الدولة البوليسية تتوسّع في لبنان

السياسي – نجحت انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي في لبنان، عبر تحركات سلمية جمعت أطيافاً واسعة من الشعب الغاضب من فساد السلطة، في إسقاط حكومة سعد الحريري في 29 أكتوبر الماضي، لتخلفها حكومة برئاسة حسان دياب، الذي تحدث مراراً عن أن حكومته مستقلة عن التجاذبات السياسية، بل ادعى أن الكثير من مطالب الحراك هي في صلب برنامج حكومته.

لكن الوقائع على الأرض أثبتت عكس ذلك. فالقوة المفرطة واستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين منذ بداية الحراك، وفق تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في 19 أكتوبر الماضي، تطورت إلى استخدام أساليب عنفية من الأجهزة الأمنية في التعاطي مع المتظاهرين، ومع الموقوفين خصوصاً. أساليب يرى فيها البعض استنساخاً للقمع الذي استخدمه النظام السوري خلال احتلاله للبنان قبل انسحابه في العام 2005، وسط تخوّف بسبب وجود قرار سياسي واضح بقمع التحركات واستخدام العنف ضد المنتفضين، وفق ناشطين.

ولم تقتصر الأساليب البوليسية على استخدام العنف في الشارع، إذ قامت مخابرات الجيش اللبناني باعتقال عدد من الشباب في صيدا (جنوب لبنان) وزحلة بقاعاً والمتن، واحتجازهم بشكل تعسفي وإخفاء مكان الاعتقال من دون إعلام أهلهم عنهم، قبل أن يتبين أنّ الموقوفين تعرضوا للتعذيب الممنهج، من تهديد وضرب واستخدام الأسلاك الكهربائية وغيرها من الوسائل، بحسب بيان صادر عن لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين. وكان آخرها ما تعرض له سبعة شبان بتاريخ 29 إبريل/نيسان، من بينهم الناشط علاء عنتر، الذي روى في فيديو مصوّر ما حصل معه من تعذيب وصعق بالكهرباء من قبل الأجهزة الأمنية، على خلفية الاحتجاجات الأخيرة التي نزل فيها المنتفضون إلى الشارع اعتراضاً على تجاوز سعر صرف الدولار عتبة الـ4000 ليرة لبنانية، فيما لا يزال سعر الصرف الرسمي 1515 ليرة، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، بينما تستمرّ المصارف اللبنانية في احتجاز أموال المودعين.

ويقول أدهم الحسنية، من مجموعة “لِحَقّي” إنّ خطورة ما يحدث تكمن في وجود قرار سياسي واضح بقمع التحركات واستخدام العنف، سواء خلال التظاهرات، التي تستخدم فيها العناصر الأمنية القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي وحتى الحي، أو في الآليات العسكرية أو في مراكز التوقيف، بالإضافة إلى وجود قرار بوضع الجيش اللبناني، بشكل خاص، الذي يحظى بتعاطف اللبنانيين، بوجه المتظاهرين مباشرة، تماماً كما حصل في تحركات عاصمة الشمال طرابلس قبل أسبوعين، وصولاً إلى أحداث صيدا، وقبلهما ثكنة الحلو في بيروت، التي طاول فيها الاعتداء الجسم الصحافي في يناير/كانون الثاني الماضي. وهذه الممارسات كلها تخالف القانون والمعاهدات الدولية.

من جهته، يروي ناشط أنه تم توقيفه في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي في جل الديب (قضاء المتن شرق بيروت)، بينما كان يشارك في التحرك الشعبي، حيث تعرّض للضرب على يد عسكريين، قبل وضعه في آلية عسكرية وأخذه إلى مخفر تابع لمخابرات الجيش اللبناني مع عدد من الناشطين. ويضيف “هناك أتى عنصر أمني بلباس مدني وقام بضربنا، قبل سوقنا إلى غرفة التحقيق، وأخذ الرقم السري لهواتفهم الخلوية للتدقيق بالمحتوى. واتُهمنا بإلقاء القنابل والحجارة على الجيش”، وهذا ما نفاه الصائغ. ويتابع “تم نقلنا بعد التحقيق معنا إلى الشرطة العسكرية، التي أخذت أسماءنا والتقارير المكتوبة بحقنا، وأحالتنا إلى مخابرات الجيش في بعبدا (جبل لبنان)، وتم التعامل معنا في هذين المركزين باحترام لنخرج بعدها إلى منازلنا”.

بدوره، تعرّض الناشط جاد بو ناصر الدين للضرب على يد العناصر الأمنية في ساحات الحراك، آخرها قبل أسبوعين في ساحة جل الديب بينما كان يعتصم مع شبان آخرين رفضاً للأزمات الاقتصادية والمعيشية والنقدية التي أنستهم فيروس كورونا، باعتبار أن الموت جوعاً بات أقرب إليهم من تداعيات الوباء،ويضيف أن أكثر من عشرة عناصر أمنية قاموا بضربه بشكل عنيف، وشتمه بأبشع الألفاظ، قبل وضعه في الآلية العسكرية لساعات، ومن ثم الإفراج عنه. ويشدد على أنّه لم يتحرك قضائياً على اعتبار أن لا قانون يحميه، أو قضاء عادلاً يأخذ بحقه، وما حصل معه لن يقف عائقاً أمام نزوله من جديد إلى الشارع، الذي حتماً سينتفض بشكل أقوى في الفترة المقبلة، وبعدد يفوق ما شهدته انتفاضة 17 أكتوبر، لأن ما سيحصل في هذه المرحلة عنوانه “ثورة الجياع”.

كذلك، تم الاعتداء بالضرب على الناشط إدمون سمعان في الساحة نفسها، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما أدى إلى تعرضه لكسور ورضوض في جسمه، بحسب ما يروي لـ”العربي الجديد”. واللافت أنّ سمعان هاجر بعدها إلى كندا، بعدما ضاقت به الحال كثيراً. أما الناشط الشمالي ميراز الجندي فتم توقيفه في مارس/آذار الماضي على يد عناصر شعبة المعلومات في حلبا (شمال لبنان)، خلال اعتصام شارك فيه أمام بلدية عكار، بينما كان نواب المنطقة يجمعون التبرعات لمستشفى عبد الله الراسي الحكومي من أجل مكافحة فيروس كورونا، حيث تعرّض للضرب على يدّ العناصر الأمنية والاعتداء اللفظي

وكانت التحركات الشعبية التي شهدتها مدينة طرابلس قبل أسبوعين، أدت إلى مقتل الشاب فواز فؤاد السمّان، بعد مواجهات شهدتها المنطقة بين المتظاهرين والجيش اللبناني. وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في 29 إبريل الماضي إنّ الجيش استخدم القوة المفرطة غير المبررة، بما فيها القوة القاتلة في 27 إبريل، ما أدى إلى مقتل متظاهر وسقوط عدة مصابين. وأعرب الجيش عن أسفه لمقتل متظاهر، وقال إنه فتح تحقيقاً في الحادث. علماً أنّ أي نتائج لم تصدر بحق عسكريين وأمنيين تدينهم أو تعاقبهم مسلكياً.

في السياق، يقول المحامي شكري حداد، من جمعية “الجهد المشترك” (تعنى بحقوق الإنسان وتعزيز المحاسبة والمساءلة والحكم الصالح) إن توقيف الناشطين يتم بطريقة تعسفية، تناقض المواثيق والمعاهدات الدولية التي تتيح حرية التظاهر والتعبير عن الرأي، وفيها مخالفات قانونية واضحة وصريحة لناحية استعمال القوة، وفي أوقات كثيرة بشكل عشوائي، قبل التأكد حتى من التصرف الذي أقدم عليه المتظاهر، وكذلك لجهة الاستجواب تحت ضغط التعنيف والضرب، مع تسجيل وسيلة جديدة هي الصعق الكهربائي، والتوقيف لأكثر من 24 ساعة لصالح النيابات العامة. ويلفت إلى أنّ تذرّع القوى الأمنية بردّها على أعمال الشغب التي يقوم بها المعتصمون، من حرق للمصارف وغيرها، ليس مقنعاً ومخالف أيضاً للقوانين، فهناك فيديوهات يمكن الاستعانة بها لمعرفة مرتكب هكذا أعمال، خصوصاً في ظلّ وجود مندسين يتمّ وضعهم بهدف توقيف أشخاص لا علاقة لهم بأحداث الشغب، وبجميع الأحوال يمنع منعاً باتاً التعرّض للمتظاهرين جسدياً.

ويقول فيصل صفير، رئيس “تكتل أوعى” (أُسِّس من رحم التحركات الشعبية) إنّ الممارسات العنفية التي ترتكبها السلطة بحق الناشطين، ما هي إلّا بديل للفشل في إنتاج الحلول، لأنّ هذه البنية السياسية غير قادرة على القيام بأيّ إصلاح حقيقي، ما يدفعها إلى اللجوء إلى الحلّ الأمني، الذي تطوّرت أساليبه مع تسلّم الوزير محمد فهمي وزارة الداخلية الذي عمد إلى وضع عناصر القوى الأمنية التي تأتمر له بوجه المعتصمين، وحطّم خيم الحراك، مستغلاً أزمة كورونا وحالة التعبئة العامة التي ألزمت المواطنين بالبقاء في منازلهم، وصولاً إلى الاعتداءات التي طاولت الناشطين أخيراً بوسائل كهربائية وعبر الضرب المبرح من قبل الجيش اللبناني. (ومن المعروف أن وزارة الدفاع مقربة من النظام السوري، وخصوصاً في الحقبتين الماضيتين، مع تولي إلياس بو صعب، ومن ثم زينة عكر، المناصران للحزب السوري القومي الاجتماعي، هذه الحقيبة). ويشبّه صفير الممارسات الأمنية التي تحصل اليوم بالتعاطي القمعي الذي مورس في لبنان أيام الوصاية السورية مع الناشطين المدنيين من تعذيب واعتقال وتغييب وكمّ الأفواه، (التي اعتقدنا أنها انتهت بخروج النظام السوري من البلاد عام 2005)، مشدداً على أنّ انتفاضة لبنان مستمرّة حتى تحقيق الإصلاحات الحقيقية التي تضرب بنية النظام السياسي الذي أنهك لبنان ودمّره اقتصادياً واجتماعياً ونقدياً ومالياً.

وأكدت لجنة الدفاع عن المتظاهرين، في بيان صادر عنها بتاريخ 3 مايو/أيار الحالي، أن العديد من الموقوفين يتعرضون للعنف الشديد خلال إلقاء القبض عليهم، وداخل آليات النقل وأماكن الاحتجاز التابعة لمخابرات الجيش، وذلك بناء على شهادة المحامين الذين قابلوا الموقوفين، وشهادة الذين أفرج عنهم لغاية الآن. وأشارت الأدلة الأولية إلى أن هذا العنف يهدف إلى انتزاع المعلومات ومعاقبة الموقوفين، ما قد يشكل جرائم التعذيب. وقالت اللجنة إن أغلبية الموقوفين تم إخفاؤهم قسراً الأسبوع الماضي، من دون معرفة جهة ومكان احتجازهم لعدة أيام. ولم يعرف مكان احتجازهم إلا بعد إصرار محامي لجنة الدفاع على النيابة العامة التمييزية والنيابة العامة العسكرية الإفصاح عن مكان احتجازهم، والسماح لهم بالاتصال بعائلاتهم. وأضافت اللجنة “لم يتمكن أي من الموقوفين من مقابلة محامٍ إلا بعد طلب نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف. وتمكنت النقابة، بالتعاون مع النائب العام العسكري بيتر جرمانوس، من تأمين دخول محامين من لجنة الدفاع لمقابلة 15 موقوفاً في مديرية المخابرات في وزارة الدفاع في 30 إبريل، و6 موقوفين في الشرطة العسكرية في صيدا في 2 مايو، فور نقلهم من فروع المخابرات في طرابلس وصيدا وصربا (قضاء كسروان). وقد رفض فرعا المخابرات في طرابلس وزحلة السماح للمحامين بالدخول لمقابلة الموقوفين لديهم”.

وطلبت اللجنة من النيابة العامة التمييزية، والنيابة العامة العسكرية، ووزارة الدفاع ومديرية المخابرات وسائر سلطات الاحتجاز “وقف أعمال التعذيب والمعاملة المهينة لجميع الموقوفين، مهما كانت أسباب توقيفهم، وفتح تحقيقات جدية بهذه الجرائم والمخالفات، تمهيداً لمحاسبة المرتكبين، وإعلان نتائجها للرأي العام ضماناً للشفافية والمصداقية”. كما طالبت “بوقف أعمال الإخفاء القسري لجميع الموقوفين، والسماح لهم بإجراء اتصال ومقابلة محامٍ، لا سيما لدى مديرية مخابرات الجيش في وزارة الدفاع وفروع المخابرات كافة. وإجراء معاينة الطبيب الشرعي فوراً، وبأسرع وقت ممكن للموقوفين الذين تعرضوا للتعذيب، لا سيما لخمسة من الموقوفين في مديرية المخابرات في وزارة الدفاع، وحصر صلاحية مخابرات الجيش وفقاً للقانون وإجراء التحقيقات مع المدنيين في الجرائم العسكرية من قبل الشرطة العسكرية حصراً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى