السلطة الفلسطينية منصّة مواجهةٍ مع الاحتلال
سمير الزبن

مع “صفقة القرن” التي تُعطي الإسرائيليين كل ما يريدون، وتقدم للفلسطينيين استسلاماً مهيناً، يعود السؤال التقليدي، ليطرح نفسه: ما العمل؟
تظهر الصفقة كأنها أخذت الفلسطينيين على حين غرّة. الوضع الفلسطيني مهلهل منقسم على نفسه، حائر، ليس لديه مشروع مستقبلي، أو خطاب سياسي يقدّم للعالم حول حقوقهم، عالق بين سلطة في الضفة الغربية، أسيرة اتفاقات أوسلو والتنسيق الأمني، بوصفها سلطة حكم ذاتي كما أقرّها أوسلو. وسلطة غزة المحاصرة مع وضع اقتصادي واجتماعي صعب، تفرض سلطةً قمعية على قطاع غزة وحائرة خياراتها. سلطتان انشغلتا بخلافاتهما الداخلية أكثر مما اشتغلتا بمقاومة الاحتلال خلال السنوات العشر الأخيرة. وأوضاع الشتات الفلسطيني في غاية الصعوبة. والعالم العربي حدّث ولا حرج، من حالةٍ من التفكك والصراع والثورات التي تعاني الأمرّيْن مع سلطاتٍ استبدادية، لا تذهب قبل أن تدمّر بلدانها التي خرّبتها على مدى عقود سابقة. يبدو كل شيء يعمل ضد الفلسطينيين، ولصالح الصفقة التي يحتفل بها رئيس وزراء إسرائيل، نتنياهو، بوصفها نصرا عظيما.
باختصار، ما تريد صفقة ترامب ــ نتنياهو قوله إنه ليس هناك احتلال في فلسطين، وأنها أرض إسرائيل الكبرى، وجد فلسطينيون عليها مصادفةً، وستتكرم عليهم إسرائيل بالسماح لهم بأن يبنوا  ما تسمّى دولة على كانتوناتهم المقطّعة في الضفة الغربية، في المناطق التي لا تريد إسرائيل أن تتحمّل مسؤولية سكانها. إنه الكرم الإسرائيلي في أقصى حالاته. على الرغم من هذه الكوارث في الصفقة التي لن تجد فلسطينيا، لو كان جاسوساً، قادراً على التعامل معها وليس الموافقة عليها، فإن نتنياهو يعتبرها أساسا للتفاوض وليس للتنفيذ. بمعنى آخر، المشكلة تعود إلى الاحتلال، وهنا جوهر المشكلة التي لم تستطع الصفقة الهروب منها، بأن ذلك كله، وعلى الرغم من كل الانحياز في الصفقة لإسرائيل، مطلوبٌ من الفلسطينيين الاعتراف بيهودية الدولة وعلى كل المناطق المحدّدة في الخريطة المرفقة بالصفقة، أي المطلوب تشريع الاحتلال بموافقة الفلسطينيين.
معركة الفلسطينيين في الأمس واليوم وغداً، العنوان واضح وضوح الشمس، إنه: الاحتلال. هل إدارة ترامب (لا أقول الولايات المتحدة) هي التي تحدّد الطبيعة الصراعية القائمة في الأراضي الفلسطينية؟ وهل هي المفتي القانوني لشرعية المستوطنات أو عدم شرعيتها؟ وهل هي المرجعية في تشريع ضم القدس؟ هل هي من يحدّد عائدية الجولان إلى إسرائيل؟ بالتأكيد، العالم ليس الولايات المتحدة، والولايات المتحدة ليست إدارة ترامب.
واحدة من الأشياء التي فعلتها “صفقة القرن” أنها وحّدت المواقف الفلسطينية على كل الطيف الفلسطيني المتصارع. وهذا ما يمكن البناء عليه فلسطينياً، ليس لمواجهة الصفقة، ولكن لمواجهة الأساس المكوّن للصراع الذي هو الاحتلال. النجاح في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي هو الطريق الوحيد ليس لمواجهة “صفقة القرن” فحسب، بل والوصول إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة أيضاً، مثل كل شعوب هذا الكوكب.
بالتأكيد، الشعوب هي من تخوض معاركها في مواجهة الاحتلال، والقوى السياسية العاملة هي التي تدير هذه المعركة، أو هي التي تُحبطها. الظروف القائمة، على صعوبتها، هي الفرصة الفلسطينية لإعادة الأوضاع إلى نصابها الصحيح، احتلال وشعب يرزح تحت الاحتلال. وهذا ما يحتاج إلى تحويل السلطة الفلسطينية إلى منصّة مواجهة مع الاحتلال، ليس بمعنى التهديد بحل السلطة، وتسليم المفاتيح للاحتلال، فهذه طريقة ساذجة في إدارة الصراع. لتأخذ السلطة مكانها الطبيعي بالنسبة لشعبها الذي يتعرّض لهجمة شرسة. ويحصل ذلك بتنفيذ السياسات التي تقطع مع الاحتلال، والتي تتلاءم وتنسجم مع حقوق الفلسطينيين الوطنية التي يجري انتهاكها بوقاحةٍ مهينة، ليس للقانون الدولي وللحقوق الفلسطينية فحسب، بل مهينة لكل عقل بشري يحمل الحد الأدنى من قيم الحق والعدالة أيضاً. أول ما تستطيع أن تقوم به السلطة، هو إنهاء التنسيق الأمني الذي يحمي الاحتلال فعلياً، ويقف سدّاً في وجه المقاومة. وإذا كان هذا مقبولاً في زمن وعد السلام، فقد انتهى هذا الوضع، والمعركة مع الاحتلال يجب أن تصبح مفتوحة، هي معركة الجميع، والسلطة في مقدمتها.
هل هذا يمكن أن يؤدي إلى هدم السلطة الوطنية الفلسطينية؟ نعم يمكن، فإسرائيل لن تُبقي عليها،  في حال رأت أن وجود السلطة يتناقض مع مصالحها. ولكن في جميع الحالات، يبقى هذا الخيار أفضل من الخياريْن الآخرين: بقاء التنسيق الأمني وتسليم مفاتيح السلطة إلى إسرائيل.
نعم، اليوم، يمكن تحويل السلطة إلى سلطة مقاومة، على الرغم من كل الخراب الذي شهدته الساحة الفلسطينية. ليس هذا خيارا انتحاريا، كما يمكن أن يرى بعضهم، لأن الخيار الانتحاري فلسطينياً هو الحفاظ على السلطة في الوقت الذي تشرعن إسرائيل كل نهبها الاستعماري أمام عيون الجميع من دون أن تكون هناك مقاومة، بعد أن انهارت استراتيجية السلام التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية في العقدين الآخرين. كما أنها فرصة تاريخية، تدفع الجميع إلى الوحدة، خلف سياسة المواجهة مع الاحتلال، وإعادة الأمور إلى موقعها الحقيقي في الصراع بين احتلال ومحتلّ. وهذا الأساس المكون للصراع أصبح غائماً، لأن السلطة، في سنوات عمرها، أعطت انطباعاً خادعاً، ليس للوضع الدولي، بل وحتى للوضع الداخلي الفلسطيني، أن الاحتلال قد انحسر، لكنه في الواقع ما زال قابعاً وازداد خطراً عن المرحلة التي كان فيها مباشراً.
تحويل السلطة إلى منصّة مقاومة خيار فلسطيني ممكن، على الرغم من كل الصعوبات التي تكتنفه، إنها فرصة تاريخية، لإعادة الاعتبار للمقاومة وللمشروع الوطني الفلسطيني. وعلى الرغم من الخراب الذي عاشته، ما زالت الساحة الفلسطينية تملك القدرات والطاقات التي يمكن أن تحوّل المواجهة مع الاحتلال إلى كابوس دائم لإسرائيل. هل تستطيع السلطة ذلك؟ نعم تستطيع، لكن هذا ما يحتاج إرادة فلسطينية افتقدناها في السنوات الأخيرة.
إنه وقت الاختبار التاريخي للقيادة الفلسطينية. هل تملك الإرادة للقول: لا لتبديد الحقوق الفلسطينية، ولا للاحتلال؟ وإذا كان هذا هو خيار القيادة الفلسطينية، سيلتحق الجميع بها، عن قناعة أم رغماً عنهم.
إنها ساعة التحول التاريخي، إنها ساعة القرار، فهل تكون القيادة الفلسطينية على مستوى التحدّي هذه المرة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق