغط ضد مسودة قوانين الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في الكونغرس الأميركي. وعندما كان في العاصمة، كان يحضر اجتماعات مع مراكز الفكر ويزور الكونغرس.

وكان مرجان من أوائل نواب حزب العدالة والتنمية الذين تلقوا الموجات الأولى من ردود الفعل في واشنطن ضد الحزب الذي أشعلته حادثة “دقيقة واحدة” التي وقعت في 2009 بين تركيا وإسرائيل، حين أخبر أردوغان رئيس إسرائيل شمعون بيريز بأن بلاده “تعرف جيدا كيف تقتل الأطفال” دفاعاً عن القضية الفلسطينية في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وعندما وقع حادث أسطول “مافي مرمرة” الكارثي بعد عام، وقُتل تسعة ناشطين خلال غارة إسرائيلية على سفينة لمنظمة غير حكومية تركية تحاول كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، كان في واشنطن للاستماع إلى الشكاوى والتعليق على أسئلة “من خسر تركيا”.

من ناحية أخرى، وصل السفير الحالي سردار كيليش إلى واشنطن في 2014، عندما بلغ صدام إدارة أردوغان مع أتباع الداعية المسلم فتح الله غولن، الذي يعيش في المنفى الاختياري في ولاية بنسلفانيا، ذروته الأولى. ووصل إلى واشنطن بعد الانتخابات المحلية الحاسمة في 30 آذار (مارس) 2014، إثر فضيحة الفساد التي عُرفت باسم “17-25 كانون الأول (ديسمبر)”، والتي سميت على اسم تاريخ عمليات الشرطة ضد العديد من وزراء حكومة أردوغان وأفراد أسرهم.

كما دُعي الصحفيون من الصحف المقربة من حركة غولن إلى لقاء عقده كيليش في مقر السفارة خلال الأشهر الأولى من عمله كسفير. وفي ذلك الوقت، لم يكن قد تم تصنيف الصحف التابعة لحركة غولن على أنها إرهابية ولم يكن قد تم إغلاقها بعد، إذ لم تكن الحرب قد انطلقت في تلك المرحلة. وعنما حدث ذلك، أصبحت حكومة أردوغان أكثر استهدافاً لأتباع غولن محلياً في البداية، ثم لأي شخص يرفع صوتاً معارضاً. وأصبح كيليش منغلقاً تماما على الانتقادات في واشنطن. وسرعان ما أصبحت سفارة تركيا في واشنطن تدعو الناس على أساس حبهم وولائهم للحكومة.

في أيار (مايو) 2017، كان كيليش موجوداً عندما تعرض عدد من المتظاهرين لهجوم أمام مقر إقامته الرسمي على يد حراس أردوغان الشخصيين. وأثار الحادث ضجة في الولايات المتحدة وبثت شبكات الأخبار مقاطع فيديو لمواطنين أميركيين يتعرضون للضرب.

خلال فترة عمل كيليش في السفارة، أصدر مجلسا النواب والشيوخ قوانين للاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن بأغلبية ساحقة، فيما شكل هزيمة تاريخية لتركيا. ولم يكن له أي تأثير على مؤسسات فاعلة ومستقلة في واشنطن. ولم يزر أي مراكز أبحاث. ولا يُذكر له أي خطاب أو مبادرة.

في تلك الفترة، اجتاحت العواصف تركيا إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز (يوليو) 2016، والتي اتهمت الحكومة التركية أتباع غولن بالتورط فيها. ومنذ ذلك الحين، ظهرت أدلة جادة تشير إلى أنهم كانوا متورطين بالفعل. ومع ذلك، في تلك المرحلة، كان أي شخص آخر سيقوم بعمل أفضل من السفير كيليش، كما علق أحد المراقبين مؤخراً.

من جهة أخرى، حافظ مرجان على هدوئه على مر السنين في “تويتر”. وعلى عكس بعض الدبلوماسيين الذين يشبهون المتصيدين، لم يتخذ موقفاً عدوانياً. إذ هاجم الحكومات أو القادة الأجانب بطريقة أقرب إلى التقاليد الروسية. وعلى هذا النحو، يبدو تعيين السفير الجديد أحدث تطور مع المد الذي صاحب فوز الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، والذي أطاح بوزير المالية السابق، صهر أردوغان، بيرات البيرق.

ومن المعروف أن مرجان قريب من الرئيس التركي السابق عبد الله غول. فقد كانت خطى مرجان الأولى في السياسة بصفته مستشاراً لعبد الله غول في البرلمان في التسعينيات. ثم أصبح أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية. وفي مسيرته السياسية، أرسِل إلى العاصمة اليابانية طوكيو كسفير في العام 2017، في وقت كان اثنان من أعضاء حزب العدالة والتنمية السابقين يؤسسان فيه أحزاب معارضة منشقة. ويعتقد البعض أن تعيينه في طوكيو في ذلك الوقت لم يكن عشوائياً. كما تجدر ملاحظة أن كيليش كان قد عمل سفيراً في طوكيو قبل تعيينه في واشنطن أيضاً.

يصف أولئك الذين يعرفون مرجان السياسي بأنه لطيف الكلام ودبلوماسي يحب سماع جميع الآراء المختلفة. وسيكون أول شخص يحمل خلفية سياسية لتمثيل تركيا في واشنطن العاصمة في التاريخ. ولكن، هل هذا مهم حقاً؟ يعلم الجميع أن رئيسه يتخذ القرارات المهمة في تركيا منذ أعوام عدة. وعلى الشخص الذي يخدم في واشنطن العاصمة أن يمتلك وصولاً إلى أذن أردوغان للقيام بالمهمة.

كان كيليش دبلوماسيًا محترفاً، ولكنه كان يتصرف كما لو كان معيناً سياسياً وجندياً موالياً ليس لديه الكثير من الوقت للدبلوماسية. وهو معروف بإغلاق أبواب السفارة أمام جميع الخبراء الأتراك المحترمين لأن السفارة لم يكن لديها الوقت لسماع الانتقادات. وقد يخمن المرء أن كيليش كان سيبقى لفترة أطول في العاصمة الأميركية لو لم يخسر الرئيس دونالد ترامب محاولة إعادة انتخابه. ومع ذلك، حتى لو وجدت تركيا رجلاً خارقاً يستقر في السفارة، فلن يتغير المناخ في واشنطن كثيراً عن موقفه الحالي المناهض لأردوغان.

وتبقى المشاكل بين الولايات المتحدة وتركيا التي يتعين على السفير مواجهتها أكبر من مشروع قانون الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن. ونجد في مقدمة اللائحة شراء أنقرة لأنظمة الدفاع الصاروخي الروسية “إس-400″، والعقوبات التي يجب أن تترتب على ذلك، والعلاقات مع الأكراد في سورية وتركيا، و”بنك خلق” ولوائح الاتهام التي تحوم حوله، والتوترات في شرق البحر المتوسط، وحقوق الإنسان والحريات التركية.

تبدو حقيقة اختيار أردوغان لهذه الشخصية المعتدلة لإرسالها إلى الولايات المتحدة استثناءً ملحوظاً لأعوام من مكافأة الموالين المتشددين. ومع ذلك، قد تبقى مصداقية مرجان محدودة مع إدارة بايدن الجديدة.

ما يزال هناك الكثير من الجبال التي يجب تجاوزها في واشنطن، والكثير من الجسور المحترقة التي يحب إعادة بنائها. فقد قطعت الحكومة التركية علاقاتها مع العديد من الشخصيات والمؤسسات المؤثرة في الأعوام الأخيرة. ومن دون وعد كبير بالإصلاح وتقديم دلائل على تغيير حقيقي، يصعب تخيل أن تسير الأمور على ما يرام أمام السفير الجديد ورئيسه في أنقرة.

*صحفي يكتب من العاصمة الأميركية واشنطن لصحف ومواقع إخبارية تركية منذ أكثر من عقد حول سياسات الولايات المتحدة والعلاقات الأميركية التركية. كان كاتب أعمدة في صحيفة حرييت اليومية بين العامين 2009 و2013، ثم مراسلاً لصحيفة وطن اليومية التركية بين 2009 و2014. وبعد ذلك، عمل مراسلا لخدمة بي بي سي التركية وصحيفة جمهوريت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى