الربيع العربي بعد عشرة أعوام
محمد المحمود

قبل عشر سنوات/ 2011، وفي مثل هذا اليوم 25 يناير، كنت أطلب من صديقي أن يأخذني إلى مطار الرياض؛ من أجل العودة إلى مدينة الإسكندرية التي كان قد مضى على استقراري فيها قرابة أربعة أشهر؛ بعد أن جعلتها على خط عودتي من بريطانيا خريف 2010. في ذلك الخريف الحَالِم بهدوئه المريب، جرت الرياح بما اشتهت السفن؛ وقليلا ما تفعل.

لهذا، استأجرت شقة متواضعة فيها، ووضعت فيها بعض الأثاث المحدود على عجل. كنت قد بدأت أخطط للإقامة الدائمة في مدينة الفلاسفة الأوائل، مدينة الباب المفتوح منذ فجر التاريخ، مدينة الأرض التي تُعانِق سماءها/ بَحَرها بِغَرامٍ أبديٍّ لا يزال يُغرِي بعشق السماوات، مدينة الماضي المُعَتَّق بحنان غامض ينضح بالأسرار، والحاضر المُضَمّخ بجمال باهر يخطف الأبصار.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

لم تمضِ إلا ثلاثة أيام على زيارتي لأرض الوطن. الزيارة كانت عابرة؛ للسلام على وَالِديّ، ولتجديد بعض الأوراق الضرورية. لكن، بدا لصديقي أن رجوعي المستعجل إلى الإسكندرية غير ضروري. وعندما سألته عن سبب اعتراضه الهادئ على رجوعي العاجل (وكنت أتوقع أنه يعترض لأسباب تَرَفِيّة، كأن يكون الشتاء في أرض الوطن أجمل من شتـاء الإسكندرية الذي كثيرا ما يكون قاسيا)، قال: ألم تُتَابع الأخبار ؟ قلت: هل من جديد ؟ قال: هناك دعوات كثيرة للتظاهر في مصر هذا اليوم؛ فَلِم تُغَامر بالسفر في مثل هذه الحال ؟ قلت: كثيرا ما تحدث المظاهرات في مصر، وهي محدودة، وتنتهي في وقتها. قال: يبدو أن الأمر في هذه المرّة أخطر؛ خاصة وأن ما وقع في تونس قبل شهر يبقى حدثا غريبا، وربما تتطوّر الأحوال !

حقيقة لم ألتفت لِقَلَقه، بل ولا لِتَخْويفِه الذي كنت أراه مُبَالغا فيه. لم أشعر بأن ثمة شيئا مُهِمّاً/ كبيرا يُمْكِن أن يحدث. كنت قد اعتدت أن أرى بعض المظاهرات والهُتافات في مصر، وكانت مظاهرات حركة “كفاية” تأتي بشكل دوري، وكان كل شيء ينتهي كما بدأ، والحياة تمضي في مسارها الطبيعي/ اليومي.

أما ربط صديقي بين ما حدث في تونس، وما يمكن أن يحدث في مصر، فقد بدا وكأنه لا يتمّ إلا بشيء من الافتعال. فإن كنت لا أعرف الواقع التونسي جيدا، فإنني أعرف الواقع المصري جديدا؛ على امتداد عقد ونصف العقد من ذلك اليوم الفارق الذي كان له ما وراءه من أحداث.

هبطت الطائرة في الإسكندرية عصرا. وفي تفاوضي مع صاحب التاكسي على أجرة نقلي من المطار إلى شقتي في حي “سيدي بشر” كان من دواعي رفع الأجرة ـ بزعمه ـ أن طريق البحر مقطوع، وأن ثمة شَغَبا، وأنه سيُضطر إلى طريق أطول…إلخ. كان يقول هذا، وكنت أعدّ كل ما يقوله من باب محاولة إقناعي بدفع زيادة استثنائية في الأجرة؛ لأننا في يوم استثنائي. قلت له: اذهب عن طريق البحر، ولو أن فيه مظاهرات، لا مشكلة عندي. قال سترى. ذهبنا، وفي منطقة ما في طريق البحر، كان ثمة اضطراب، وحضور أمني لافت. لكنه لم يكن كما وصفه السائق. ومع هذا أخذنا طريقا داخليا، ثم عدنا لطريق البحر، وظل طِوال ما بقي من الطريق  يؤكد لي أن المشهد قبل العصر ليس كما هو الآن ساعة الغرب، قال: لقد كان أشد عنفا واضطرابا.

وصلت شقتي، وبدا لي أن الأمر انتهى عند المشهد الذي رأيته على طريق البحر. وما أكد لي هذا الانطباع أن مثل هذه الأمور كثيرا ما تنتهي في مصر عند هذا الحدّ. لكن، ضحى يوم الجمعة 28/1 حاولت مرارا إجراء مكالمة هاتفية، ولكن كانت شبكة الاتصال لا تعمل. لم أفسّر الأمر بأكثر مما يحتمل آنذاك. لكن، بعد صلاة الجمعة مباشرة، سمعت ضَجيجا في الشارع، وأصوات وصرخات، وصوتا لانفجارات صغيرة. وعندما ذهبت إلى النافذة لمشاهدة ما يحدث، كان ثمة دخان يتصاعد. من الدور الثاني عشر، شاهدت الجماهير وهي تشتبك مع رجال الشرطة. دقيقة أو دقيقتان، وحدث المشهد الغريب تماما، المشهد المفاجئ الذي لم أعتد عليه، حيث يُلاحق المتظاهرون رجالَ الشرطة بالحجارة، بينما يهرب هؤلاء بعد أن كانوا في موقع هجوم، وفي دقائق، لم يعد لهم وجود.

في مساء ذلك اليوم، احتلّت دبّابة بجنودها مركزَ التقاطع الكبير القريب من منزلي. كان حظر التجوال قد بدأ، وعندما نزلت لشراء بعض الضروريات من محلٍ يقع أسفل العمارة، كان الخوف باديا على الجميع. لم يعرف الجميع ماذا يمكن أن يحدث في الساعات التالية، خاصة وأن الحديث في الشارع كان يجري حول إحراق المتظاهرين لأقسام الشرطة، ودخول “البلطجية” على خط المظاهرات. ما يعني ـ بدهيا ـ غياب الأمن. وهذا الشعور بغياب الأمن، هو ما لاحظته على صاحب المحل الذي كان ينظر في وجوه الداخلين إليه بشيء غير قليل من التوتر والترقب، وكان يطمئن إذا ما رأى الأوجه التي اعتاد على استقبالها.

ما الذي حدث ؟ كانت القنوات الفضائية تتحدّث عن ثورة، وأنها تتجاوز كونها حدثا مصريا/ ثورة مصرية إلى كونها ثورة عربية كبرى؛ بعد ربط ما يحدث في مصر بما حدث في تونس. كنت لا أراها ثورة بحال، بل “احتجاجات غضب”، “انتفاضات غاضبة”؛ لأن الثورة تعني أن ثمة مُتغيّرا جوهريا حدث على مستوى الوعي العام، وأن هذا المُتغيّر يتمتع بدور النّاظِم لكل مسارات الاحتجاج الغاضب. وهذا ما لم يكن موجودا، ولا حتى في حدوده الدنيا التي تمنح الفاعلين فيه صفة: ثُوّار.

لكن، إذا لم يكن الأمر “ثورة”، وكان مجرد “غضب”؛ ما الذي أغضب الناس، ما الذي أغضبهم إلى هذه الدرجة الحَرِجة، إلى درجة أنهم خرجوا إلى الشوارع بالملايين، مُخَاطِرين بأرواحهم، أو على الأقل، مُخَاطِرين بأن ينتهي بهم المطاف إلى السجون والمعتقلات ؟.

لا شك أن الأحوال المعيشية البائسة التي بدأت تتراءى وكأنها ـ في مسار استدامتها ـ قَدَر لا يتزحزح إلا بمعجزة، من أهم هذه الأسباب. لكن، ليس كل الغاضبين فقراءَ مسحوقين، بل ولا أغلبهم كذلك، ومن المؤكد أن ليس أكثر الفقراء المسحوقين هم من المتظاهرين الغاضبين، أقصد: الغاضبين الذين خرجوا في المظاهرات التي تعمّدت إسقاط النظام كهدف أولي وجوهري للحراك، وإلا فالغضب من “سوء الحال” كان هو ما يجمع الفرقاء في المشهد الانتفاضي/ الغاضب.

عندما اختار المتظاهرون الغاضبون يوم 25 يناير لم يكن عبثا/ لم يكن مصادفة، بل كان اختيارا ليوم “عيد الشرطة”، ما يعني أن المقصود به مواجهة النظام، ليس في مجمل تفاصيله على سبيل التحدّي العام، بل المقصود تحدّيه في ذراعه الأمني خاصة، وفي الأمني الأكثر تماسّا مع حياة الناس اليومية. وهذا ما يشهد به أن موجة الغضب الأولى/ العفوية توجّهت مباشرة إلى إحراق أقسام الشرطة؛ دونما التفات إلى أن هذا هو إحراق لممتلكات عامة، تشترك هذه الجماهير التي تمارس تدميرها ـ من حيث مبدأ الشراكة الوطنية ـ في ملكيتها العامة.

على أي حال، ما لمسته بنفسي هو أن ثمة فرحا واضحا لدى كثيرين بما حدث لرجال الشرطة، خاصة في الأشهر أولى، إلى درجة أني سمعت رُكّاب أحد الحافلات يتحدثون بشيء من الفرح والابتهاج المشوب بالشماتة عن خبر اعتداءٍ عنيفٍ وقع على رجال الشرطة في أحد أقسام الشرطة التي طالها الهجوم في 28/1/2011.

طبعا، مثل هذا الفرح وهذه الشماتة بدأت ملامحهما بالضمور تدريجيا؛ بعد أن أصبح سؤال الأمن مُلِحّا. أذكر أني ركبت وسيلة نقل عامة، وبينما كنا في طريق، إذا بأعمال شغب، وتَجَمهر غير مأمون. بدا السائق مُتخوّفا، وسرى القلق إلى الجميع. وهنا، بدأت الهمهمات التي تتحدّث عن ضرورة النظام/ الأمن، وتحدثوا بما مفاده أن منع مثل هذا الانفلات الأمني الذي لا يمكن التنبؤ بعواقبه من الأولويات. قال أحد الركاب بصوت مسوع للجميع: “مهما كان، تبقى الحكومة حلوة”. والمقصود بالحكومة هنا: الشرطة تحديدا. كأنه يقول: مهما كان الغضب على رجال الشرط؛ إلا أن وجودهم ضروري.

بدت كلمته العابرة وكأنها لسان الجميع، وبدا هذا الاعتراف وكأنه اعتراف المضطر، أي كأنه الاعتراف الذي لا ينفي مبررات الغضب الصادرة من واقع حياتي سابق، ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ لا يستطيع تجاوز الدور المهم الذي يقوم به هؤلاء الرجال “المغضوب عليهم” في تحقيق الحد الضروري من الأمن الي يسمح للحياة بأن تأخذ مسارها الطبيعي (وكأن ثمة أمنية كامنة/ حالمة، بأن يتم إصلاح ما؛ دون تدمير أو إلغاء).

إلى جانب هذا الإشكال (الذي كان يمكن إصلاحه ـ ولو بالتدريج ـ قبل اندلاع موجات الغضب)، كان الأفق الحياتي/ الاقتصادي المسدود، اليأس الذي يأكل الأعمار في سنوات الانتظار لأمل لا يأتي؛ حتى أصبح وكأنه في عداد الأموات.

ملايين من الشباب المصري الذين هم في قمّة سنوات العطاء، ولا يستطيعون العطاء، وبالتالي، لا يستطيعون تحقيق الحد الأدنى من مقومات الحياة التي منحتهم وسائل التواصل والإعلام الفضائي فرصة الاطلاع عليها في أكثر صورها عظمة وإغراء. هناك عوالم تتراءى للعين، وتبدو قريبة جدا؛ ولكنها ـ في حال النظر إلى الواقع ـ تبدو بعيدة حد اليأس القاتل، اليأس الذي يُنْتج غضبا يتوهّم أنه سيعيد ترتيب معادلات اليأس؛ كيما تنتج أملا واعدا تنتزعه من بين أنياب المستحيل.

لفترة لم تطل؛ بدت “احتجاجات الغضب” وكأنها هي الأمل الذي سيحفر منافذ للحياة في صلادة صخرة اليأس. لهذا، بدت هذه الاحتجاجات في تصوّر الغاضبين مشروعة، أيا كانت مساراتها، بل وأيا كانت نتائجها. كانت أيام الغضب الأولى ترفع سقف التطلعات/ الأحلام إلى السماء؛ في انقطاع تام عن الأرض/ الواقع. كنت أجلس في بعض المقاهي الشعبية المزدحمة في الأيام الأولى التي تلت يوم التنحي: 11/2/2011، وأسمع كيف تصاغ “الآمال المستعجِلة الباذخة” التي تتردّد على ألسنة الحالمين. إنها آمال تتجاوز حدود إمكانيات الدول المستقرة الغنية بإنتاجها، كفرنسا وألمانيا مثلا، فكيف بدولة تعاني اختناقات اقتصادية/ تنموية، وقد دخلت في إشكال سياسي يُهدّد استقرارها ذاته، فضلا عن كونه يعيق نموها الذي كان ضعيفا وخجولا قبل 2010، ولكنه كان موجودا على أي حال.

كنت أرى وأسمع مِن على أرض الواقع. ولبضعة أشهر، استمرت الأحلام/ التطلعات تتّجه صُعُودا؛ بينما كانت التحقّقات الواقعية في هبوط، والأمور تزداد تعقيدا، والوحش الأصولي ـ بتنويعاته من إخوانية وسلفية ـ يتربّص، نافخا في بالونات الأحلام الكاذبة، وفاتحا لآفاق تواصل أصولي عابر للأوطان، تواصل حركي إيديولوجي؛ مُسْتهينٌ ومُسْتخفٌّ بالأوطان؛ على اعتبار أنها ـ في نظره ـ لا تعدو كونها مجرّد لَبِنةٍ في مِعْمارٍ إمبراطوري مُتَخيّل، مجرّد خطوة عابرة إلى الدولة المثالية: الخلافة التي ستعيد مجد الإسلام !

المهم، أني في كل ما رأيتُ وما سمعتُ من الناس/ من الجماهير مباشرة؛ سواء من مُبررّات الغضب، أو من آفاق التطلعات، لم تكن “الحرية” ولا “الديمقراطية” محورا فيها. لم أجد أن الهموم الفعلية للجماهير البسيطة، الغاضبة/ الحالمة، تتعانق ـ ولو بالقليل ـ مع إشكاليات الحرية والديمقراطية، بل يبدو وكأنهما “مفهومان” غير مفهومين لهؤلاء الذين أرادوا التعبير عن غضب وعن أمل في آن؛ دون معرفة بسياق تشكّل الغضب ومآلاته، ولا بسياق تحقق الأمل وإمكانياته على ضوء محددّات الواقع.

لهذا، كتبتُ، ومنذ الأيام الأولى، مُؤكّدا على أمرين: الأول، أن ما جرى ويجري ليس “ثورة” بحال، بل هو مجرّد “احتجاجات غاضبة”؛ لأن “نظام الوعي” لم يتغيّر؛ حتى على مستوى النخب التي تصدّرت المشهد السياسي لهذه الاحتجاجات، ورفعت شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ دون وعي منها بشروط تحقق الحرية والديمقراطية. والثاني، أن هذه الاحتجاجات ستنتهي إلى سُكُون، وهو سُكُون على مستويين: مستوى الجماهير، وذلك بالقصور الطبيعي/ الخفوت التدريجي للغضب. ومستوى الفاعلين السياسيين، وذلك بالخضوع قسرا لمن يملك الرقم الصعب في معادلة القوة الفعلية. وهذا ما حدث لاحقا، وسيبقى واقعا راسخا في حدود المدى المنظور.

فحتى في الأقطار العربية التي اتخذت فيها موجات الغضب مسارات عُنْفيّة بالغة القسوة، بقدر ما هي طويلة الأمد (كما في سوريا وليبيا)، لن يتغير شيء في إطار الحد الزمني لـ” نظام الوعي العام” المتاح حاليا، وهو وعي ـ رغم كل ما يبدو على سطحه من متغيرّات طرأت عليه بفعل الأحداث الساخنة ـ لا يزال بينه وبين الوعي الحُرّياتي الديمقراطي مسافات يتعذر قطعها في النصف الأول من القرن  الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى