الرحلة الاصعب، فدوى طوقان
بقلم مهند طلال الاخرس

#كل_يوم_كتاب

كتاب من الحجم المتوسط يقع على متن ٢٠٣ صفحة من اصدارات دار الشروق للنشر والتوزيع، والكتاب عبارة عن الجزء الثاني من السيرة الذاتية لفدوى طوقان. الكتاب تكملة لمشوار فدوى الذي بدأته في جزئها الاول حياة جبلية …حياة صعبة، وهذا الجزء يغطي سيرة فدوى او ما سمحت لها الظروف بنشره، وهذا الجزء على قلة صفحاته المئتين قياسا للفترة التي يغطيها من بعد النكسة عام ١٩٦٧ الى سنة ١٩٩٢ تقريبا إلا انه جاء زاخرا وكثيفا وعامرا بالمواقف والاحداث. ما يميز هذا الجزء حركية النص اكثر وقدرته في التعبير عن الاحداث المتلاحقة التي وسمت حياة فدوى الخاصة وفي احيان كثيرة حياة الشعب الفلسطيني عامة، وفي هذا الجزء يظهر جليا حجم التماهي بين العام والخاص في حياة الفلسطيني، اذ لا يمكن فصل هذه العلاقة في حالة الشعب الفلسطيني. تبدأ المذكرات عند فدوى طوقان في هذا الجزء من حيث انتهت في الجزء الاول، فتبدا من عند تلك المكالمة الهاتفية ونصائح الاصدقاء بالخروج من فلسطين كون الحرب على وشك الوقوع ص٧. بعد حدوث النكسة ومن خلال انهيار التام للسقف الفلسطيني، تقوم اواصر الزيارات وتتعزز بين اقسام الوطن المشطور، بين الضفة وغزة والشطر المحتل ١٩٤٨، ومعها بدأت فدوى باستقبال الوافدين عليها من شتى بقاع الوطن، وكان توفيق فياض من اوائل هؤلاء الرواد في زيارتها ص ١٧. وتحدث تباعا لقاءات عدة بين مثقفي الوطن ونخبته: محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران، ولاحقا اميل حبيبي واميل توما وصليبا خميس وعلي عاشور وغيرهم. في الصفحة ٢٠ تستعرض فدوى اللقاء الاول بينها وبين محمود درويش والمساجلات والرسائل المتبادبة بينهما، وهي مساجلات رائدة تنم عن حالة ادبية وثقافية ناهضة وترفض الهزيمة. كانت احدى المفارقات المبكية والمضحكة انفتاح سبل التواصل بين اشطار الوطن، وتختزل فدوى تلك المفارقة بعبارة كثيفة:”الحدود تفتحها الهزيمة والمسافات تقصر بين نابلس وغزة” ص ٦١، وتورد فدوى في ص ٢٧ عينة بسيطة  للمسات الفرح جراء ذلك التواصل، “زارتني في بيتي بعد النكسة وفود فلسطينية عديدة من شتى المناطق لا سيما المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ كان يلفت نظري كيف يتسمرون امام رفوف الكتب، كنت احرج منهم عندما يطلب احدهم استعارة كتاب ما، كنت اقدر لهفتهم على تواصلهم الجديد مع تراثهم وتاريخهم بعد انقطاع تسبب به الاحتلال، ثم ما لبثنا ان وقعنا جميعا تحت حصار ومنع ممنهج، واصبحت الكتب ممنوعة وتخضع للرقابة والمصادرة، اصبحت الكتب والثقافة بشكل عام سلعة محاصرة ومطاردة من الاحتلال ص ٢٧ . لا يفوت على الشاعرة ايضا الكتابة عن الايام الاولى للاحتلال واثرها ووقعها على الناس وعلى القدس بالذات ص٣٣. في ص ٣٨ ولغاية ٦٠ تروي فدوى تلك القصة الشائكة المتعلقة بلقائها بموشي ديان متطرقة لسياق اللقاء وكيفية حدوثه واسبابه وتبعاته اللاحقة طبعا، بالاضافة الى ما اشيع عن نقل رسائل بين ديان والرئيس عبد الناصر من جهة وابو عمار من جهة اخرى. في الصفحة ٦٥ تسرد فدوى طوقان قصة طويلة لطبيعة السجال الدائر مع النخب الاسرائيلية بعد قصيدتها الشهيرة ” اهات امام شباك التصاريح” وتورد فدوى تلك الردود والسجالات وتلك الحرب المصعورة التي شنتها وسائل اعلام الاحتلام واقلامه في مواجهة فدوى، حتى انه بدأ بالتحريض عليها تحت عنوان”شاعرة في القرن العشرين من أكلة لحوم البشر” ص ٧٣، ولم تقف الامور عند هذا الحد بل وبدأت تصلها رسائل بالتهديد والقتل ص ٧٤، ومن نافلة القول ان فدوى طبعا لم تُترك لوحدها، فانضم الجميع لنصرتها وتصدى سميح القاسم للدفاع عنها في مقاله الشهير “التفوق الكانيبالي” ص ٧٥-٧٧. تواصل فدوى وبطريقة ممنهجة تقديم صورة واضحة عن الاحتلال ومجتمعه المصطنع ونخبه ومثقفيه، وتدخل في حوارات وسجالات معهم، تعري الكثير منهم وتفضحهم، وتنجح بإكتساب قلة نادرة وحزينة مثل المحامية اليهودية المناضلة فيليتسيا لانغر ص ١٠٩، والاديب والشاعر اليهودي مردخاي ابي شاؤول والكاتب يوسف الغازي والصحفي اريك رولو ص ١١٧. في ص ١٣٣ تستحضر فدوى ذلك اليوم من مساء الثامن والعشرين من سبتمبر ١٩٧٠ حيث وفاة الزعيم جمال عبدالناصر، ولا تغادر فدوى حديثها عن الموت إلا بعد استحضار تلك الصورة البهية لوائل زعيتر في الاوساط الثقافية العالمية وتستعرض كثيرا من القصائد والاقلام التي كتبت عنه في صورة ناصعة على نجاح القضية الفلسطينية عالميا وتصدرها المشهد، وهو ما كان الاحتلال حريصا على اخماده باغتيال وائل زعيتر وهذا ما نجده عبر ص ١٢٧ وحتى ١٣٥. وفي الصفحة ١٣٥ وحتى ١٤٥ تتطرق فدوى لزيارة الفيلسوف الامريكي، ابو اليسار الجديد، هربرت ماركوز للقدس، وعن زيارته لفدوى ولقاءه بمجموعة من النخب الفلسطينية والمثقفين. ثم تستطرد فدوى بالحديث عن نضالات المراة الفلسطينية في كافة المجالات والصعد ص ١٤٧، ولا يفوتها في ص ١٥٥ ان تتطرق الى نفسها والى بعض الجوائز والاوسمة الحاصلة عليها. عند الصفحة ١٦٣ تتحدث فدوى عن الانتفاضة وتنقل لنا صورة حية عن طبيعة الظروف والمناخات السائدة قبل انطلاق الانتفاضة عام ١٩٨٧، الى ان تصل في الصفحة ١٧١ للحديث عن مؤتمر مدريد للسلام وعن تلك الاحلام بعيدة المنال. تختم فدوى كتابها باستعراضها للعديد من الاسماء والمواقف التي ارتبطت معها بمواقف نجحت باستحضارها من اطراف الذاكرة وابقائها عالقة بالاذهان، بحيث تشاركنا نحن واياها لحظات فارقة من الحب والتقدير ص ١٧٥ وحتى ٢٠٤. الكتاب جميل وممتع ويحتوي على مواقف وطنية ناصعة ويسلط الضوء على نقاط كانت غائبة في فهم طبيعة هذا الاحتلال وتقديم صورة واضحة وجلية لادواته، وقد تعجبك الكثير من مقتطفاته واحداثه للاستدلال فيها على فكرة معينة. زبدة القول: ان شعبا ظل على مدى عقود طويلة يمارس النضال بحثا عن حريته، واصراره على استرداد وطنه المسلوب دون يأس او تراجع، لهو بحق شعب فوق الفناء، فوق الاندثار، هذا ما تؤكده الحقائق وتؤيده حركة التاريخ.

وقد يكون من الجميل ان نختم هذه القراءة لهذا الكتاب بما قاله ديفيد كروسمان في كتابه الهواء الاصفر (وهو يهودي ينتهمي الى شجرة الانسانية) عندما تسائل: ما العلاج؟ واين المفر؟ كيف يمكن انقاذ القاتل والمقتول المتواجدين في سجن واحد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق