الديمقراطية تبحثُ عن فكر جديد
بقلم: تمارا حداد.

إن أبرز القضايا التي تستوجب إعادة النظر هي مسألة الدولة ودورها في مجتمع المستقبل ضمن المعطيات والحقائق الموضوعية التي أفرزتها التطورات الحديثة في مجال السياسة والإقتصاد والتكنولوجيا، ومن هنا لا بد من تناول الجسم الإداري للدولة ومعرفة وظائفها والتي يتعامل معها المواطن يومياً من أجل إدارة شؤون حياته، وبالتالي كفاءة وفاعلية وظائفها هما المعيارين اللذين يستخدمهما الفرد في الحكم على قدرة النظام على الإستجابة للمطالبة الحيوية للمجتمع البشري وإنجاز الخدمات الضرورية لجعل الحياة أمراً ممكناً. إن أبرز ما يُميز أنظمة الدول في الدول النامية هو التناقض الصارخ بين ما تطرحه الدولة ممثلة بنظامها السياسي والممارسات اليومية لأجهزتها الإدارية، والسبب الرئيس في هذا التناقض هو إفتقار تلك الأنظمة لقاعدة أيديولوجية واحدة تمثل الأساس الذي تبني عليه أنظمتها الإدارية وخلو أذهان المسؤولين من الرؤية المستقبلية التي تقود السياسات والبرامج التنموية. غاية الدولة لتحقيق المصلحة العامة وهي بثلاث وظائف التشريعية، تعني وضع القواعد العامة الإلزامية الأعم من مرسوم تنظيمي ومرسوم تشريعي، أما التنفيذية تعني تنفيذ القوانين وتطبيقها وإتخاذ الإجراءات اللازمة لأعمال الحكم والإدارة وينظم هذه الوظيفة القانون الإداري والمالي، أما القضائية تعني حل النزاعات والخلافات التي تحصل بين الأفراد أو الأفراد والدولة ويهتم بتنظيم هذه الوظيفة قانون الجزاء والجنايات. ومن الطبيعي أن وظائف الدولة أن تشمل إقامة مؤسسات مستقرة تستهدف تحقيق التنمية بكافة مجالاتها” الإقتصادية والإجتماعية والثقافية” وأيضا التحرر من التبعية وتحقيق الأمن وصياغة دساتير وهياكل سياسية تقود عملية التنمية. لكن فشل النظام السياسي والإداري نتيجة غياب الديمقراطية التي باتت مهددة بالانقراض بسبب الأزمة التي تعيشها الأنظمة العربية، الأمر الذي أدى إلى خلق اشكاليات في طبيعة الأنظمة السياسية وتركيبة الجسم السياسي، من هنا يستوجب الحال بلورة الديمقراطية من جديد لإعادة تنظيم شامل لترتيب المجتمع بصفته مركزاً للديناميكية المشتركة ومنبعاً للتغيير وهو ما يجري داخل الجماهير لخلق موطن الإبداعية الجماعية والتي بحاجة لإصلاحات من خلال ديمقراطية فعالة كإصلاحات سياسية من خلال سلطة مُنتخبة لها دور نحو تحسين الأداء والتطوير، والعمل بسلسلة من الإصلاحات الإدارية إلى جانب جهاز الخدمات العمومية ومعالجة الانحرافات بكافة أشكالها، مع بناء دولة الرعاية ضمن اصلاحات اجتماعية بحيث تقوم الدولة الاجتماعية على أساسين ليست فقط أداة لحماية الاستقلال الحقيقي للأفراد ضد الأخطار التي تهددهم “المرض، البطالة، الشيخوخة، العوز، والفقر” بل هي أيضاً أداة دخول المجتمع ضمن “جماعة الضغط والتحكم” في النظام السياسي من وجهة نظر العدالة. ومن المهم تحرير الحريات الإنسانية وحرية الإبداع والإنشاء الذاتي للمجتمعات المدنية ضمن ولادة جديدة لفكر جديد وثقافة جديدة بعيدة عن التحزب والتعصب الديني بل فكراً مبنياً على البحث العلمي إيماناً نحو التحسين بعيداً عن المعارضة التي تهدم دون بناء، فنحن بحاجة لولادة ايديولوجية متحررة لانقلاب مشهد متحرر بعد مرحلة طويلة من الخسوف، نحو إحياء جديد لمسار الخروج من الفئوية والتنمر “التعصب الديني” لبلورة استقلال ذاتي ضمن نظام سياسي “واحد موحد” يعمق مبدأ القانون وديمقراطية حقوق الإنسان وضمانة الحق الإنساني في المجال القضائي وتعزيز القانون الديمقراطي بدل العجز السياسي للديمقراطية. حتى تُحقق الدول فاعلية وظائفها لا بد من المحافظة على قوة المؤسسات والحفاظ على دولة الرفاه والرعاية الإجتماعية، ولا سبيل إلى الإصلاح الإقتصادي بغياب دولة المؤسسات وحكم القانون، وقوة الدولة بقوة قدرتها المؤسساتية والإدارية على تصميم السياسات وسن الأنظمة والقوانين ووضعها موضع التنفيذ، يجب تحجيم مدى وظائف الدولة غير الهامة بحيث لا يصل أبداً الى حيز وضع السياسات الإجتماعية أو إعادة توزيع الثروة، مع تقوية القدرات المؤسساتية للدولة في كل المجالات وعلى الصعيد المحلي والدولي، حيث يحقق هذا الأمر دولة أصغر ولكن أقوى أي ضرورة أن تكون الدولة أصغر مدى وأقوى قدرة مؤسساتية وإدارية، وإحداث نقلة نوعية من ثقاقة الواجبات إلى ثقافة الحقوق وإحداث عولمة إجتماعية أخلاقية، من المهم بناء الدول من الداخل عن طريق تكامل الإصلاح الإداري والمؤسساتي والسياسي والمجتمعي، والعمل على محاربة الفساد وتشكيل لجان المحاسبة والمسؤولية وترسيخ الشفافية، وإيجاد فعاليات أكثر قابلية للتحليل وإيجاد فكر سياسي ثقافي مع مسارات الإصلاح كافة من الداخل، ومن المهم تغير سياسات المساعدات الخارجية والتعامل معها بأكثر حيطة وحذر، وإذا أردنا زيادة القدرة المؤسساتية للدول من خلال دعم السكان المحليين بإعطاء حوافز إستثمارية لهم وهذه الامور بحاجة لديمقراطية بفكر جديد ورؤية جديدة. الديمقراطية السوية تعمل على بناء القدرة المؤسساتية من خلال: التصميم التنظيمي للادارة العامة، وتصميم النظام السياسي” التصميم المؤسساتي على مستوى ككل شمولية النواحي الإقتصادية والسياسية، كما أن أساس الشرعية هي الديمقراطية والحكم الرشيد وتطبيق القانون ومعرفة العوامل الثقافية والبنيوية ورأس المال الإجتماعي الذي تؤثر فيه القيم. أن أهم الإصلاحات التي تحتاجها السلطة الفلسطينية لتعزيز قدرتها على تقليل الإنفاق وتعزيز قدرة الحكومة، كفاءة الإدارة والوظيفة العامة من خلال: أولا، هيكلة وظائف الدولة، من خلال: إعادة هيكلة جميع الهيئات والمؤسسات المالية والإقتصادية الحكومية والمختلطة بما يتواءم واتجاهات إدارة الدولة اللامركزية التي تتوزع فيها السلطات والموارد بين مستويات السلطات المركزية، الإلتزام بمبدأ التدوير الوظيفي، إصلاح الجهاز الإداري للدولة ومراجعة التعيينات والترقيات الوظيفية وتصحيح الأوضاع وفق قواعد الحكم الرشيد، والقضاء على الإزدواج الوظيفي وضبط التضخم الوظيفي، الملائمة بين دور الدولة وقدرتها على تعزيز قدراتها المؤسسية وذلك بموجب مراجعة وظيفة الدولة بما يؤدي إلى ترشيد حجم جهازها الإداري وإعادة هيكلة وحداتها الإدارية، إدارة الموارد البشرية بالشكل الصحيح، وتشكيل مجالس إستشارية ومشاركة القطاع الخاص في دعم وإصلاح الخدمة المدنية، وإستخدام أسلوب هندسة إجراءات العمل لتعزيز الإصلاح والتطوير بشكل جذري، واستغلال التكنولوجيا. ثانيا: وضع ميثاق منظومة نزاهة وطنية في كافة مؤسسات الدولة، وسد الثغرات القانونية التي من خلالها يحدث الإنحرافات الادارية ومتابعتها باستمرار، وتبني أنظمة مالية حديثة للموانة العامة، وضرورة التحكم ببنود الموازنة، من خلال حوكمة بنودها، والعمل على تمويلها بالإعتماد على الجباية لضمان التوازن المالي للحكومة على المدى القصير والتوزان الإقتصادي على المدى الطويل، وإدارة المالية العامة يضمن النزاهة والشفافية، وبناء النظام الديمقراطي من خلال عمل الإنتخابات التشريعي والرئاسي وإنهاء الإنقسام وتفعيل المصالحة، وحرية الإعلام والوصول إلى المعلومات، وعقد تحالفات إقتصادية مع الدول الغنية، وعمل تكتلات إقتصادية مع القارة الإفريقية نظراً لغناها بالموارد وعمل مشاريع فلسطينية داخل تلك الدول ويكون مردودها للحكومة الفلسطينية لتستطيع دفع رواتب الموظفين والإنفاق على السلع والخدمات، إنشاء مدن صناعية وعناقيد صناعية ترفع من مستوى التنمية المستدامة، وإتخاذ خطوات بإتجاه تنويع الهيكل الإنتاجي وتفعيل إستراتيجية قائمة على تنمية الصناعات التحويلية إنطلاقا من القطاعات السلعية التي تمتلك مزايا نسبية تنافسية مثل صناعة الأدوية والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية والصناعات الميكانيكية والإلكترونية، وتطوير قطاع الخدمات التجارية ذات القيمة المضافة العالية مثل الخدمات المالية واللوجستية والإتصالات والهندسة كمدخل لإنجاح الصناعات السلعية. خلاصة: من المهم تعزيز المشاركة السياسية الديمقراطية ببناء سلطة سياسية قوية واحدة تكون على أسس قانونية، وتعزيز مبدأ فصل السلطات وكذا الفصل بين الوظائف السياسية تتضمن توزيع عادلاً للموارد ترتبط ببناء المؤسسات، وإعتماد معايير الترشيد وبناء الثقافة السياسية، والتأسيس للسلطة بالتمايز البنائي” ميزة وفاعلية”، والعقلانية، والتخصص الوظيفي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى