السراب الذي يلاحقه العالم في جبال اليمن
صالح البيضاني

يواصل الحوثي جني مكاسب الهدنة الأممية التي طالما اتفقت جميع الأطراف الفاعلة في المشهد اليمني، بما في ذلك الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى اليمن على وصفها بالهشة، بالتوازي مع استعداد الحوثيين الفاضح لخوض جولة جديدة من الحرب بعد استكمال تجهيزاتهم لهذه الحرب، على وقع الأماني الدولية الحالمة بدفعة نحو سلام هش قد يأتي امتدادا لهدنة أكثر هشاشة لم تصمد كما يبدو، إلا نتيجة لالتزام الحكومة اليمنية بها من طرف واحد وحرص الإقليم والعالم على عدم انهيارها.

ولا يخفي الحوثيون استعدادهم لمعركة قادمة، حيث يتناوب قادتهم السياسيون والعسكريون بانتظام، منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، على التلويح بخوض حرب أشد شراسة والتصريح بأنهم باتوا أكثر عددا وعدة مما قبل وقف إطلاق النار ولا ينسون في خضم تصريحاتهم النارية التي لا تمت للسلام بصلة توجيه رسائل تهديد ووعيد لدول المنطقة بأن أمنها لن يكون على ما يرام.

ومن يقرأ تاريخ وملابسات ومآلات العشرات من الاتفاقات التي وقعتها الميليشيات الحوثية منذ حروب صعدة الست وحتى اتفاق الهدنة الأخير، مرورا بمؤتمر الحوار الوطني الشامل واتفاق السلم والشراكة ومشاورات الكويت واتفاق السويد، يدرك أن السلام ليس ضمن قائمة الخيارات الحوثية بالمطلق، وأنه لا يمكن الوثوق بتعهدات ميليشيات عقائدية مصممة للقتل، لا تؤمن بالحوار السياسي، إلا كجسر مؤقت للعبور نحو المزيد من العنف والدمار.

وإذا ما نظرنا إلى واقع المشهد السياسي اليمني الملبد بالتعقيدات والأفق المسدود أمام أي حلول حقيقية مرتقبة، ندرك أن الحوثيين ليسوا مسؤولين تماما عن سراب السلام الذي يلاحقه العالم في جبال اليمن، فالميليشيات الحوثية واضحة تماما في إعلانها عن خياراتها الأيديولوجية التي توظف كل طاقات المجتمع اليمني في مناطق سيطرتها ليس لاستهداف اليمنيين فقط بل وتحويل هذا المجتمع إلى قنبلة موقوتة تهدد أمن العالم أجمع.

والجزء الأكثر مسؤولية اليوم يتحمله المجتمع الدولي والأمم المتحدة التي تريد أن تثبت للعالم أن هذا “الضبع” الحوثي المفترس الجاثم على صدور اليمنيين يمكن استئناسه، فيما هو يكشر عن أنيابه ويواصل بقر بطون السلام وفقء أعين الحقيقة بلا هوادة أو رحمة رغم هذا التدليل الدولي والأممي.

والسؤال الذي يطرح نفسه دائما عند الحديث عن تفاعلات المشهد اليمني، هل خيار السلام ممكن في مشهد ضبابي وغائم كليا مثل المشهد اليمني؟ والجواب على هذا السؤال المعقد، باعتقادي لا يمكن الجزم به بشكل حاسم أو قطعي، رغم أن “السلام” بمفهومة الشامل، نهاية إجبارية لنفق الحروب المظلمة عبر التاريخ، حتى تلك الأشد شراسة وقسوة، ولكن هذا السلام يحتاج إلى أن تنضج ظروفه الملائمة، وفي المشهد اليمني لا يبدو أن ظروف الحرب قد نضجت حتى ينضج السلام على نار هذه الحرب الهادئة!

وقد يتساءل البعض كذلك إذا كان ما يحدث في اليمن منذ سبع سنوات ليس حربا، فماذا يمكن تسميته؟ وهذا السؤال تحديدا يستفز الكثير  من اليمنيين الذين اكتووا بنار الصراع ويأملون في نهاية سريعة لهذه المعاناة الشاقة التي جثمت على صدورهم منذ الانقلاب الحوثي في سبتمبر 2014، لكن الحقيقة المرّة التي أؤمن بها وأتحاشى شخصيا أن أصرح بها للكثير من الأصدقاء والأقارب الذين يسألونني عن نهاية النفق المظلم الذي تجثم فيه البلاد، أن الحرب في اليمن قد لا تكون قد بدأت بعد بشكلها الأكثر بشاعة، أو بما يكفي لإجبار المتحاربين على وضع أسلحتهم والجلوس على طاولة الحوار الذي يفضي إلى سلام حقيقي وليس لاستراحة محارب مثقل بعدة الحرب وبلا جروح!

وما حدث خلال السنوات السبع الماضية باعتقادي هو فرز عنيف لحالة الاصطفافات السياسية والعقائدية والجهوية في المجتمع اليمني، بالتوازي مع فرز إقليمي ودولي ألقى بظلاله الثقيلة على مجريات الصراع في اليمن، الأمر الذي ساهم في تكديس القوة والمال لدى أطراف متوثبة، مازالت تحتفظ بكامل لياقتها، بيد أن أحد أطرافها ممثلا في المناهضين للانقلاب الحوثي يبدي مرونة أكبر ورغبة نحو إغلاق ملف الحرب على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، في مقابل تعنت حوثي وإصرار مدفوع بعقد سلالية وعقائدية ورغبة هستيرية في فرض صيغة واحدة على جميع اليمنيين، وهي المعادلة التي لا يمكن تطبيقها في مجتمع متنوع ومتعدد ومتمرد وغير قابل للقولبة الأيديولوجية والسياسية على الطريقة التي يفكر الحوثي أن بإمكانه إجبار اليمنيين على تجرعها، متبوعا بأوهام التفوق العرقي والانتقام التاريخي التي تتحكم في تصرفاته بما في ذلك رؤيته الساخرة والمتهكمة للسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى