الديمقراطية كتأشيرة حاسمة لخروج الجيوش خلف الحدود!
بشير عمري

بعد جدل الهوية الذي أثاره مشروع تعديل الدستور بين الجزائريين، يأتي جدل السماح للجيش بالمشاركة في العمليات العسكرية خارج حدود البلاد بين معارض لذلك ومتفهم ومتمحس له، ما يجعل من مهمة البحث في مثل هاه المواقف وسبر غورها ومعرفة أساسها ضرورة ملحة ليستبين الكل حول إشكال يرى الملاحظون أنه تاريخي طالما أنه يتعلق بعقيدة جيش قيل أنه هو من بنى الدولة.

قبل الخوض في تفتيش محتوى المواقف محل جدل بخصوص خروج الجيش إلى ما وراء الحدود، يتوجب إلقاء نظرة على طبيعة هذا الجيش وظروف تشكله ومساره المهني والسياسي تاريخيا.

فالمعروف بطبيتعه من خلال منحوت اسمه، أنه جيش شعبي وطني قوامه وقومته الأولى كانت من عمق الشعب من فلاحين وعمال والقادمون من الهامش الذي تخلل تطور المدينة في حقب الاستعمار، انتزع الحرية بقوة الوعي بالقضية الوطنية ورغم تواضع الاداة وقتها فكرا وسلاحا، من هنا يتضح أن العقيدة الوطنية هي العقيدة العسكرية وهي أساس بناء الدولة وليس العكس كما يروج له في أبجديات الخطاب التاريخي والسياسي وفق قانون اللعب باللغة !

ولعله من هذا العمق الايماني بالوطنية والالتزام بها كفاحا وتضحية داخل الحدود ما أثر في باقي مناحي الوعي الوطني وشكل ما ينعت بالخط الدبلوماسي والعقيدة العسكرية، ليترسخ ذلك عمليا وبشكل منسجم مع التاريخ، حتى أنه لم تتورط الوطنية الجزائرية في نزاعات الحرب الباردة رغم محوريتها الثورية في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت (أين كانت تلقب بمكة الثوار) بفضل تاريخها الكفاحي ضد الاستعمار، فعدا السند الذي قدم كواجب قومي في مواجهة الاستعمار الصهيوني بالمشرق العربي لم ترسل قوات إلى أي بلد عانى تمردات داخلية سواء أكان عربيا أم يساريا، وهو ما ظل محل إشادة من الجميع.

اليوم تتحدث جهات تقف في مصف المنافحين عن موقف التعديل الدستوري، عن تغير في التاريخ وباتت الظروف الجيوبوليتيكة المتقلبة تفرض المبادرة بالخروج قبل حصول الكارثة بالداخل.

في ظاهر التبرير يبدو الحق صادحا لكن في باطنه يظل اللبس والغموض صامدا وصادما، إذ أن القرار بالمشاركة العسكرية داخل حدود بلد محل النزاع بالاضافة إلى كونه سيكون عمل “تدخل في شأن داخلي” وهو ما كانت ترفضه الجزائر بشدة أيام الحرب الأهلية، سيكسبها عداء داخل النسيج الاثني المرتبط والمتداخل مع اشكالات السلطة والسياسة في الفضاء الافريقي الذي هو هو حقل التدخل الذي على أساسه تم تعديل الدستور، وكما رأينا كيف أن الخلافات كانت ذابحة بين دول افريقية تداخلت وتدخلت الجيوش فيما بين حدودها، مثل ما حصل في الكونغو وتأثير تدخل الجيوش الأوغندية والرواندية والبورندية، ما حدث في السودان مع اثيوبيا وجنوب السودان ودارفور، وليبيا في تشاد في نزاع شريط أوزو، وما يحدث في ليبيا حاليا.

طبعا يستميت المدافعون عن التعديل الدستوري في جزئية خروج الجيش الجزائري إلى ما وراء الحدود، بالتأكيد على أن ذلك ليس يتم بالسهولة كما يتصورها البعض فالأمر يظل رهينة للمصادقة الشعبية من خلال مجلسها النيابي الذي لن يسمح بمرور مثل هكذا قرار إلا عبر المصادقة من ثلثي أعضائه!

حجة أيضا سليمة ومنطقية لكن السؤال الذي يقف هنا كعلامة فارقة، أي برلمان سيُحتكم إليه؟ هل سيكون برلمان منتخب بشكل ديمقراطي حقيقي أم معين بالانتخاب كما درجت عليه العادة مذ أوقف المسار الانتخابي سنة 1992؟

ذلك لأن رافضي التعديل الدستوري في جزئية المشاركة العسكرية خارج الحدود الوطنية، يردون على مثل هكذا حجة بالقول أن الدول التي تخرج بجيوشها هي دول ديمقراطية بالاساس وممتلكة لسيادتها وهدفها هو الدفاع عن مصالحها في مناطق تدخلها العسكري، فشرط الديمقراطية والتمثيل البرلماني الحقيقي والصحيح هو ضمان قبول مهمة السماح من عدمها بمشاركة الجيوش خارج حدودها.

فشرط شعبية وديمقراطية البرلمان حسب الرافضي للتعديل الدستوري ليس فقط يضفي طابع القبول الشعبي ويزكي الخيار الرسمي بشأن المشاركة العسكرية خارج الحدود، وإنما يسهم كذلك في صيانة تاريخ وقيمة الجيش الوطنية وعراقته في ملحمة الانسانية التحررية، ويضربون بذلك مثلا لما حدث مع بعض الجيوش التي حولها قادة دولها غير الديمقراطيين إلى أداة تكسب شخصي وارتزاق توظفها قوى الاستعمار كيفما شاءت مثل الجيش المصري الذي له سمعة سيئة خارج وداخل حدوده، وقد تابع الكل كيف أن السيسي وصل به التجرد من روح المسئولية إلى حد تجريد الجيش المصري من روحه الوطنية حت صار يطلب من يدفع أكثر من قوى النزاعات ليرسل إليه فيالقه!

كل ذلك يبعث على التأكيد بأن أي مبادرة في هذا الاتجاه تقفز على حقيقة الواقع، من ضرورة دمقرطة الحياة السياسية والنزوع النهائي عن البنية الواجهتية للسلطة والحشو المؤسساتي، ستؤدي لا محالة إلى الانشطارية على كل المستويات ما قد يجعل اللحمة الوطنية عرضة للتفكك وعُرى الوحدة عرضة للانفراط.

من هنا سيكون من الخطأ التركيز على جزئيات من التعديل الدستوري بمعزل عن الكل، ولا سيما بمعزل عن حقيقة التمشي الميداني والفعلي مع مطلب التغيير المرفوع من الشعب والمتبنى من السلطة كشعار.

فإذا كانت صحيحة دعوى المنتصرين للتعديل الدستور حتى يخرج الجيش ليستبق مخاطر الداخل في الخارج، فإنه بمقابل ذلك يظل صحيحا موقف رافضي التعديل في ظل غياب الشرعية عن صاحب القرار كنتاج لغياب الديمقراطية الحقيقية واختيار الشعب الحق.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى