الدراما التاريخية التركية.. استنهاض التاريخ لخدمة الواقع
خالد علمي

تستمر صناعة الدراما التاريخية التركية في إنتاج المزيد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي أصبحت تشهد إقبالا عالميا متزايدا على مشاهدتها، فقد عرضت القنوات التركية هذه السنة مجموعة من الأعمال التي تتطرق إلى مراحل متتالية من التاريخ التركي، انطلاقا من زمن ما قبل الإسلام إلى زمن الدولة السلجوقية، فزمن تأسيس الدولة العثمانية، ثم زمن الهيمنة العثمانية على البحار.

هذا وتولي الحكومة التركية الحالية أهمية كبيرة للفن السابع العابر للقارات، باعتبار أنه يمكن من خلاله خدمة مصالحها الإستراتيجية وتوحيد رأيها العام الداخلي حول مشروعها النهضوي، فكيف يمكن فهم عوامل نجاح هذه الأعمال في جذب اهتمام المشاهدين محليا وعالميا، والرسائل الكامنة وراء الروايات المقدمة ضمنها؟ استنادا إلى 4 نماذج حديثة عرضت هذه السنة على الشاشات: مسلسل “الملحمة”، ومسلسل “ألب أرسلان”، ومسلسل “المؤسس عثمان”، ومسلسل “بربروس”.

يحاكي مسلسل “الملحمة” زمنيا حقبة ما قبل اعتناق الأتراك الإسلام في القرن التاسع الميلادي، وبالضبط خلال تشكل قومية “الإيغور”، وقد حاول المسلسل إظهار الكثير من تفاصيل حياة المجتمعات التركية المنتشرة في تلك الحقبة كالديانة “التنغرية” أو “السماوية”

مدخل تاريخي

يجمع العديد من المؤرخين على أن أصل الترك يعود إلى ترك بن كومر بن يافث بن نوح عليه السلام، وقد كانت الشعوب التركية من الشعوب القوية التي استوطنت آسيا وشرق أوروبا وأسست إمبراطوريات كبيرة عبر التاريخ كانت أقدمها إمبراطورية “الهون” التي كانت في صراع دائم مع الإمبراطورية الصينية خلال القرن السادس الميلادي.

كانت القبائل التركمانية تمتهن الرعي وتؤمن بالعديد من الأساطير التي تخلد أسلافها وتوقد نار العزيمة فيهم، مما جعلهم من أشد المقاتلين وأكثرهم صلابة.

وقد كانت قبائل “الأوغوز” من بين أقوى تلك القبائل التي فرضت نفوذها في المناطق التي تقع في منطقة جبال الأورال الواقعة بين روسيا وآسيا الوسطى والمناطق ما بين آسيا وأوروبا، والتي استطاعت بعد اعتناقها الإسلام تأسيس الإمبراطورية السلجوقية بين 1037 و1194، والتي امتدت من بلاد فارس مرورا بالعراق وسوريا حتى تركيا التي كانت تحت حكم البيزنطيين، وقد بذلت هذه الإمبراطورية جهودا كبيرة في حماية المسلمين.

تفرعت من قبائل “الأوغوز” التركية قبيلة “الكاي” التي برزت كأقوى القبائل منذ عهد سليمان شاه، والتي أبلت بلاء حسنا في حربها ضد الصليبيين والمغول دفاعا عن الأرض والدين، مما جعل الدولة السلجوقية تمنحها مناطق شاسعة من أراضيها في عهد زعيمها “أرطغرل غازي”، وكانت النواة الأولى لانطلاق مشروع بناء الإمبراطورية العثمانية التي أعلن عن تأسيسها ابنه عثمان في ما بعد، وامتدت بين 1299 و1923 كواحدة من أقوى الإمبراطوريات الإسلامية عبر التاريخ.

 

مسلسل “الملحمة”.. نهضة مملكة الأتراك ما قبل الإسلام

تم تصوير مسلسل “الملحمة” بالتركية (Destan) في غابات إسطنبول، وبثت أولى حلقاته في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 على قناة “إيه تي في” (ATV) التركية، وهو مسلسل تركي من إنتاج شركة محمد بوزداغ، وإخراج أمير خليل زاده، وسيناريو عائشة أريلماز وسدف نهير، وقام بدور البطولة كل من إيبرو شاهين في دور “أككيز”، وأديب تيبيلي في دور “باتوغا”، ويمكن تصنيفه من نوع الدراما والأكشن التاريخية.

تدور أحداث المسلسل حول قصه حب ملحمية بين محاربة أسطورية يتيمة من قبيلة جبلية في آسيا الوسطى تدعى “آيكيز” وابن ملك تركي يدعى “باتوغا”، كان هو الآخر يعاني اليتم من أمه من جهة والإعاقة البدنية من جهة أخرى واللذين جعلا من قوة السيف والحب درعا قويا لتحقيق العدل وتوحيد الأتراك ومقاومة الأعداء من داخل البلاط الملكي وخارج المملكة، من روس، وفايكنغ، وصينيين، وأتراك متمردين وقوميات مجاورة.

يحاكي المسلسل زمنيا حقبة ما قبل اعتناق الأتراك الإسلام في القرن التاسع الميلادي، وبالضبط خلال تشكل قومية “الإيغور”، وقد حاول إظهار الكثير من تفاصيل حياة المجتمعات التركية المنتشرة في تلك الحقبة كالديانة “التنغرية” أو “السماوية”، وهي ديانة الشعب التركي بكل أعراقه من الكازاخ والأوزبك وغيرهم قبل مجيء الإسلام، وكذلك الأمثال والقصائد الشفهية المتوارثة، كما تعرض إلى المظاهر السياسية التي كانت تسود في المنطقة التركية، من ظلم وقتل بغير حق وخيانة وغيرها.

ورغم أن العديد من مشاهد المسلسل تدخل في إطار الخيال والإثارة فإن المسلسل نجح في إعطاء صورة عن تلك الفترة التاريخية التي عاشت فيها القبائل التركية التفرقة وتربص الأعداء الصينيين والروس بها، والتي مهدت في ما بعد لاعتناقها الإسلام الذي وحد بين صفوفها من جديد.

مسلسل “ألب أرسلان”.. نهضة الدولة السلجوقية

بدأ عرض حلقات مسلسل “ألب أرسلان” -الذي صور في منطقة إسطنبول بتركيا- في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وهو من إخراج سدات إنجي، وسيناريو إيمره كونوك، وإنتاج شركة “أكلي فيلم”، وبطولة الممثل باريش أردوتش بدور “ألب أرسلان”، وهو مسلسل مكمل لمسلسل “نهضة السلاجقة العظمى” الذي عرض في عامي 2020 و2021.

 

ويحكي المسلسل قصة السلطان السلجوقي محمد ألب أرسلان (الأسد الباسل بالتركية) بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق التركماني الذي ولد في خراسان سنة 1029، واشتد عوده بفضل والده جغري الذي كان يحكم منطقة خراسان التابعة لعمه السلطان السلجوقي طغرل.

أُسندت إلى ألب أرسلان قيادة الجيوش في سن مبكرة من عمره، وقد أظهر خلالها شجاعة نادرة ومهارة فريدة من نوعها، مما أهّله للوصول إلى إمارة خراسان بعد وفاة أبيه سنة 1059، ثم بعد ذلك إلى سلطنة الدولة السلجوقية ككل بعد وفاة عمه طغرل سنة 1064.

وكان بذلك رابع سلاطين الأتراك السلاجقة الذين كانوا يتبعون للخلافة العباسية، وقد تمكن من فتح بلاد الأرمن وجورجيا والأجزاء المطلة على بلاد الروم، وامتدت فتوحاته حتى بلغت حدود أقصى بلاد ما وراء النهر وأقصى بلاد الشام.

ويعد السلطان ألب أرسلان أحد القادة المسلمين الكبار، حيث خلد سجله التاريخي بأسر قيصر الروم رومانوس ديوجينس بعد انتصاره الساحق على جيشه المؤلف من تحالف واسع من الروس والبلغاريين واليونانيين والفرنسيين والذي كان يفوق جيش المسلمين بـ4 أو 5 أضعاف، وذاك في معركة “ملاذكرد” سنة 1071.

وقد توفي سنة 1072 تاركا وراءه سجلا حافلا من الفتوحات من أجل توسيع رقعة الإسلام، ويحاول المسلسل تسليط الضوء على الإطار السياسي والاجتماعي والعاطفي الذي نشأ وترعرع وقوي نفوذ السلطان ألب أرسلان فيه، مع إبراز الخصال الحميدة والإخلاص في الدين والشجاعة والعدالة والمهابة والمهارات القيادية التي تميز بها وجعلته من القادة العظام.

 

يعتبر مسلسل “عثمان” من أعلى المسلسلات الدرامية التاريخية تكلفة في تركيا، فقد عمدت الشركة المنتجة للمسلسل خلال التحضيرات الخاصة التي استغرقت أكثر من سنة إلى بناء بحيرات صناعية وقلاع وأسواق وبيوت وتصنيع الأزياء ارتباطا بمصداقية الديكور والتفاصيل، وذلك حتى يتسنى للمشاهد الإحساس بالوجود في تلك الحقبة التاريخية

مسلسل “المؤسس عثمان”.. تأسيس الدولة العثمانية

مسلسل “المؤسس عثمان” بالتركية (Kuruluş Osman) من تأليف وسيناريو وإنتاج المنتج السينمائي التركي المشهور محمد بوزداغ كتتمة لمسلسله الناجح “قيامة أرطغرل”، وأخرجه متين جوناي، وأنيط بالممثل الشهير بوراك أوزجيفيت دور البطولة في شخص عثمان بن أرطغرل، إلى جانب نجوم معروفين على الساحة الفنية التركية.

وتدور أحداث هذا المسلسل -الذي  بدأ عرضه في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وتم تصويره في “ريفا” بتركيا- حول قصة الغازي عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية وفترة انتقال الأتراك من الفقر والضياع الذي عاشوه في ظل مرحلة ضعف الدولة السلجوقية التركية إلى القوة على يد عثمان ثالث وأصغر أبناء الغازي أرطغرل، والذي خلف أباه بعد وفاته سنة 1281 بمباركة من السلطان السلجوقي علاء الدين، وقد سار عثمان بن أرطغرل على خطى والده في الغزو حتى وفاته سنة 1326، محققا انتصارات عسكرية كبيرة ساعدته بعد ضعف الدولة السلجوقية واغتيال المغول آخر سلطان سلجوقي في إعلان دولته المستقلة التي سميت “الدولة العثمانية” نسبة إليه.

حاول المسلسل إبراز مدى دهائه وحنكته وشجاعته في الصراعات التي خاضها على المستوى الداخلي بسبب الخلافات والنزاعات حول الحكم من جهة الأتراك، وكان أبرزها نزاعه مع عمه دوندار، وكذلك على المستوى الخارجي في مواجهة المغول والبيزنطيين والصليبيين الذين قاوموا مشروع دولته بكل الوسائل الممكنة، وأيضا مدى براعته السياسية من خلال تحالفاته ومناوراته مع خصومه ومدى تفوقه من الناحية الإدارية من خلال التحول من نظام القبيلة المتنقلة إلى نظام الإدارة المستقرة.

يعتبر هذا المسلسل من بين أعلى المسلسلات الدرامية التاريخية تكلفة في تركيا، فقد عمدت الشركة المنتجة للمسلسل خلال التحضيرات الخاصة التي استغرقت أكثر من سنة إلى بناء بحيرات صناعية وقلاع وأسواق وبيوت وتصنيع الأزياء ارتباطا بمصداقية الديكور والتفاصيل، وذلك حتى يتسنى للمشاهد الإحساس بالوجود في تلك الحقبة التاريخية، وهو مسلسل مليء بالمشاهد الحربية والقتالية من جهة، والتي تألق فيها الممثلون بأداء احترافي متميز، ومن جهة أخرى يزخر المسلسل بالكثير من الحكم والعبر والرسائل واللقطات العاطفية التي تستند في مضمونها إلى المبادئ الإسلامية والأعراف القومية التركية والأفكار الفلسفية.

كان الإخراج المتماسك لتلك الأحداث الدرامية والتاريخية والأداء المتميز للممثلين والتصوير الاحترافي والارتباط بقصة مسلسل “قيامة أرطغرل” الناجح -الذي احتل شعبية واسعة على مدار السنوات الخمس الماضية- من الأسباب الرئيسية في نجاح مسلسل “المؤسس عثمان” وحصوله على أعلى نسب المشاهدات في تركيا والعالم منذ بدايات عرضه وتصدر حلقاته محرك بحث “غوغل” مباشرة بعد عرضها على القنوات التركية.

 

مسلسل “بربروس”.. انطلاق التوسع العثماني في البحار

بدأ عرض مسلسل “بربروس” (Barbaroslar)‏ على الشاشات في 16 سبتمبر/أيلول 2021، وهو من إنتاج شركة “إي إس فيلم” (ES Film) التي أنتجت المسلسل الشهير “السلطان عبد الحميد الثاني”، إخراج الأخوين ياكمر ودورول تايلان، وتأليف أوز أياز وجونيت أيسان مؤلف قصة مسلسلي “الحفرة” و”وادي الذئاب”، وسيناريو جنيد أيسان، وأوزان أكسونغور وأوغوز أياز، وبطولة إنجين آلتان دوزياتان بطل مسلسل “أرطغرل” في دور “عروج”، وأولاش تونا إستبه في دور “خير الدين”.

وقد تم التصوير في كل من إسطنبول، وسواحل مرمريس، وأنطاليا، والجزائر، وتطلبت المشاهد البرية والبحرية إقامة منصات خاصة وبرك مائية وسفن وأجهزة وأزياء خاصة.

شهد المسلسل مساهمة عربية بإشراف المخرج المصري عادل أديب على مشاهد الأكشن والحروب وتصوير بعض المشاهد في الجزائر.

وتدور أحداث المسلسل حول قصة القائد البحري خير الدين باشا الملقب بـ”بربروس”، والذي استطاع فرض السيادة العثمانية في البحر الأبيض المتوسط وسواحله.

وُلد خير الدين بربروس سنة 1478 في جزيرة ميديلي اليونانية، وكان اسمه الأصلي “خضر”، وله أخوان أكبر منه، وهما إسحاق وعروج، وأخ أصغر منه اسمه إلياس، أما لقب “بربروس” فهو لقب أطلقه الغربيون في البداية على شقيقه عروج، ويعني ذا اللحية الحمراء.

 

بعد استشهاد عروج ورث نفس اللقب واشتهر به، هذا وقد عرف خير الدين بربروس بعبقريته الحربية ومعرفته البحرية، فبعد تعيينه قائدا للأسطول العثماني سنة 1534 استطاعت الإمبراطورية العثمانية فرض سيادتها المطلقة على البحر الأبيض المتوسط لفترة زمنية تجاوزت 30 سنة.

وقد كان من بين أهم إنجازاته التاريخية انتصاراته في المعارك الطاحنة التي خاضها ضد الجيوش الصليبية الإسبانية والبرتغالية والإيطالية وسفن القديس يوحنا، وبطلب من السلطان العثماني سليم الأول استطاع سنة 1529 إنقاذ حوالي 70 ألف مسلم من محاكم التفتيش التي نصبت ضد المسلمين في الأندلس، ونقلهم عبر أسطول مكون من 36 سفينة و7 رحلات إلى الجزائر حيث استقروا فيها.

وافته المنية سنة 1546 ودفن في منطقة “بشكتاش” بمدينة إسطنبول بالقرب من الميناء الذي اعتاد الأسطول العثماني الخروج منه، وقد تطرق الجزء الأول من المسلسل إلى الفترة الزمنية قبل وفاة إخوة خير الدين بربروس الثلاثة، وقد انتهى باستشهاد عروج الذي شكل الشخصية الأهم فيه، وربما كان ذلك متعمدا من طرف المخرج للاستفادة من شهرة وشعبية الممثل إنجين آلتان دوزياتان (بطل مسلسل أرطغرل) بدليل ظهوره على متن السفينة في المقطع الترويجي للمسلسل.

وقد حاول هذا الجزء من المسلسل الإحاطة بالنسق السياسي والاجتماعي والديني الذي برزت فيه أسرة بربروس، وكذلك طبيعة شخصيته التي تميزت بالأخلاق النبيلة والإيمان والشجاعة وحسن البصيرة والكفاءة.

يمكن اعتبار الدراما التاريخية التركية أنها منتوج قومي بامتياز، باعتبارها تتبع نشوء وتطور “الأمة” التركية، وذلك انطلاقا من انتقاء لحظات تاريخية معينة تمثل منعطفات في تاريخها، ومن ثم يكون التركيز على التمجيد والتعظيم بالدرجة الأولى

عوامل الانجذاب والنجاح

يمكن تلخيص العوامل التي ساهمت في استقطاب المشاهدين عبر العالم للمسلسلات أعلاه والدراما التاريخية التركية عموما في ما يلي:

 

  1. كونها تلامس التاريخ القريب والبعيد وتتعلق بعصور القوة والنهضة، وقد نجحت في ذلك ببراعة على الرغم من اعتمادها على مصادر ومعلومات تاريخية قليلة وضئيلة، فهي أعمال تحاول أن توقظ النزعة الأشمل من القومية المحدودة بمكان معين، ويعاد من خلالها إحياء ذكريات وأمجاد الماضي.
  2. كونها تلبي فضول المشاهدين في معرفة شخصيات تاريخية محبوبة جمعت صفات القيادة المثالية والنخوة والشجاعة والتضحية والعدل والقوة والوحدة.
  3. كونها تلامس التعطش والاشتياق عند المشاهدين لمفاهيم الوحدة الغائبة في العصر الحديث الذي يتميز بالتفرق والتشتت.
  4. كونها تتعامل بذكاء مع الجمهور المشاهد، وتعمل على كسب التعاطف وتعزيز القيم المثالية.
  5. كونها تشكل إنتاجا دراميا عالي الجودة بالمقاييس التقنية الدولية وتستوعب مشاهير معروفين في العمل الفني.
  6. كونها أبدعت في تصدير التاريخ التركي ونشر الثقافة التركية وتغيير الصورة السائدة عن الأتراك في العالم، فأصبحت بذلك سفيرة لبلدها بامتياز.
  7. كونها تتوفر على الدعم المالي والحكومي الكبير، وجعلها ضمن إستراتيجيات وسياسات الحكومة التركية.

الرسائل الكامنة خلف الروايات

تشترك الأعمال الدرامية التاريخية التركية الحديثة في الرسائل الكامنة خلف رواياتها، وهي رسائل ترتكز أساسا على:

  1. القومية التركية: يمكن اعتبار الدراما التاريخية التركية أنها منتوج قومي بامتياز، باعتبارها تتبع نشوء وتطور “الأمة” التركية، وذلك انطلاقا من انتقاء لحظات تاريخية معينة تمثل منعطفات في تاريخها، ومن ثم يكون التركيز على التمجيد والتعظيم بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق لم تخفِ الحكومة التركية الحالية اهتمامها ودعمها لهذه الأعمال، وهو ما ظهر عبر دعمها اللوجستي والمعنوي لها، مثل إنتاج ودعم وعرض التلفزيون التركي الرسمي “تي آر تي” (TRT) أهم هذه الأعمال، وزيارة الرئيس التركي أردوغان شخصيا موقع تصوير مسلسل “قيامة أرطغرل” واصطحابه عددا من ممثلي هذا المسلسل في إحدى زياراته للخارج.
  2. الانطلاقة: تعبر الدراما التاريخية التركية عن لحظات انطلاق وتشكل تاريخية تتميز -قيميا- بالصفاء، وهي لحظات أساسها التضحية والتفاني في سبيل “القبيلة” أو “الدولة” أو “القومية” أو “العقيدة”، وتسود فيها التعاليم الدينية والتقاليد والقيم القبلية النبيلة، وتطغى فيها مشاهد البطولية والشجاعة والملاحم الأسطورية، وذلك في إطار تصوير خيالي يتعمد المبالغة في بعض الأحيان، بحيث يغرق المشاهد في ذلك الجو الصافي النقي الذي يفرض الاحترام والتقدير التام لتلك اللحظة المتعالية من التاريخ.
  3. مواجهة الأعداء: تقدم الدراما التاريخية التركية فكرة أنه أمام وجود الصعاب والأعداء من الداخل والخارج يكون لزاما على “القبيلة” أو “المملكة” أو “الدولة” الانخراط في حرب مقدسة تمتزج فيها المصلحة بالقيم والمبادئ الدينية والأعراف، وتختلط فيها معاني البطولية والتضحية بقيم الشهادة، ويتكرس فيها حلم رفع الراية وراء البحار والجبال والوديان، فتتمظهر الحرب المستمرة بين الأتراك والآخرين بمظهر الحرب بين الخير والشر، وذلك عن طريق إخراج سمعي-بصري تقني يجعل المشاهد يحب قوى الخير وينفر من قوى الشر، وفي السياق نفسه تسعى هذه الأعمال إلى معالجة فكرة الخوف من العدو والخسارة في القتال، فتبرز موقف القائد الشجاع الذي ينهض بإعداد أقصى ما يستطيع من قوة وتدريب وعتاد وتنظيم وتخطيط، مع استخدام قدراته العقلية والفكرية والذكاء في تقدير المواقف التي يكون فيها السلاح عنصرا حاسما أو الحيلة التي تعوض ما يعجز عنه السلاح، دون إغفال التوكل على الله وإمكانية الخيانة والغدر.
  4. المصالحة مع الذات: تحرص الدراما التاريخية التركية على لعب دور معنوي -داخليا- يتمثل في تنشيط وتعزيز الهوية التركية التاريخية بدل الهوية العلمانية التي كانت قد قطعت مع تاريخ الدولة العثمانية بزعامة أتاتورك، مع إبراز مظاهر التضحية والبطولية والفتوحات والعظمة القومية، وذلك بهدف مصالحة الشعب التركي مع تاريخه بطريقة ناعمة، وتغذية مشاعر المزج بين القيم القومية والدينية، وتعزيز الحنين إلى أزمنة القوة والعظمة.
  5. مكانة الدين المحورية: تركز الدراما التاريخية التركية على تصوير واستحضار الطقوس والمظاهر الدينية -الإسلامية منها وغير الإسلامية كما هو الشأن بالنسبة للجزء الأول من مسلسل “الملحمة”- وتصويرها بأنها قيم تركية مقترنة بالقومية التركية، فكل حدث له تبرير ديني، وكل خطوة وقرار يتخذهما القادة هما تنفيذ لمشيئة إلهية، ويؤكد هذا الدور المهم للدين في الحياة السياسية المزج بين المسوغات التاريخية والدينية لتشكل وقيامة الأمة التركية.
  6. دور المرأة اللافت: تعالج الدراما التاريخية التركية في ثناياها جانبا من الصراع المتعلق بالمرأة داخل المجتمع، وتكشف عن صورة مشرقة للمرأة التركية التي تشارك -جنبا إلى جنب مع الرجل- في المعارك والفتوحات والسياسة والاقتصاد والبناء المجتمعي والحكمة والتوعية، وقد اختفت تماما كل مظاهر الانحلال والميوعة النمطية المرتبطة بجسد المرأة وكينونتها، مع الاحتفاظ بدورها العاطفي المحفز والمهذب داخل المجتمع.

وختاما، إذا كانت الدراما هي التمثيل والتشخيص والتجسيد والمحاكاة للوقائع والأشخاص والملابسات فإن الدراما التاريخية تذهب إلى أبعد من ذلك في استدعاء الوعي بسنن التاريخ والقوانين التي حكمت معاركه وصراعاته وتوظيف الدروس والعبر التي تستنبطها من هذا التاريخ في خدمة قضايا ومشكلات وتحديات الواقع المعاصر والمعيش، وهو ما تحاول فعله صناعة الدراما التاريخية التركية التي أصبحت تشق طريقها بنجاح في حلبة المنافسة مع الصناعات الفنية الأميركية والهندية والأوروبية واللاتينية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى