السودان فكرة البلد الذي يستعيد حياته
فاروق يوسف

من خلال اتفاقية السلام مع حركات الكفاح المسلح أثبت السودانيون أنهم قادرون على التفكير بطريقة صحيحة في ما يتعلق بمستقبل بلادهم.

هذه بلاد عرضها زعماؤها الانقلابيون للعذاب.

فما يعني أن تكون السودان في لائحة الدول الراعية للإرهاب؟ تلك جريمة ارتكبها حاكم طائش لكي تكون السودان بعدها ضحية لعقوبات لم يكن هناك من أمل في نهايتها.

أن يتجه السودانيون نحو السلام الداخلي فإن ذلك هو القرار الوحيد الذي من شأنه أن ينهي عصر عمر البشير الذي تميز بنزعته نحو تغييب الآخرين واعلان الحرب عليهم. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه يقدم سودانا أخرى إلى العالم. وهي دولة ترغب في أن تكون عضوا صالحا في المجتمع الدولي.

منذ تسعينات القرن الماضي والسودان يئن تحت وطأة عقوبات اقتصادية ليس في قدرته أن يصمد أمامها. ولم يكن في إمكان التنظيمات الارهابية التي كان احتضانها سببا في فرض تلك العقوبات قادرة على أن تقدم له ما يمكن أن ينقذه ولو جزئيا.

ما فعلته الخرطوم عام 1998 يشبه ما فعلته كابول عام 2001 غير أن حجم الجريمة كان أصغر بالرغم من أن المجرم المشتبه به كان نفسه.

لم تسلم السودان الارهابيين الذين كانوا يقيمون على أراضيها ويحظون برعايتها. كانت كل الادلة المرتبطة بجريمة تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نايروبي ودار السلام تشير إليهم. غير أن الخرطوم أغمضت عينيها عن العدالة الإنسانية وفضلت الانصات الى هذيانات مسعورة عن الحرب المقدسة.

لو أنها فعلت العكس وأنصتت لصوت العقل وتعاملت مع الأمر بموجب القوانين الدولية لكانت حمت البشرية من شرور ارهاب قادم سيكون أكثر خطورة على الوجود البشري. ولكنها لم تفعل. فحق بها أن يترسخ اسمها في لائحة الدول الراعية للارهاب فتعزل وتتحول مع الوقت إلى ما يشبه الدولة.

كان الحكم بعزل السودان عن المجتمع الدولي قاسيا لكن الأقسى منه أن يستمر عمر البشير في الحكم بالرغم من صدور قرار من المحكمة الجنائية الدولية بالقاء القبض عليه باعتباره مجرم حرب.

لقد وهبت العزلة النظام الحاكم فرصا كثيرة لارتكاب جرائم في حق مختلف فئات الشعب السوداني. وهو ما أشاع روح الانتقام والثأر لدى التنظيمات المعارضة التي سلحت نفسها لترد على الحرب بحرب ما كان من الممكن أن تنتهي بمجرد سقوط نظام عمر البشير.

كان البشير واجهة لعدو أكبر منه. وهو العدو الذي يمكن ان يراوغ ويتلون من أجل أن يعيد تنظيم صفوفه بعد القبض على البشير والاستعداد لتسليمه إلى الجنائية الدولية.

لذلك كان ضروريا أن تعلن الحكومة الانتقالية عن فصل الدين عن السياسة ومنع تيارات الإسلام السياسي من المشاركة في الحياة السياسية من أجل أن تنال ثقة الآخرين الذين لا يزالون سجيني لغة الحرب.

كانت الحرب قد تمكنت من العقول والقلوب بحيث صار من الصعب أن يتوقع السوداني أن يكون حكومه دعاة سلام.

في حقيقة ما فعلته الحكومة الانتقالية في وقت قياسي أنها أنهت الحرب الأهلية وسعت إلى إعادة السودان إلى حضن المجتمع الدولي.

كان الإعلان عن اتفاقية السلام بمثابة واجهة لتحولات خطيرة سيشهدها السودان على مستوى علاقاته الخارجية وبالأخص في ما يتعلق بعلاقته بالولايات المتحدة التي لن تفرض شوطا عليه كما يُقال بل ستجعله يتصرف في سياق القانون الدولي ومنطق التحولات التي تشهدها المنطقة.

السودان الذي هو ضحية حكامه وفي مقدمتهم عمر البشير لن يجد حرجا في تطبيع علاقاته الدولية. ففي مرحلة الانتقال من دولة راعية للإرهاب إلى دولة طبيعية لابد أن تكون هناك أفكار لإعادة صنع صورة السودان الجديد وهي صورة تمزج آمال شعبه بالحرية والمساواة والعدل بمكانة دولية يستحقها السودان بسبب موقعه الجغرافي وثرواته وتنوع ثقافاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى