السوريون يبيعون أعضاءهم من أجل الهجرة

السياسي- وكالات

لقد أصبح أمراً اعتيادياً أن يعود ويطرح الأمر نفسه في وسائل الإعلام ثم سرعان ما يختفي منها. الأسماء مختلفة، المدن مختلفة، لكن الظاهرة نفسها: شباب سوريون وكبار في السن يبيعون أعضاءهم من أجل إعالة عائلاتهم. قال شاب سوري في محادثة مع موقع “عنب بلدي” السوري بأنه قرر بيع كليته لأنه لم يبق لديه ما يبيعه. القانون السوري يمنع بيع الأعضاء ويسمح فقط بالتبرع بها لأبناء العائلة. شاب كهذا ألقت قوات الأمن القبض عليه وأحضر أمام القاضي. ولكن القاضي الذي استمع لقصته قرر إطلاق سراحه بذريعة أن ليس لديه ما يعتاش منه: “لم يبق أمامه سوى بيع كليته”.

في الشبكات الاجتماعية وحتى على ألواح الإعلانات وأعمدة الكهرباء في سوريا، يمكن أن تجد إعلانات يعرض فيها المواطنون التبرع بأعضائهم. ولكن من الواضح للجميع أنهم ينوون بيعها. تجار الأعضاء يعثرون على هذه الإعلانات ويتوجهون إلى المتبرع بالعروض. الأسعار بين 10 – 20 ألف دولار للكلية، بضعة آلاف للقرنية، ونحو 10 آلاف دولار لنصف الكبد.

يدور الحديث عن صناعة مكشوفة تقريباً. يتم فصل الأعضاء في عيادات خاصة، وحتى في بيوت خاصة، ويتم نقلها على الفور إلى وكلاء في تركيا ومن هناك إلى زبائن في دول أوروبا ودول الخليج. عدد من “المتبرعين” يفعلون ذلك لتجنيد المال للهجرة من سوريا. وآخرون يفعلون ذلك للتهرب من الخدمة العسكرية. القانون في سوريا لا يسمح بتجنيد شخص بكلية واحدة، لكن مؤخراً صدر تعديل بحسبه من لم يخدم الخدمة العسكرية لا يسمح له بالتبرع، حتى لو تعلق الأمر بتبرعه لأحد أبناء العائلة.

أغلبية المتبرعين، الذين لا يعرف عددهم، يتبرعون بسبب الضائقة الاقتصادية. الحل الجزئي للضائقة، الذي كان متاحاً إلى ما قبل ثلاث سنوات، وهو الهجرة إلى دول أوروبا أو تركيا، لم يعد ذا صلة مثلما كان في السابق. بعد اتفاق اللاجئين الذي تم توقيعه بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي في العام 2016، تمنع تركيا انتقال اللاجئين من أراضيها إلى أوروبا. من يملك المال الذي يسمح له بالخروج إلى لبنان، ويدفع للوسطاء الذين سينقلونه إلى قبرص أو إلى اليونان، يمكنه حتى الآن استغلال هذا المسار الضيق، الذي هو أيضاً آخذ في الضيق.

بولندا في أعقاب الدانمارك

في دول “الأحلام”، ألمانيا والدانمارك والسويد وهولندا، بدأت الحكومات في تحريك عملية عودة آلاف اللاجئين إلى وطنهم. الدانمارك في مقدمة هذه الدول. وبدءاً من الصيف الماضي، بدأت في منع تجديد تأشيرات الإقامة لـ 189 ألف لاجئ. في الشهر الماضي أوضحت الدانمارك بأنها تنوي الاستمرار في هذه السياسة لأن -حسب رأيها- أجزاء في سوريا أصبحت آمنة للسكن ولم يعد هناك سبب لمواصلة استضافة لاجئين. وزيرة الهجرة والاستيعاب السابقة، انغر ستويبيرغ (التي تم عزلها من وظيفتها على خلفية الاشتباه بإساءة استخدام صلاحياتها) صرحت بلهجة متشددة أكثر عندما كتبت في صفحتها في فيسبوك: “أيها الشباب الأعزاء، لقد أعطوكم فرصة للتعليم المجاني ليكون لديكم شيء ما يمكنكم أن تبنوا عليه حياتكم في سوريا. لقد أعطيناكم هذه الفرصة رغم أننا كنا نعرف بأنهم سيغضبون منا بسبب ما ننوي فعله الآن… من انتهت تأشيرة إقامته فعليه حزم أمتعته والعودة إلى سوريا والقول شكراً للدانمارك على الفرصة التي منحتنا إياها”.

أقوال الوزيرة السابقة تمثل السياسة الحالية في الدانمارك. والغضب فعلاً كبير. قبل نحو أسبوعين تجمع نحو ألف لاجئ ومواطن من الدانمارك أمام مبنى البرلمان في كونبهاغن بهدف التظاهر ضد سياسة الإعادة. كان رد الدولة أن مثلما عاد الـ 140 ألف لاجئ من دول استضافتهم أوروبا إلى سوريا، هكذا يمكن أيضاً أن يفعل الباقون، الذين لم يحصلوا بعد على تأشيرة مكوث أو مواطنة.

ويتوقع أن تتبع هولندا سياسة مشابهة للدانمارك. يعيش في هولندا نحو 90 ألف لاجئ سوري لم يجتازوا بعد اختبار الاستيعاب أو لم يمكثوا في الدولة أكثر من خمس سنوات، وهي الفترة التي تمكنهم من مواصلة المكوث كمواطنين.

مشكلة الدانمارك وهولندا ودول أخرى هي أن عودة اللاجئين تحتاج إلى التنسيق مع الطرف السوري. إضافة إلى ذلك، عودة اللاجئين تمنح بشار الأسد خاتم الشرعية الذي يصادق على أن الوضع في سوريا قد استقر ولم تعد هناك حرب ولم يعد هناك أي خطر على حياة العائدين. باستثناء حالات خاصة يمكن فيها للاجئين العائدين الإثبات بأنهم سيعاقبون إذا عادوا إلى وطنهم.

من ناحية سوريا، يدور الحديث عن جيل ضائع، وربما جيلين. ولكن إذا بدأت عملية إعادة إعمار سوريا حينئذ يمكن أن يكونوا هؤلاء اللاجئون الرافعة الاقتصادية التي قد تنقذ سوريا من الدمار. من أجل ذلك، يحتاج الأمر إلى تجند دولي كبير يقوم بضخ مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنى التحتية، وإقامة مصانع وبناء مئات آلاف الوحدات السكنية. بدون ذلك، سيواصل اللاجئون الاعتماد على خدمات المساعدات الدولية وعلى الصدقات التي تعطيهم إياها الدول المضيفة، التي أصبحت تظهر علامات التعب ونفاد الصبر.

هآرتس/ ذي مارك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى