الساعات ال24 الأولى بعد سقوط الأسد
العقيد عبد الجبار العكيدي

في ظل الحديث عن سيناريوهات تُطرح اليوم للحل السياسي في سوريا، سواء كانت جدية أو غير جدية، فإن السؤال الذي لا يمكن تصور أنه يغيب عن اهتمامات كل الدول، وخاصة المتداخلة منها في الشأن السوري، كان وما يزال “ماذا عن اللحظات التي ستلي مباشرة سقوط النظام!”.

تلت الضربة بالأسلحة الكيماوية التي نفذها نظام الأسد على الغوطة الشرقية 2013 والتي راح ضحيتها أكثر من 1200 شهيد، تصريحات نارية من مختلف العواصم، كان أبرزها اعتبار الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما أنها تجاوزت خطوطه الحمراء، وأنه قرر توجيه ضربة للنظام. تفاءل السوريون وقتها كثيراً عساها تقصم ظهره وتنهي معاناتهم.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

بعدها بأيام كان لنا اجتماع في غرفة العمليات بالعاصمة التركية أنقرة، ضم رئيس أركان الجيش الحر وقادة المجالس العسكرية وقادة الجبهات الخمس، مع ممثلي الدول الفاعلة في الملف السوري، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وكان الاجتماع الأطول ومحوره الأساسي وضع الخطط لتوجيه ضرة تأديبية قوية للنظام قد تؤدي لسقوطه.

تدارسنا الأهداف التي يجب توجيه الضربات لها بحيث يكون تأثيرها العسكري كبيراً، مع الحرص أن تكون بعيدة عن المناطق المدنية، وتتركز على المطارات العسكرية وغرف قيادة العمليات وقيادة الحرب الإلكترونية والحرس الجمهوري والفرقة الرابعة ومراكز البحوث التي يتم فيها تصنيع البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية ومواقع أخرى.

تم تحميل تلك المواقع الهامة على الخرائط استعداداً لساعة الصفر، على أن نكون نحن على أهبة الاستعداد للسيطرة على المراكز الأمنية في المدن والقيام بحفظ الأمن والسلم الأهلي، ومنع وقوع أي أعمال انتقامية أو تخريبية، ولكن انتظارنا لساعة الصفر طال كثيراً، واستخدم النظام لاحقاً الكيماوي عشرات المرات وما زلنا ننتظر.

هل كنّا حقا سذجاً وصدقنا الأمريكيين بأنهم سيعاقبون الأسد على جريمة استخدامه السلاح الكيماوي؟! أم كان لديهم حسابات أخرى مع مجرم أيدوا خرقه للدستور في بضع دقائق بعد وفاة والده صيف 2000 وتمّ تنصيبه رئيساً غير شرعي على سوريا بمباركة وزيرة خارجيتهم آنذاك مادلين أولبرايت، أم أن حرصهم على مفاوضاتهم مع إيران حول ملفها النووي، والحفاظ على أمن إسرائيل جعلهم يحجمون عن ذاك القرار.

المؤكد أن المسؤولين الأميركيين والغربيين طرحوا فيما بينهم هذا السؤال “ماذا بعد سقوط الأسد!”، وبناءً عليه أعادوا النظر في نواياهم توجيه الضربة، هذا لو افترضنا جدلا صدق نواياهم بمعاقبة النظام على جريمته، وربما كان الجواب على هذا السؤال أحد الأسباب التي جعلتهم يكتفون بمصادرة أداة الجريمة ويتركون المجرم حراً طليقاً حتى الآن يسبح في دماء السوريين.

سؤال هام وملح كان يتوجب علينا جميعا في قوى الثورة والمعارضة أن نطرحه منذ البداية وأن يكون لدينا إجابات واضحة ومنطقية عليه، ونعد له العدة ونضع الخطط لكل السيناريوهات المحتملة لسقوط الأسد ومنها:

أولا: أن تكون إزاحة الأسد بتوافق دولي وإقليمي في سياق العملية السياسية وفق القرارات الدولية ذات الصلة (بيان جنيف 1 والقرار 2254) وهنا السؤال الأهم: هل المعارضة بكل أطيافها جاهزة بكوادر وخبرات ومخططات لتكون شريكة حقيقية في السلطة؟ أم أنهم سيصبحون مجرد ديكورات يتمّ من خلالها إعادة انتاج النظام مجددا حتى بدون بشار الأسد؟

وبالتالي كان يتوجب على المعارضة أن يكون لديها مشروعاً جاهزاً لإعادة تنظيم المنشقين عن الجيش والشرطة والقوى الأمنية من كافة الرتب العسكرية في مؤسساتهم، خاصة أنه لدينا من الضباط المنشقين عن الجيش حوالي 4000 ضابط منهم 7 برتبة لواء، 115 برتبة عميد، 860 برتبة عقيد، والآلاف من باقي الرتب، بالإضافة إلى عشرات الالاف من صف الضباط والمجندين.

أما من ضباط الشرطة لدينا أكثر من 600 ضابط وعشرات الآلاف من العناصر وصف الضباط المنشقين.

هؤلاء كانوا قادرين على أن يشكلوا ثقلاً حقيقياً بشرط أن يتم إجراء دورات تأهيل وتدريب لهم باستمرار ليبقوا في جو العمل، لا كما هو حاصل الان.

كنت قد عملت منذ صيف 2012 على دراسة مشروع تأسيس أكاديمية عسكرية حقيقية وليست شكلية استعراضية، لتأهيل الكوادر وتخريج الضباط لرفد الجيش الوطني بالخبرات والكفاءات، والحفاظ على المنشقين بكامل جهوزيتهم، ولكنها لم تلق أذاناً صاغية.

وما ينطبق على العسكريين ينطبق على المنشقين الموظفين المدنيين، فنحن لدينا الآلاف من المنشقين عن إدارات ومؤسسات الدولة، بينهم رئيس وزراء وقضاة ومحامين ودبلوماسيين ومدرسين وصحفيين ومهندسين وأطباء وخطباء مساجد وغيرهم، كانوا قد أطلقوا في السنوات الأولى للثورة روابط ومؤسسات تجمعهم، مثل تجمع العاملين في الدولة، ونقابات المهندسين الأحرار، المحامين الأحرار، هيئة القضاة والقانونيين وكثير من الكيانات التي تشكلت بجهود فردية من أصحابها لتنظيم أنفسهم، ولكن للأسف لم يجدوا أي اهتمام أو رعاية من مؤسسات المعارضة الرسمية، وبالتالي لو افترضنا سقوط النظام الآن، وبعد انقطاع هؤلاء حوالي عشر سنوات عن العمل، ألم يصبحوا غير مؤهلين للعودة مجدداً الى وظائفهم لإعادة بناء المؤسسات؟

أما السيناريو الثاني المتوقع فهو السقوط المفاجئ للنظام وانهياره لأي سبب داخلي، وهنا فإن الحديث عن هذا الاحتمال يدخلنا في عالم التنجيم والفرضيات التي قد يصيب بعضها ويخطئ أكثرها.

الاحتمال الأكبر أنه في الساعات الست الأولى ستعم فوضى عارمة أنحاء البلاد، وخاصة الواقعة تحت سيطرة النظام، وربما نشهد انهياراً لمؤسسات الدولة وتفكك المؤسسة العسكرية والأمنية وانطلاق عمليات واسعة لتصفية الحسابات، إلا إذا كانت هذه المؤسسات قادرة على الدفع بشخص يستطيع الإمساك بزمام الأمور، وربما مجهز مسبقاً.

في الساعات الست التي تليها سنشهد ردود أفعال إقليمية ودولية مبهمة وغير واضحة المعالم. فينا الساعات التي تليها ستكون حالة من الترقب الشعبي أمام مصير غير واضح ويبدأ السؤال يتبلور أكثر: ماذا سنفعل؟

الساعات الأخيرة من اليوم ربما تتوضح الأمور عبر خارطة طريق مبدئية تنتج عن اتصالات ومشاورات سريعة بين العواصم الفاعلة في المشهد السوري مع هياكل المعارضة والمتنفذين من أقطاب النظام الذين لم ينقطع تواصل تلك العواصم التي لا تترك الأمور للصدف، معهم.

في كل السيناريوهات التي تم ذكرها هل سيكون هناك دور لمؤسسات المعارضة والمنشقين عن الجيش والشرطة والأجهزة الامنية وغيرهم من العاملين في الدولة، وخاصة أن أغلبهم أصبح في مناطق متباعدة خارج البلاد؟

ماذا سيكون دور دول الجوار الفاعلة على الساحة السورية والتي لها قوات على الأرض؟ ما هو موقف روسيا وإيران وهل سنشهد صراع بينهما وكيف سينعكس ذلك على انتقال السلطة؟
هل الحديث في الآونة الأخيرة عن تشكيل مجلس عسكري من ضباط منشقين وآخرين من النظام يدخل في حسابات هكذا سيناريو؟

احتمال حدوث الانهيار المفاجئ وارد جداً في ظل الأزمة الاقتصادية القاسية التي يعيشها النظام الآن، وهذا الاحتمال يستدعي من المعارضة أن تكون في حالة جهوزية وتضع استراتيجية متكاملة من أجل هذه اللحظة، فقد فاتنا الكثير ولكن الوقت دائماً متاح للتفكير والعمل، إذا وُجدت الإرادة، بإطلاق مبادرات ومشاريع تعالج هذا الخلل الخطير وأن لا نترك الأمور للصدفة بما يضمن أن نكون مؤثرين وفاعلين، لا أن نعمل بردود الأفعال.

من الأمور الضورية أن نتواصل مع الجميع، ونرسم خارطة طريق ونعمل على فرز جميع الكوادر العسكرية والمدنية، أقله على الورق، كل حسب اختصاصه، وتوزيع المسؤوليات ضمن مؤسسات الدولة بشكل نظري تحضراً لتلك الساعات.

لطالما تساءل المجتمع الدولي عن البديل للأسد، فهم يتحدثون عن دولة ذات موقع جيواستراتيجي غاية في الأهمية، تشكّل عقدة ربط بين القارات الثلاث، آسيا واوربا وأفريقيا، إضافة إلى وجود الكيان الصهيوني على حدودها، والذي يخشى من تشظي هذا الجسم السوري في حال أفلتت أدوات الصراع من أيدي اللاعبين الدوليين.

نحن كسوريين نعتقد بل متأكدين أن سوريا زاخرة بالشخصيات الوطنية والكوادر القادرة على إدارة البلاد في حال توفر دعم من هذا المجتمع الدولي الذي ترك الشعب السوري يواجه القتل والتدمير والاعتقال والتهجير على مدى عقود من الزمن، لكن أهم الأسئلة هي: هل لدى المجتمع الدولي الرغبة الحقيقية بتوفير هذا الدعم للشعب السوري للنهوض من تحت ركام الحرب وبناء سوريا ديمقراطية مدنية تعددية لكل السوريين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى