السودان: عراقيل أمام تحويلات المغتربين رغم الإصلاحات

السياسي – منذ انفصال جنوب السودان في العام 2011 وخروج عائدات النفط من الموازنة العامة، يواجه السودان أزمةً اقتصادية طاحنة عجز عن الخروج منها حتى الآن، لا سيما أن خروج عائدات النفط من الموازنة جفف خزينة البنك المركزي من احتياطي النقد الأجنبي، باعتبار أن الاقتصاد كان يدار فقط على عوائد النفط ولم يهتم بالجوانب الإنتاجية الأخرى لتكون موردا بديلا رغم مناداة البعض بذلك.

وترى الحكومة في تحويلات المغتربين حلا لبعض المشكلات باعتبار أن عجز النقد الأجنبي المطلوب لاستيراد الحاجيات الضرورية يقدر بـ10 مليارات دولار سنويا، وقد ظلت تصدر قائمة من التشجيعات لتجذب بها التحويلات عبر منافذ البنوك لتدخل إلى المنظومة المصرفية.

إلا أن كل الطعوم التي كانت تقدمها الحكومة كانت تجد ما يفسدها ليظل الحال كما هو، لا سيما أن الحكومة تريد من المغتربين تحويل أموالهم بالعُملات الصعبة عبر البنوك ليتم استلامها عبر ذويهم في السودان، لكن البنوك تحسب لهم العملات الصعبة بسعر بنك السودان قبل تحرير سعر الصرف.

وربما ذلك ما دفع الأمين العام السابق لجهاز السودانيين العاملين بالخارج، حاج ماجد سوار، لأن يقول: “لا يوجد شخص عاقل في ظل هذا التفاوت يحول بالنظام المصرفي”، مقرا بوجود إشكالات كبيرة تواجه تحويلات المغتربين، وعزا ذلك إلى اتساع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي والتي تصل لـ60%، وطالب بضرورة وضع سياسات وحوافز تشجع المغتربين على التحويل بالنظام المصرفي.

في هذا الصدد، يقول الاقتصادي محمد الناير إن غالبية تحويلات المغتربين سوف تعود إلى وضعها الطبيعي بعد انتهاء جائحة كورونا رغم أن تحويلاتهم لم ترق لمستوى جديد بعد الإصلاحات الحكومية الأخيرة في ما يتعلق بسعر الصرف.

الإنفاق داخلي والادخار خارجي

مع ذلك، فإن معظم التحويلات تصرف على الطعام والشراب والسكن والعلاج والنفقات العادية من دون ادخار، رغم أن التحويلات تُقدر بما بين 5 و8 مليارات دولار سنويا، إلا أن جُلها يستخدم كمدخرات في الخارج لشراء عقارات وشقق سكنية.

ويرى الناير أن تحويلات السودانيين بالخارج إذا دخلت إلى البلاد عبر الطرق الرسمية ربما تعالج العجز في الميزان التجاري الذي يقدر بحوالي 5 مليارات دولار، وطبيعي أن ينسحب ذلك على ردم عجز ميزان المدفوعات.

ويؤكد أن حالة السودان استثناء، نسبةً لوجود سوق موازية نشطة وعدم وجود ثقة من المغتربين أنفسهم بالنظام المصرفي الذي تكتنفه تعقيدات كثيرة.

وإضافة إلى تقديم حوافز مجزية حتى تستلم الناس قيمة التحويل من البنوك، لا بد، برأيه، من حزمة جيدة خلافا لما ساد سابقا، إذ لا يزال المغترب يشعر أحيانا بأن حقوقه منتقصة، مثلما حدث من سحب امتياز إدخال السيارة ما أدى إلى وقفات احتجاجية، وهذه ربما تؤثر سلبا في التحويلات مستقبلا.

ويشير الناير إلى الأثر الذي تركته جائحة كورونا على التحويلات، لكنه يتوقع أن تعود إلى وضعها الطبيعي، فالتحويلات لم تتجاوز في الفترة السابقة 200 مليون دولار نزولا من 5 مليارات كانت تشير إليها التقديرات.

حوافز حكومية مطلوبة

وقال: “لهذا نأمل من الحكومة أن تكون لها القدرة على جذب وتحفيز المغتربين والثقة والعمل على استقرار سعر الصرف، ومن هذا المنطلق لا نتوقع أن تستمر ظاهرة استقرار سعر الصرف طويلا. ربما يعود مرة أُخرى إلى الارتفاع في السوق الموازية، لأن الأسباب التي أدت إلى الاستقرار لم تكن جيدة، بل إن السياسات الجمركية رفعت قيمة الرسوم”.

وتابع: “هذه السياسة أدت إلى إحجام المستوردين وإجراءات معقدة لاستخراج السجل لا تتماشى مع المستثمر الأجنبي أو الوطني، ولذلك أحجم المستوردون ما أدى إلى استقرار نسبي في سعر الصرف، لكنه انعكس سلبا على تأمين السلع الأساسية”.

أما الخبير الاقتصادي الفاتح عثمان فيقول: “تمثل تحويلات السودانيين العاملين في الخارج والمهاجرين 60% تقريبا من جملة مصادر النقد الأجنبي في الأعوام الأربعة السابقة في ظل عدم وجود إحصاءات دقيقة لأن الأموال كانت تحول عبر السوق الموازية بسبب العقوبات الأميركية على النظام المصرفي”.

وشرح قائلا: “حتى بعد رفع العقوبات لا يزال النظام المصرفي غير قادر على التعامل مع النظام المصرفي الدولي بعد التغييب طويل الأمد الذي عانى منه، وهو ما جعله غير مواكب للتغييرات الكبيرة التي حدثت في نظام المقاصة الدولية من تقنيات واشتراطات لأوضاع البنك المالية”.

1.5 مليار دولار في 3 أشهر

وفي ظل غياب الإحصاءات الدقيقة، بلغ مجموع التحويلات من المهاجرين والعاملين في الخارج بعد توحيد سعر الصرف وبدء البنوك في تلقي التحويلات، مليارا و500 مليون دولار في 3 أشهر، بحسب عثمان الذي أردف قائلا إنه “إذا تم قبول ذلك كمؤشر، فإن حجم التحويلات لن يقل عن 6 مليارات دولار في العام، وبذلك يمكن القول إن التحويلات تسد 60% من جملة مصادر النقد الأجنبي في السودان”، لكنه يحذر من أنه ربما يحدث العكس، أي انخفاض التحويلات بسبب انكماش الاقتصاد العالمي.

وخلال السنوات الماضية، لم تنجح المحاولات الرسمية في جذب مدخرات المغتربين وتحويلاتهم رغم الحوافز التي قدمها بنك السودان المركزي خلال العام الماضي وتمثلت في استلام المغترب تحاويله في المصارف المحلية بالعملة التي حولت بها وإقرار سياسة الحافز للمغتربين، ويشكو المغتربون من فرض الحكومة التزامات مالية مباشرة كرسوم تأشيرة الخروج ومتأخرات المساهمة الوطنية ورسوم خدمات الزكاة والضرائب.

وليس جديدا أن تعلن الحكومة سياسة تشجيعية للعاملين في الخارج، ففي يونيو/حزيران 1976، أقرت الحكومة سياسات تمثلت في منح المغتربين 15% من السعر الرسمي للجنيه عند التحويل للداخل مع إعفاء جمركي يبلغ 500 جنيه مرة في العمر ثم تعديل الإعفاء الجمركي ليصبح 700 جنيه.

لكن المختص بالاقتصاد أحمد الشيخ يقول إن تحويلات المغتربين سوف تزداد خلال العام الحالي لعدة أسباب، من بينها أن جهاز تنظيم العاملين بالخارج قدم في مارس/آذار الماضي حوافز للتحويل عبر النظام المصرفي حسب سقف التحويل، تشمل الإعفاء الجمركي للأمتعة الشخصية عند العودة النهائية، وللمعدات المهنية، بسقف يبدأ من 5 آلاف دولار حدا أدنى.

وأشار إلى تراجع تغول السوق الموازية واستحواذها على سوق الصرف كثيراً عقب إجراءات توحيد سعر الصرف بعدما كان يستحوذ على أكثر من 95% من سوق الصرف، ومن المتوقع ارتفاع تحويلات المغتربين إلى نحو 8 مليارات دولارات سنويا من المغتربين الذين يقدر عددهم بنحو 6 ملايين شخص في مختلف أنحاء العالم، معظمهم في دول الخليج العربي.

توحيد سعر الصرف زاد التحويلات

وقال إن توحيد سعر الصرف أدى إلى زيادة تحويلات المغتربين عبر الجهاز المصرفي، باعتبار أن سعر الصرف في البنك أغلى من السوق الموازي بجانب ضمان عدم التزوير أو الغش في العملة المحلية والأجنبية.

وتم تعديل تلك السياسات في العام 1986، وأصبح المغترب يمنح حافزا نقديا 50% من السعر الرسمي بالإضافة إلى 15% التي تدفع عند التحويل للداخل فأصبح الحافز النقدي 65% من السعر الرسمي للجنيه كما يمنح المغترب إعفاء جمركيا في حدود 1500 جنيه و20% مما زاد من المبلغ الذي يستحق عليه الإعفاء.

وبعد إعلان سياسة التحرير الاقتصادي في العام 1997، سمح البنك المركزي بتحويلات المغتربين عن طريق البنوك وشركات الصرافة عبر “الكونتوارات” على أن يتم تسليم قيمة التحويلات الواردة حسب اختيار المستفيد بالعملة المحلية أو الأجنبية إلى أن أقر المركزي تعديلات عليها بالسماح باستلام التحويل بالعملة التي حول بها وإضافة الحوافز عليها.

ووفقا لإحصائية جهاز شؤون العاملين بالخارج، فإن عدد السودانيين المسجلين رسميا في الخارج يُقدر بحوالى 5 ملايين سوداني في مختلف دول العالم، إلا أن إحصاء غير رسمي يرى أن عددهم يفوق 10 ملايين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى