السودان: صون حدود البلاد وسرقة وقتل العباد

السياسي – نشرت قيادة الشرطة في السودان بيانا استباقيا يشرح الطريقة التي ستواجه بها المسيرات الشعبية المقررة 30 يونيو بما سمّته «القوة المدنية» التي ستقتصر على عبوات الغاز المسيل للدموع وعصا الجنب و«الكلبشات» وعربات الدفع المائي، وهو ما يذكر بالتصريحات التي قالها رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، لقناة «الحرة» الأمريكية، قبل فترة قصيرة حول أن قوات الأمن لا تحمل الأسلحة ولا تطارد المتظاهرين، وأن أولئك المحتجين هم من ينتهكون السلمية.

لم تكن احتجاجات نهار أمس الخميس قد انتهت بعد حين أكدت وكالات الأنباء مقتل 7 متظاهرين وهو ما رفع عدد القتلى منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي إلى 109، وهؤلاء جميعا لم يقتلوا بالتأكيد بالدفع المائي والغاز المسيل للدموع والقيود الحديدية والعصيّ الجانبية لأن قوات الأمن السودانية على أنواعها تستخدم، في صد المتظاهرين السلميين، الطلقات ذات المقذوف المتناثر، والأسلحة البيضاء، والبنادق الآلية الرشاشة وحتى الأسلحة المضادة للطيران.

إضافة إلى ذكر أدوات المواجهة المزعومة، فقد طلبت السلطات العسكرية الأمنية المساعدة من وزير العدل والنائب العام، وهو يذكر بما فعلته وزارة الداخلية السودانية عام 2019 حين استخدمت نائبا عاما ورئيس قضاة، وطلبت «المشورة القانونية» قبل ارتكابها مجزرة «القيادة العامة».

الغرض من كل ذلك، تمويه كبار القادة العسكريين على مسؤوليتهم المباشرة عن المقتلة المستمرة التي يتعرض لها المحتجون السودانيون، عبر ادعاء «قانونية» القتل، وإذا لم يكف هذا الغطاء، وسخرت المنظومة الدولية من اتهام المحتجين بـ«انتهاك السلمية» و«اعتدائهم» على «ممتلكات الدولة»، فيمكن رمي الملامة على قادة الأجهزة الأمنية، الذين زودوا بتعليمات محددة من العسكر لكنهم لم يلتزموا بها.

كشفت الأحداث التي حصلت مؤخرا على الحدود مع أثيوبيا أن القضايا المذكورة آنفا ليست هي اللعبة الوحيدة في جعبة العسكر، فالأغلب أن المقصود من التصعيد العسكري الذي استبق «مليونية 30 يونيو» هو توجيه الأنظار إلى عدو خارجي بحيث يضعف الاحتجاجات الداخلية، وإذا لم يلجأ العسكر إلى الحيلة المعتادة لاتهام المعارضين بخدمة الأعداء الخارجيين، فإنهم سيساوون بين الخطرين، ويجعلون الحفاظ على كرسيّ السلطة مطلبا وطنيا!

ينكشف تهافت هذه الحيلة القديمة بتذكر أن صيانة الحدود لا ينفصل عن صيانة أمن ورفاه وحياة المواطنين، فلا يستقيم الدفاع عن الحدود مع البطش السافر بأهل البلاد، كما يفعل الاحتلال الأجنبي، وبالتكالب على السلطة، ومنع الشعب السوداني من تحديد خياراته الديمقراطية في من يحكمونه، ومن يدافعون عن حدوده.

يكشف «مركز دراسات الدفاع المتقدمة» جانبا آخر لهذا التناقض الكبير، بالقول إن تكتلا احتكاريا قمعيا من الجهات الفاعلة التابعة للنظام، وعلى رأسها الجيش، يسعون عبر استخدام سيطرتهم على الاقتصاد، إلى إثراء أعضاء هذا «النادي الداخلي» والنأي بهم عن المساءلة، وكان هدف الانقلاب العسكري، حسب هذه الدراسة، هو الحفاظ على هذه الطغمة العسكرية المتحكمة بالاقتصاد والدفاع عن ثرواتها ضد أي محاسبة.

موضوع ما يحصل في السودان إذن هو أن طغمة عسكرية هدفها سرقة المال العام، ونهب المواطنين، تقوم بالحفاظ على الحكم الأمني العسكري لمنع مساءلتها، وبالتالي فإن من يقتل ويسرق أهل البلاد ليس هو المؤهل للدفاع عن سيادتها وأرضها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى