“الذئاب الرمادية”.. ذراع تركيا لإرهاب المجتمعات الأوروبية

السياسي – بإقدام فرنسا على حظر جمعية “الذئاب الرمادية” شبه العسكرية، التي تتخذ أيديولوجية قومية تركية يمينية متطرفة، على الأراضي الفرنسية، فإنها كشفت واحدة من أهم أذرع وأدوات السلطة التركية للتدخل والتأثير على الاستقرار الأمني والاجتماعي في الدول الأوربية.

فتلك الجمعية تتخذ أسلوب الاعتداء ونشر الكراهية تجاه القوى والشخصيات والكتل الاجتماعية المناهضة لسلوكيات السلطة التركية، سواء من الأتراك المعارضين والمناهضين لهذه السلطة، أو من أبناء الأقليات القومية الأخرى، مثل الأكراد والأرمن والسريان.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين، أصدر مرسوما حكوميا حظر بموجبه أي نشاط لمنظمة “الذئاب الرمادية” على الأراضي الفرنسية، معللا ذلك بمشاركة المنظمة في احتجاجات ومظاهرات عنيفة، استهدفت النشطاء الأكراد والأرمن.

وقال المرسوم الفرنسي: “نظمت الجماعة مظاهرتين ليليتين مناهضتين للأرمن في ليون وكرونوبل أواخر الشهر الماضي، وردد المشاركون في إحدى المظاهرتين (سنقتل الأرمن)”.

الجمعية القومية التركية العابرة للحدود، قدرت المؤسسات الأمنية الأوربية أعدادها بعشرات الآلاف من الشبان، المنظمين على شكل حلقات مغلقة حسب المدن والأحياء الموزعة عليها، بحيث تتألف كل حلقة من عدد يتراوح بين 100 إلى 200 عنصر، مرتبطين بشكل عنقودي بالجهة التنظيمية المركزية للجمعية، الموجودة في تركيا.

وكانت هذه الجمعية معروفة فقط بالنسبة للمؤسسات الأمنية الأوربية فحسب، لكن منذ أن حظرتها الحكومة النمساوية عام 2018، فإن الجمعية ونشاطاتها التخريبية صارت جزءا من النقاش السياسي والثقافي، وحتى الاجتماعي، الأوروبي.

تاريخيا، كانت جمعية “الذئاب الرمادية” مليشيا عسكرية مسلحة، مرتبطة أيديولوجيا وسياسيا بحزب الجمعية القومية التركية MHP، الذي يُعتبر امتدادا سياسيا للتنظيمات القومية التركية المتطرفة، والتي تعتبر نفسها صاحبة الدولة والمسؤولة عن حماية القومية التركية.

وكانت هذه الجمعية تعمل كذراع عسكري لتنفيذ الاغتيالات السياسية لصالح قوى اليمين التركية المتطرفة، طوال عقود سابقة، خصوصا في عقدي الستينيات والسبعينيات، حينما كانت تشهد تركيا حربا أهلية بين اليمينيين واليساريين.

فهذه الجمعية المتهمة بتنفيذ آلاف عمليات الاغتيال والتغييب القسرية، لم تتعرض لأية مسائلة أو محاكمة، لأنها كانت ممثلة ومحمية من قوى الدولة التركية العميقة، التي يمثلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان راهنا.

انتشار تلك الجمعية في أوساط الجاليات التركية الموجودة في أوروبا بدأ منذ أوائل الستينيات من القرن المنصرم، فمع زيادة العمالة التركية في الدول الأوروبية، حرصت السلطات التركية على تمتين أواصر تلك الجمعية، للحفاظ على الارتباط والولاء الـيديولوجي للجاليات التركية.

السلطات التركية ردت على القرار الفرنسي بالقول: “سنرد بشكل حازم على الإجراء التركي”، وهي ردة فعل تثبت الارتباط الوثيق للجمعية مع السلطة التركية، وهو أمر يمنعه قانون الجمعيات الفرنسية منذ عام 1905.

لكن المراقبين لم يلاحظوا حتى الآن أية ترجمات مباشرة لشكل الرد التركي الممكن، فالدولة الفرنسية لا تملك جمعيات أهلية تذكر على الأراضي التركية، إلا أن المخاوف تذهب لإمكانية أن تشكل ردة الفعل التركية مزيدا من القلاقل التي قد تفتعلها تلك الجمعية في الأراضي الفرنسية.

موقع “Duvaren” نقل عن قيادات ومسؤولين من حزب اليسار الديمقراطي الألماني، تأكيدهم أنهم يسعون لدفع الحكومة الاتحادية الألمانية إلى إغلاق وتجريم الانتماء إلى منظمة “ADUTDF” الألمانية، التي وإن كانت تتخذ تسميات تتعلق بالديمقراطية، إلا أنها فعليا “المطابق الألماني” لجمعية الذئاب الرمادية الفرنسية، وتقوم بنفس الأدوار التخريبية المناهضة للأرمن والأكراد والمعارضة التركية في ألمانيا.

قياديون ألمان، على رأسهم القيادي في حزب الخضر الألماني، وهو من أصول تركية، جيم أوزدمير، انضموا لدعوات حزب اليسار الديمقراطي الألماني، وقالوا حسب الموقع الألماني: “ترتبط الذئاب الرمادية ارتباطًا وثيقًا بالحزب التركي اليميني MHP، وهو الشريك في الائتلاف الإسلامي الحاكم مع حزب العدالة والتنمية  AKP، ومن دائرة الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يلاحق ويرعب أولئك الذين يفكرون بطريقة مختلفة عنه، نحن نحث على (عدم التسامح مطلقًا مع المنظمات الفاشية)”.

موقع ” TheNationalNews” نشر تقريرا موسعا عن تاريخ هذه الجمعية في الأراضي التركية طوال العقود الماضية، فهي كانت مسؤولة عن المذبحة المروعة في مدينة كهرمان مرعش عام 1978، التي راح ضحيتها أكثر من 100 من أبناء الأقلية العلوية.

وكذلك نفذت عشرات عمليات الاغتيال بحق القادة السياسيين اليساريين الأتراك، ثم بدأت الجمعية بحملة واسعة لاغتيال القادة السياسيين والثقافيين الأكراد في البلاد، طوال عقدي الستينيات والسبعينيات، على رأسهم الروائي الكردي الشهير موسى عنتر، لتعود اليوم للانتعاش، ولو خارج الأراضي التركية، بتنفيذ أعمال شبيهة بتلك.

الكاتب والباحث جيرالد دارمانين، كتب تقريرا في موقع “THE CANADIAN”، يوثق ما رآه، واصفا الحالة النفسية والأيديولوجيا لقرابة 200 شاب تركي كانوا يهاجمون أبناء الجالية الأرمنية في منطقة ديسين شاربيو، بالقرب من مدينة ليون الفرنسية، وهم مدججون بالأسلحة البيضاء.

“أن تعطيني الحكومة ألفي يورو وسلاحا، وسأفعل ما يمكنني القيام به في أي مكان بفرنسا (…) نحن حوالي 200 ألف تركي، سنفعل ما علينا القيام به”، هكذا نقل الكاتب عن شخص يدعى أحمد جتين، الذي لم يكن يبلغ من العمر إلا 23 عاما، ويعتبر زعيما محليا لهذه العصبة في منطقة تواجده.

وتنبأ الكاتب بأن يتحول هذا المشهد الاجتماعي المرعب إلى مشهد عام، ما لم تتخذ الحكومة الفرنسية قرارات حاسمة بشأنه، على مختلف الأصعدة المالية والأيديولوجية والأمنية والتنظيمية، بما في ذلك تصنيفها في لائحة الإرهاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى