السخرية  من الشعبوية والمعركة الخاسرة للسلطة في “الخيال”

تجمع الآراء على أن الشعبوية ليست فقط دلالة على رداءة الفاعل السياسي بل قد تغدو حاجة ملحة لسد الفراغ في العملية السياسية الذي ينجم عن عجز في التصور أو البرنامج الموجه إلى ذلك، وبالتالي استعمال الأسلوب الشعبوي وهو من مجازات الخطاب السياسي الذي يتم عبر استعارة اللغة العامة التي تتيح لهذا الفاعل فرصة اختراق الوعي القاعدي والظهور بمظهر الحاسس بالشعب والعائش معه والواقع بواقعه ما قد يرفع من سهمه لدى من يقدس الصورة والكلام السياسيين حين يفشل في رصد الأداء وتحصيله على الواقع.

هذا ما تكرس في الجزائر في الآوانة الأخيرة وتحديدا مذ أخذ نظام بوتفليقة يتساقط شيئا فشيئا لأسباب ذاتية متصلة ببنيته اللا جمهورية ولا ديمقراطية ووقوعه في غواية الريع بعد التصاعد الجنوني الذي عرفه سعر النفط ما جعل تلك البنية اللا جمهورية حتى نقول النزوعة الملكية واللا جمهورية تسقط في وحل الفساد، ثم انهيار سوق النفط وانكشاف زيف التنمية (الريعية) بتعطل كل مشاريع الوهم التنموي التي لا تؤسس لاقتصاد بل تكرس نزعة ومنطق البازار، فمن وقتها تحول خطاب السلطة من النرجسية والامتداح لبرانمج الفخامة والزعامة إلى الاستعراض الشعبوي من خلال الاستعمال المفرط من قبل الولاة والوزراء والمسئولين مصحوبين في زياراتهم التفقدية (للمشاري التي هي في طور الانجاز) بجهاز الدعاية السمعي البصري المحتكر من قبل السلطة إلى غاية هاته اللحظة، لكلام سوقي والشعبوي أمام مسئولين قطاعيين على المستويات المتوسطة والمحلية من المسئولية، يقع جلهم تحت رحمة اللوبيات الفاسدة محليا ووطنيا.

التنكيت الرسمي والاستعارة للخطاب الدارج في التعامل مع الازمة الكبرى الذي أغطس واقع سقوط سعر النفط في الاسواق العالمية النظام الجزائري فيها، بلغ ذروته مع رئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال الموجود حاليا رهن السجن والمحكوم عليه في عدة قضايا فساد فيما يعرف بمحاكمات العصابة، إذ على النقيض من زميله المسجون بدوره، رئيس الوزراء السابق أيضا والذي كان مرشح بعض الدوائر المتصارعة داخل السلطة الفعلية ليكون خليفة بوتفليقة، ونعني به أحمد أويحيى الذي كان فضا غليظ القلب ما جعله منبوذا في الشارع السياسي والشعبي الجزائري، فإن عبد المالك سلال كان في منتهى الشعبوية في خطبه وخطاباته، يخبط خبطاء عشواء على النطاقين اللغوي والدلالي، ما حوله إلى مغارة علي بابا في التنكيت لرواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وإلى غاية إيداعه السجن كان البعض يشك في كون سلال يتعمد ذلك الاسلوب الردئ في التخاطب والتواصل السياسي، لكن بعد ظهوره أمام قضاة التحقيق ثم المحاكمة وبكائه واستعماله للغة العامة في طلب الشفاعة، أدرك الجميع أن الرجل ردئ بطبعه وأن الفشل منظومة الحكم كان بذلك حتما مقضيا، طالما أن قادتها كانوا في هاته الدونية من مستويات رجال الدولة.

اليوم تتجه مراصد النقد العمومي للممارسة الخطابية الشعبوية بشكل أوسع صوب وزير التجارة كمال الرزيق الذي، غم كونه رجل أكاديمي متخصص في الاقتصاد، اختار هذا الاتجاه مذ تم تعيينه على رأس قطاع هام واستراتيجي عملت عصابة بوتفليقة عبره على استنزاف الخزينة العمومية من خلال تضخيم فواتير الاستيراد واحتكار المواد الأساسية في الاستهلال اليوم للمواطن الجزائر في قوائم الورادات من البضائع اختار أسلوب الكلام العام، وبه صار يهدد (المستوردين المضخمين للفواتير) ويتوعد (المحتكرين)  ويعد (بسعار في المتناول في شهر رمضان) في حين كان واقع السوق وقطاعه يرواح مكانه بل ويتفاقم في أحايين عدة، هذا التناقض بين الوعود الواقع جعل الاستعمال للغة العمومية في التواصل مع الاعلام تتحول إلى شعبوية سمجة سخر منها الناس كثيرا وحولت الرجل إلى نجم جديد في التهكم بالفضاء الأزرق

وخلافا لكمال رزيق كان وزير سابق في القطاع ذاته الراحل بختي بلعايب قليل الكلام، قليل الظهور ونادرا ما ينظم الندوات الصحفية، لأسباب تظل مجهولة ربما لتفادي المساءلة الاعلامية بشأن قطاع مخرب تخريبا شاملا وكاملا، وحتى لا يضطر حينها للكذب والتدليس لأن الرجل كان يشعر حينها بدنو أجله بسبب معاناته من عدة أمراض مزمنة، أو بغرض العمل في صمت وعدم إثارة شركاء ونشطاء قطاعه، بيد أنه ما اتضح في آحر ندوة صحفية له أن الرجل قد شعر بوخز الضمير فتحدث بحقيقة مرة عن معاناة وزارته من تغول بارونات الاحتكار في الاستيراد التوزيع، واختراقها لوزارته عبر توقيع قرارات باستعمال ختم الوزراة وتزوير توقيعه الشخصي، تلك الحقيقة المرة التي ألقى بها إلى العلن جعلته يلقى تعاطف وتأييد من قطاعات جماهيرية وسعة في الفضائين الطبيعي والافتراضي .

لكن ما يلفت الانتباه في واقع الحكومة الجزائرية اليوم، هو أنها عوض أن تسعى إلى الارتقاء بمنظورها وخطابها إلى مستوى الواقع المأزوم عالميا (بسبب فيروس كورنا) وطنيا (الأزمة المعقدة سياسيا واقتصاديا)، صارت تظهر منشغلة ومشغولة أكثر بمواجهة أساليب التلقي لخطابها ونقد العامة لشاكلة آدائها، وذلك حين صرح وزير الاتصال والناطق الرسمي للحكومة مؤخرا بأن “العنف التعبيري عبر وسائل التواصل الاجتماعي مرفوض” فمجرد الاقرار بأن لغة التعبير (الساخرة) التي تُنتقد بها الحكومة أنها عنف مرفوض يعني بالضرورة الاعتراف بالرداءة في الخطاب والأداء، وعدم القدرة المبدئية على تحقيق القطيعة مع الممارسات السابقة، وبالتالي هزيمة الصوت والصورة في التسويق للتغيير والعهد الجديد الذي تدعي السلطة الحالية أنها تجسده وتكرسه، وأي نظام يسبق لديه الكلام العمل ويبدي شعورا من عنف النقد فهو لا محالة آيل إلى النهاية التي يعيش على حافتها، هكذا هو قانون التاريخ في السياسة وإدارة شئون الدول.

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى