الرياضي والقابلية للاستعمال السياسي
بشير عمري

أثار نجم الكرة الجزائرية السابق رابح ماجر مؤخرا بتصريحات جديدة أدلى بها للصحافة القطرية، موجة أخرى من الانتقادات في الوسط الصحافي، الرياضي وكذا السياسي، وأكثر منهما في الفضاء الأزرق، وذلك حين أشار إلى المؤامرة التي استهدفته هو وطاقمه بعد تعيينه على رأس المنتخب، ما جعله يعيش ضغطا رهيبا أثر عليه وعلى المنتخب ككل إلى أن أقيل من منصبه.

ليس يهمنا في هذا المقام الجانب الكروي في موضوع ماجر والمنتخب، بقدر ما يهمنا الجانب السياسي فيه، على أعتبار أن ذلك هام ومهم وحاضر بقوة لدى الأنظمة الشمولية والديكتاورية الفاسدة التي تسعى دوما لاستعمال النجوم الرياضية لتلمع هي تحتاها في ظلمة الواقع التنموي والسياسي للوطن والمواطن.

كيف استعمل صاحب الكعب الذهبي ونجم فريق بورتو لنهاية ثمانينات القرن الفائت من قبل النظام؟ و كيف كان يتجاوب مع هذا الاستعمال؟ وما سبب تهافت نجوم الرياضة المعتزلين أمام مغريات السلطة في كل مرة؟

لم يعدم تاريخ الرياضة في العالم مواقفا اتحدت أو تضادت فيها السياسة مع الرياضة، بل إنهما كان الأكثر اشتباكا وتنافرا حين يتعلق الأمر بمصير الأمة وحق الشعوب، محمد علي كلاي الملاكم الشهير رفض زمن حرب الفيتنام التجنيد مع الجيش الأمريكي والمشاركة فيها، باعتبارها غزوا لبلد آخر، فحكم عليه بالسجن، الجمبازية الشهيرة صاحبة العلامة الكاملة الوحيدة في تخصصها بأولمبياد موريال بكندا 1976 الرومانية نادية كومانيتشي فرت من جحيم تشاوسيسكوا وكشفت معاناة شعبها للصحافة العالمية،  اللاعب الشهير الراحل قائد منتخب البرازيل للثمانينات الدكتور سوقراطيس خاطب الجماهير بالملاعب منتقدا النظام العسكري الذي كان يحكم آنذاك أكبر بلد  بأمريكا الجنوبية، والأمثلة عديدة توضح مدى خوف الأنظمة الشمولوية من مواقف نجوم الرياضة حين تتألق فيها روح العصر ومبادي الديمقراطية.

عندنا في الجزائر عدا بالماضي مدرب المنتخب الوطني اليوم، والذي طالب في غير ما مناسبة بضرورة الاستماع إلى صوت ومطلب الشعب في التغيير، فإن جل من يسمون بالنجوم نسبيا إما التزموا الصمت جبنا وخوفا على صيتهم وسمعتهم التي اكتسبوها من حب وخير هذا الشعب، أو أنهم التحقوا كلية بالسلطة غير مكترثين لثورة وإرادة الشعب ورغبته في تحقيق التغيير.

كان ما جر بالمناسبة أول نجم حاول النظام استغلال اسمه واستعماله في أثناء الحصار الذي ضُرب على الجزائر بعد توقيف المسار الانتخابي ودحول البلد حرب أهلية طاحنة عصفت ريحها بربع مليون جزائري، حيث عيين من غير شهادات ولا خبرة مدربا للمنتخب الوطني سنة 1994 وأوشك المنتخب بسببها أن يغيب عن دورة كأس إفريقيا لسنة 1996 بجنوب إفريقيا لولا إقالته وتعيين الثنائي فرقاني والمرحوم عبد الوهاب مكانه.

والغريب أن ماجر فاته أن يقرأ هاته الحادثة في سياقها ويتعظ بما يلزم حتى لا يعاود المقامرة بسمعته وقيمته واسمه المسجل في فخر المنجزات الكروية الفردية في العالم، فعاود الكرة نهاية التسعينيات حين دعته الاتحادية وقتها بقيادة  برحال بن عومر لقيادة الجهاز الفني مجددا قبل أن يقف في طريقه وزير الرياضة آنذاك المدرب السابق لكرة اليد عزيز درواز، فيضطر إلى تمزيق العقد على المباشر في حصة ملاعب العالم التي كان يقدمها وقتها حفيظ دراجي، يومها ظن الجميع أن قصة ماجر مع المنتخب قد انتهت.

لا لم تنتهي بعد، المسكين سيعود مع بداية حكم بوتفليقة ليخلف عبد الغني جداوي المُقال بعد مهزلة القاهرة وخسارة المنتخب هنالك بـ(5-2) سنة 2001 ويكلف بإعداد منتخب للمشاركة في كأس إفريقيا لسنة 2002 في دورة مالي والتي لم يتمكن فيها ماجر من جلب سوى نقطة من تعادل يتيم في الثواني الأخيرة أمام ليبيريا 2-2 وهي النقطة التي كانت كفيلة بأن تفيض كأسا ظل يمتلئ مذ جيئ على رأس الاتحادية بمحمد راوراوة وكُلف بمهمة (شراء منتخب) كما أشار إليها بوتفليقة نفسه في أحد التجمعات، فاختلقت حادثة التصريحات المسيئة للجزائر، كذبت زمنها الصحافة البلجيكية أن يكون قد أدلى لها بها ماجر بعد مواجهة المنتخب البلجيكي الودية هناك صائفة 2002، فيقال المسكين من منصبه مرة أخرى، وعوض أن يفهم بأن المشكل ليس يكمن في شخص راوروة بل مع منظومة حكم تستعمل النجوم كالأوراق المستعملة، قرر الرجل الدخول في حرب مفتوحة مع راوروة على البلاتوهات أساء من خلالها لنفسه أمام جماهير الكرة يوم كان ينتقد المنتخب الوطني بحسبان أنه ينتقد راوروة وهو ما أكسبه عداء الجزائريين لا سيما بعد أن تكشف لهم قربه من شقيق الرئيس، ذلك القرب الذي سيجلب له ولما تبقى له من سمعة وسط الشعب الضربة القاضية، بعد أن مُنح مرة أخرى مهمة قيادة المنتخب الوطني في أسوأ مراحله وبعد اقصائه من المشاركة في دورة روسيا لكأس العالم سنة 2018.، وهو الذي ابتعد لأزيد من عقد على مجال التدريب، إلا ما كان يمارسه على بلاتوهات التحليل التي أفادته كثييرا كما صرح للصحافة في أحدى زلاته التواصلية الكارثية مع الاعلام.

ماجر اعتقد هاته المرة أنه أقوى وأحصن من المرات السابقة، لكون تعيينه لم يكن بإرادة الاتحادية بل من أعلى هرم السلطة وبالتالي فالحماية التي ظن أنه صار يتمتع بها كفيلة بأن تقف ضد أية إرادة تعترض طريقه وحلمه في ابقاء مدربا للفريق الوطني، ودللت على ذلك الاعتقاد الخطائ لصاحب الكعب الذهبي، المشاجرة التي افتعلها مع الصحفي الشهير معمر جبور في الندوة الصحفية التي أعقب اللقاء الودي ضد منتخب رواندا، فماجر بدا متجاوزا الاتحادية ورئيسها غير مكترث لهما من خلال اندفاعه وتهجمه بتلك الطريقة التي أساءت للجزائر وللكرة الجزائرية وللمنتخب الوطني، وإذا برهانه على حماية السلطة (العصابة) له ينهار لأنه لم يكن يدرك أو يعي أن هاته السلطة كانت تضعف من يوم لآخر باتت أهون من أن تحمي نفسها.

ولأن تلك السلطة (العصابة) كان عليها أن تضحي ببعض الأسماء خشية أن تنهار سريعا كما انهار بعدها مشروع العهدة الخامسة الذي عيين ماجر لدعمه، وتحت وطأة الضغط المتأت عن النتائج السلبية أقيل ماجر للمرة الثالثة! والواضح أن تلك الاقالة أثرت ولا تزال على نفسه كثيرا إن لم يكن أثرها قد أمتد لصحته.

الخلاصة هنا أننا حتى على مستوى النخب الرياضية أثبتنا تخلفنا الكبير في فضاء الوعي الوطني، فإذا كانت عناصر فريق جبهة التحرير الوطني ممن ضحوا بحياتهم الاحترافية والمهنية من أجل إشهار القضية الوطنية وثورة الشعب على الظلم والاستعمار والاحتقار الذي كان يعيشه، قد أثبتوا درجة الوعي الوطني الذي كاتن سائدا في ذلك الزمن 1958، فإن هذا الوعي ارتكس فيما بعد وصار الرياضي ينفصم وينفطم بل وينفصل عن الشعب لمساندة قوى الظلم الجاثمة على صدره نظير الحصول على امتيبازات معدودة وعرض من الدنيا قليل، ليس فقط ماجر من خاض هاته الارض الخاطئة فغيره كثير ممن لم يفهموا بأن التغيير الذي يريده الشعب ليس فقط يفترض أن يساندوه بنجوميتهم وسمعتهم التي نالوها من هذا الشعب عينه، بل يكونوا في طليعته حتى يتحقق النصر الأكبر لهذا البلد الذي تعب من اخفاقات وخيبات نخبه كل نخبه.

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى