السعودية وإيران نحو “تهدئة إقليمية”؟
أمجد أحمد جبريل

على الرغم من أن مقابلة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، التي بثّها التلفزيون الرسمي 27 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، موجّهة إلى الداخل السعودي أساساً، بغية التأكيد على نجاح الأمير الشاب في تحقيق كثير من أهداف “رؤية 2030″، فقد انطوت تصريحاته على ثلاث رسائل خارجية مهمة، تخص علاقة الرياض مع الولايات المتحدة وإيران واليمن. والأرجح أن المقابلة تعطي مؤشّراً على احتمال ميل السعودية، آنياً، إلى “التهدئة الشكلية الإقليمية”، على نحو يختلف (خطابياً أو لفظياً على الأقل)، عن سياسة الرياض، منذ استلام محمد بن سلمان ولاية العهد في يونيو/ حزيران 2017، وإن كانت هذه “التهدئة المؤقتة” لا ترقى إلى حد تغيير توجّه السياسة الخارجية (Foreign Policy Orientation)، الذي يبقى توجّهاً غربياً عموماً؛ إذ تراهن الرياض أساساً على استمرارية الدعم الأميركي لها، مع رغبةٍ خجولةٍ في “الانفتاح الإقليمي المحدود”، عساها تجد حلولاً للتهديدات المتصاعدة لأمنها. .. وفي إطار تقويم احتمال انحياز الرياض إلى “التهدئة الإقليمية”، ثمّة ثلاثة عوامل متداخلة، تؤثّر على صانع القرار السعودي، وعلى فرص تحقيق “انفراجة إقليمية” وحدودها.
يتعلق العامل الأول بالتداعيات الأوليّة لسياسات الرئيس الأميركي، جو بايدن، الشرق أوسطية، التي تختلف في خطابها على الأقل، مع سياسات سلفه دونالد ترامب. بعد مرور أكثر من مائة يوم من رئاسة بايدن النشيطة، وتركيزه على الدبلوماسية، وتبنّيه مقاربة تسعى إلى التوازن بين القيم/ المبادئ (الرؤية المثالية)، والمصالح/ الأمن القومي الأميركي (الرؤية الواقعية)، فإن سياساته في الشرق الأوسط تبدو أقرب إلى الواقعية البراغماتية، خصوصاً في أربعة ملفات: تجاهل تأثير ملف اغتيال الصحافي، جمال خاشقجي، على العلاقات الأميركية السعودية. والانخراط الدبلوماسي مع طهران، بغية إعادتها إلى المسار التفاوضي في ما يخص ملفها النووي، ومنعها من زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم. وتنشيط الآلة الدبلوماسية الأميركية في عدة أماكن، ومنها اليمن، سيما مع اشتداد المعارك على جبهة مأرب، كما يتضح من جولة الوفد الأميركي، المكوّن من مسؤولين في وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي، على كل من الإمارات والأردن ومصر والسعودية، فضلاً عن جولة المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، على مصر والسودان وإريتريا وإثيوبيا، لبحث تسوية سلمية لعدد من القضايا، ومنها ملف سد النهضة والتوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا. وبداية انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، مع تعزيز الدبلوماسية الإقليمية للحد من أية تداعيات سلبية قد تتيح فرصة في ذلك البلد لكل من روسيا والصين وإيران.

تنفست الرياض الصعداء بعد نشر الإدارة الأميركية تقرير الاستخبارات عن جريمة اغتيال خاشقجي، ثم اتصال الرئيس بايدن بالملك سلمان بن عبد العزيز. وعلى الرغم من تصريحات مسؤولين في إدارة بايدن عن “إعادة ضبط العلاقة” مع السعودية، وفرض وزارتي الخارجية والمالية الأميركيتيْن عقوبات على 76 مسؤولاً سعودياً، بينهم متورّطون في اغتيال خاشقجي، وآخرون بسبب تهديدهم معارضين سعوديين في الخارج، فإن واشنطن لا تزال تُقدّم مصالحها الجيوستراتيجية مع الرياض، حتى لو أعطى الخطاب الدبلوماسي الأميركي أهميةً “رمزية” لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ إذ تبدو قضية خاشقجي كأنّها “مستثناة” من هذا الخطاب، أقله حتى الآن.
وليست مصادفة أن يتحدث محمد بن سلمان، بعد ذلك، عن التوافق السعودي مع إدارة بايدن بنسبة 90%، وتاريخ “الشراكة الاستراتيجية” بين البلدين الممتدة منذ 80 عاماً، ورفض الرياض أي ضغوط في شأنها الداخلي، وإسهابه في الحديث عن ميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول .. إلخ، الأمر الذي رحّبت به موسكو على لسان الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، الذي أعلن تأييد بلاده “هذا النهج بشكل كامل”. واللافت أن ذلك كله حدث بالتزامن مع تنشيط الدبلوماسية السعودية، وقيام وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بزيارتين إلى الدوحة ومسقط، وتوجيه دعوتين لقادة البلدين لزيارة المملكة، فضلاً عن انخراط الرياض في الجهود الدبلوماسية الأميركية والأممية، الجارية في عُمان، لتحريك الحل في اليمن، عبر إعطاء أولوية للملف الإنساني، ثم السياسي عبر الضغط لوقف هجوم الحوثيين على محافظة مأرب.

يتعلق العامل الثاني في احتمالات “التهدئة الإقليمية” برغبة إيران في تشجيع إدارة بايدن على تسريع رفع العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة ترامب على إيران، خصوصاً في قطاعات النفط والبتروكيماويات والبنوك والمصارف، ناهيك عن تصنيف واشنطن الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية”. بعبارة أخرى، تسعى إيران، مدعومة من روسيا، وبوساطة أوروبية، إلى وضع مسار مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا على طريق الإنجاز السريع، بهدف التغلب على عوامل التعطيل القادمة من جهتين؛ إحداهما سياسات إسرائيل في تضخيم “الخطر النووي الإيراني”، واحتمال نجاحها في التأثير على إبطاء مسألة عودة واشنطن إلى الاتفاق، كما يتضح من تصريح بايدن بعد لقائه رئيس الموساد الإسرائيلي، يوسي كوهين، في 30 إبريل/ نيسان، بأن “أمام الولايات المتحدة طريقاً طويلاً لتقطعه في المحادثات مع إيران، قبل أن توافق على العودة إلى الامتثال الكامل للاتفاق النووي”.
أما عامل التعطيل الآخر، فيأتي من ضغوط المشرّعين الجمهوريين، مثل السيناتور ليندسي غراهام الذي يحذّر من تأثير عودة واشنطن إلى الاتفاق مع إيران على زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وبعض الديمقراطيين، مثل السيناتور كريس مورفي، الذي يؤيد مساعي بايدن، شريطة إصرار واشنطن على توقيع اتفاقٍ يشمل وقف الدعم الإيراني الجماعات الإرهابية، وملف إيران في مجال حقوق الإنسان، وبرنامجها الصاروخي البالستي.

على صعيد آخر، تشهد السياسة الإيرانية نشاطا محموماً، لتخفيض مستويات التوتر في الخليج واليمن، كما يتضح من عدة مؤشرات: زيارات وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، العراق وقطر، ثم سلطنة عُمان. فضلاً عما نقلته صحيفة فايننشال تايمز في 18 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) عن مسؤولين عراقيين عن جولة مباحثات سعودية – إيرانية عُقدت على مستوى أمني بوساطة عراقية في بغداد، إضافة إلى ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز في 1 مايو/ أيار الجاري، عن سعي إيران والسعودية إلى عقد جولة ثانية من المباحثات غير المعلنة بينهما في بغداد. وكذلك تصريحات الرئيس العراقي، برهم صالح، إن بلاده استضافت أكثر من جولة حوار بين السعودية وإيران في الفترة الماضية، ثم اعتراف وزارة الخارجية السعودية بذلك، على لسان مدير إدارة تخطيط السياسات فيها، السفير رائد قرملي.
وعلى الرغم من هذه الخطوات الإيرانية، فإن تصوّر حلول سريعة لمشكلات العلاقات مع السعودية يبدو غير واقعي، ويبقى مرهوناً بسرعة تقدّم مفاوضات فيينا، ورفع العقوبات عن إيران، وإمكانية ممارسة طهران ضغوطاً حقيقية على حليفها الحوثي في اليمن، للتجاوب مع مساعي تهدئة الصراع، ما يعني في المحصلة نجاحاً إيرانياً جديداً في توظيف ورقة ضغط فعّالة على صانع القرار السعودي.
يتعلق العامل الثالث المؤثّر على انحياز الرياض نحو “التهدئة الإقليمية” بالاعتبارات السعودية الداخلية؛ إذ ربما تكون تصريحات بن سلمان “الإيجابية” عن إيران والحوثيين من طبيعة “تكيفية/ مؤقتة”، تهدف إلى تخفيف الضغوط الخارجية، وإعادة تركيز الأنظار على إنجازات رؤية 2030، ومشروعاتها المختلفة، على الرغم من الإخفاق في إنهاء الاعتماد على النفط، والذي كان من المقرّر أن يتحقق في عام 2020، ناهيك عن فرض ضرائب جديدة في السعودية، وإيقاف كثير من أوجه دعم الدولة للمواطنين، وارتفاع معدّلات البطالة قبل جائحة كورونا وبعدها.

يتوقف حدوث “تحولات جذرية” في السياسات السعودية الإقليمية، ومن بينها الانحياز إلى “تهدئة إقليمية/ تسويات شاملة”، على عاملين؛ اتضاح المحصلة النهائية لسياسات إدارة بايدن في الشرق الأوسط، ومدى قدرتها على حل التعقيدات في تداخل الملفات والصراعات الإقليمية، سيما التي تنخرط فيها إيران في العراق واليمن. و”التجاوب السعودي” مع كل من باكستان وتركيا وتعزيز التعاون الاقتصادي معهما، كما تكشف عنه زيارة رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، السعودية، واتفاق البلدين على إنشاء مجلسٍ للتنسيق الأعلى بينهما. وزيارة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، المملكة بعد إبداء أنقرة رغبتها في تحسين العلاقات مع الرياض، عبر تصريح المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، بشأن احترام بلاده قرارات المحكمة السعودية في قضية اغتيال خاشقجي، فضلاً عن اتصال الرئيس إردوغان بالعاهل السعودي في 4 مايو/ أيار الجاري، واتفاقهما على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين البلدين.
يبقى القول إن “التهدئة الإقليمية” بين السعودية وإيران، وتعزيز مسار المصالحة الخليجية، والانفتاح السعودي على العراق، وكذا التقارب التركي المصري، سيكون لها جميعاً انعكاسات إيجابية على دول الشرق الأوسط، وقد تفتح أبواب حواراتٍ ووساطاتٍ إقليمية لتوفير حلول ومخارج إقليمية للصراعات في اليمن وليبيا، سيما إذا لم تنجح سياسات إدارة بايدن في هذه المهمة الصعبة، بسبب انشغالاتها بمواجهة تداعيات جائحة كورونا داخلياً، والتصدّي للمنافسيْن، الصيني والروسي، خارجياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى