الرئاسيات الأمريكية..  دروس في زعامة الأمة وحرمة المؤسسات
بشير عمري

شهد الأمريكيون ومعهم العالم بأسره، أقوى صراع انتخابي رئاسي في تاريخ وجودهم الوطني القصير، في عمر الامبراطوريات المعاصرة الكبرى، ومع ذلك ظل هذا الصراع داخل الأطر القانونية والمؤسساتية للبلد، ولم يحدث أي تداخل أو ترتيب بالتخريب للقوانين والمؤسسات حتى يسطو البعض عن الآخر بدعوى الفراغ أو الغموض أو استحالة استكمال المسار الانتخابي، وهكذا مضت الديمقراطية البيضاء في مجراها ومسراها الأول دونما تعطل أو تعطيل تدفع بأصحاب حلم التغيير عندنا إلى التفكربعمق في التجربة الوطنية ووعيها بشكل دقيق علها ترسخت يوما في ثقافتنا وفكرنا وعلمنا السياسيين.

لكن ما هي العناصر الجديرة حقا بالتفكر والتدبر في واقع الصراع الانتخابي بين بايدن وترامب والتي فاقت في الحدة كما في الصيت، تلك الثنائية التصارعية التي حدثت بين جورج ولكر بوش ومرشح الديمقراطيين حينها آل غور سنة 2001؟ .

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

بلا منازع أول عنصر ينتصب واضحا صائحا في هذا المصرح الانتخابي العلومي وليس فقط عالمي، هو زعامة الأمة دون الفرد، وهذا أبرز ما رسخته الديمقراطية الغربية داخل فضاءها الابيض، الأمة سيدة القرار والكل يحتكم إليها والكل يحترم قرارها، باعتبارها أساس الوجود الجمعي والمجتمعي والوطني أيضا، فليس تاريخها خاضع لمفتريات الخطابات المتصارعة في أساس الوجود، لا معرفيا ولا تاريخيا، ولا أحد ممن كتبوا تاريخ استقلال الولايات المتحدة قال بأنها أمة أو دولة أوجدها جيشها من العدم، حتى وإن كان الجميع يعلم بدور العسكر في سحق أجناس سبقت البيض الأوروبين إلى ذلك المكان، التمدد العسكري على الارض وداخل حدود الهنود الحمر السكان الاصليين في وسط هاته الامبراطورية وصولا إلى شمال المكسيك.

فحين تتوفر لها نخب حاكمة وحكيمة فإن الديمقراطية كثقافة ووعي وسلوك تسهم في تقوية العلاقة بين مفاصل دولة مصطنعة أو مستحدثة فما بلك بدولة تمتلك رصيدا من العراقة في نسيجها الاثني والثقافي والديني وترقد على أرض واحدة منذ فجر التاريخ.

فالوحدة الوطنية التي لا تضمنها سوى وصايا القوة ودعاوى توظيف “الأمن” للحماية من انفراط عقدها، وبفرض قوانين في هذا الاتجاه عبر مؤسسات نيابية وسيادية “معينة بالانتخاب” لا يمكن إلا أن تظل قلقة في واقعها وفي آفاقها طالما أن أصل اللحمة يظل اصطناعا وليس اقتناعا.

ثاني النقاط الجديرة بالتمعن في قصة المتصارعين على عتبة البيت الأبيض الأمريكي، (بايدن – ترامب)  هي قوة القضاء المستقل ومحورية سلطته في الحفاظ على البلد من كل مخاطر الهشاشة والاقسام والفساد، فالردع في التجربة الديمقراطية البيضاء تحوزه جيوش البزة السوداء وسلاحها الفتاك هو القانون الذي يسري ويجري على الجميع، وليس لأحد أن تجرأ على الافلات من مسطرة الشرع الوضعي الواضع لأسس قيام الأمة والضابط لسير أفرادها ومؤسساتها، في وقت نجد فيه الزعيم لدينا معصوم بالزعامة وتحت حذاء عصمته تقع الأمة بكاملها، يديرها بطوارئ القوانين المتمشية مع طوارئ نزواته ورغاباته وحاجة أسرته وعصاباته، وليس أسوأ وأبشع من مارس هذا السلوك التألهي من بوتفليقة بدعم وحماية مؤسساتية خاطئة خارجة عن سياقها الوظائفي ومارقة عن روح الؤسسة ومفهوماتها.

وبالحديث عن المؤسسات ودورها في تثبيت سيادة الأمة وزعامتها على نفسها، لاحظ الجميع صمت المؤسسة العسكرية الأمريكية الأقوى علميا حيال الصراع، وفهم سر قوة هذا البلد أمام هذا الصمت الحيادي الدائم الذي أبدعت الديمقراطية البيضاء في ترسيخه داخل حياضها الوطني، في حين لا تكاد هاته المؤسسة (العسكرية) تصمت في منطقة من العالم حتى تزأر بأخرى حيث ترى فيها مجلبا للصالح الوطني الأمريكي العام.

ليست الدعوة هنا للتأمل في التجربة الانتخابية الامريكية المكرسة للدميقراطية البيضاء، تعني وجوب استنساخها في واقعنا العربي والجزائري على وجه أخص، فلا وعيها لدينا بلغ المستويات التي تسمح بذلك ولا المسارات الموصلة إليها قد خضناها بمثل ما خضوها هم في تجربتهم، ولكن ضرورات تعلم منطق الدولة وتشرب ثقافتها وفق نموذجها ما بعد الزعاماتي والامبراطوري الفردي تلزمنا بالتأمل والتحرك من أجل المحاكاة.

نحن فقراء التاريخ خارج بطولاته العنترية واساطيره البطولية التي تطرب النفس وتضرب الوعي، وتأجج الفخر وتفخخ الفكر، فقرنا التاريخي هو في جوانب أخرى متصلة خاصة بأسئلة الوعي اللحظي والموضوعية السياسية المحررة للاذهان من أوهام الماضي أفضت بالأمة دوما إلى صناعة أصنام بشرية تعلو وتتعالى عليها (الأمة) لتذوب بعدها بفعل حر التاريخ فتكتشف الأمة أنها كانت تعبد لصا خطف الشرعية، وأخلط عملا صالحا بآخر سيء دونما نقد ولا انتقاد لأنه كان ببساطة ألها وضعيا معصوما، وليس رئيسا بشرا منتخبا.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى