السياسة بين الغاية والوسيلة
ياسين أقطاي

يهدف العمل السياسي في نظر أصحاب النيات الحسنة إلى خدمة الشعب والعمل ما أمكن على تحسين البلد أو العالم. وربما بسبب هذه النظرة المحترمة يتعرض العمل السياسي لاستغلال من قبل أولئك الذين يستخدمونه كأداة وخطاب مضلّل يخفي وراءه أسوأ النيات.

تبدو السياسة في الظاهر حلمًا وطموحًا، لكنها على الأرض حرب تكسير عظام بين المتنافسين، وعلاقة ولاء وبراء أو صداقة وعداوة، وبناء على ذلك يقوم السياسي بنصب الفخاخ للعدو ورميه بالأكاذيب والافتراءات، بينما يتصرف مع الصديق بمحسوبية ومسامحة تخالف مفهوم الإنصاف والعدالة.

ومع الوقت يتحول هذا السلوك إلى وضع طبيعي، وبدلًا من أن تجعل السياسة منك إنسانًا تهوي بك إلى الدرك الأسفل من اللاإنسانية.

لا تقتصر بالطبع السياسة على هذا الإطار، فهي مجال واسع يتحكم به الإنسان ويوجهه كيف يريد، وهي أداة يمكن أن يستخدمها الإنسان إما لإعمار الأرض وإصلاحها، وإما لإفسادها وخرابها.

لكن للسياسة معنى آخر بالتأكيد بالنسبة للإنسان المسلم، فهو لا يمكن أن يكون إمعة في ميدان السياسة يفعل كما يفعل الآخرون.

لا يوجد “عدو مطلق” على وجه الأرض بالنسبة للإنسان المسلم. والسياسة بالنسبة للإنسان المسلم تعني تمنّي الخير لكل الناس، وإن “العدالة” هي ترجمان هذا التمنّي. وحتى مع من يعتبر نفسه عدوًا، على المسلم ألا يسعى لتدميره بل لإصلاحه ومؤاخاته.
السعادة للبشرية

إن المسلم لا يتمنى الخير والسعادة للمسلمين فحسب، بل لجميع البشرية في هذا العالم. وهذا هو الفرق الذي يميز المسلم عن غيره في ميدان السياسة، لكن بالطبع مع وجود حالة من التيقظ بعيدة عن الانبطاح أمام العداوة والحقد والكراهية ضد المسلمين في العالم.

لا شك أن هناك العديد من الخيارات والطرق والأبعاد التي تجعل السياسيّ المسلم مختلفًا عن غيره، وأهمها هو “عدم طلب أجرة/منفعة/مصلحة”، وعلى جميع من دخل عالم السياسة بمشاعره الإسلامية أن يسائل نفسه ويحاسبها في هذا الإطار: ما نوع الأجرة أو المصلحة أو الامتياز الذي يريده ويسعى إليه في هذا العالم الذي يريد تغييره؟ وأعتقد أن هذا الجانب هو معيار الثقة التي يتمتع بها السياسي المسلم مقارنة بغيره.

يمكننا القول بأن السياسيين الذين دخلوا عالم السياسة بمشاعرهم الإسلامية وقطعوا مسافة في ذلك، نجحوا من خلال الفرق الذي تميزوا به عن منافسيهم ضمن هذا الإطار.

 

يمكن أن ينظر الآخرون لجميع الطرق على أنها متاحة ومشروعة من أجل تحقيق أهدافهم، أما الإنسان المسلم فلا يمكنه التعامل بهذا الشكل. فهو لا يفرق بين الطريق والهدف، بين الغاية والوسيلة، بل يعتبر الطريق جزءًا من الهدف، والوسيلة جزءًا من الغاية، فيسير على طريق مستقيم نحو هدفه.

أفضل مثال

في عصرنا الحديث يمكن أن ننظر للمفكر والزعيم المسلم علي عزت بيغوفيتش، كأفضل مثال يجسد السياسة الإسلامية بكل حكمة وجدارة، حتى في أحلك الأيام وأصعبها وأبعدها عن النصر، وحين الحديث عن المعركة العصية التي خاضها كان يقول إن “الهزيمة لا تعني أن يغلبك العدو أو يقتلك، بل أن تصبح مثل العدو ولو كنت منتصرًا”.

ولذلك كان يرفض بشكل قاطع أن يعامل أعداءه بنفس الطريقة الوحشية التي كانوا يعاملون بها البوسنيين المسلمين. وحينما كان يعترض عليها أحد ويطلب منه الرد على العدو بالطريقة ذاتها، كان يرد بجواب يجب أن يكون حلقة في أذن أجيالنا المسلمة: “لا يمكن أن نتخذ من أعدائنا معلّمين”.

يُهزم المسلمون حينما يقلدون أعداءهم، قاعدة واضحة لا لبس فيها.

إن من يفرق بين الطريق والهدف، سرعان ما ينشغل بالطريق المنحرف الذي سلكه فينسى الهدف والغاية ويضعهما وراء ظهره، هكذا جرت العادة. ولا داعي للبحث عن سبب ذلك في مكان آخر، بل إن انفصال الطريق عن الهدف يفسر ويحكي كل شيء بنفسه. وحينما يحدث هذا الانفصام يتغير رفيق الطريق أيضًا، ويتغير الهدف ليوافق رفقاء الدرب الجدد.

عالمنا بالطبع ليس مكانًا يمكن إنشاء جنة فيه، بل هو مجال للاختبار فحسب. لكن حين توضع أول خطوة على الطريق القويم ضمن هذا الاختبار، يتحرك الإنسان في انسياب نحو الهدف ويحس بذلك فيعمل بمقتضاه.
الحياة الإسلامية ليست حياة يمكن أن تتأخر بسبب مبادئها وقيمها أو “سنّتها”، بل هي حياة يمكن تطبيقها بمجرد وضع أول خطوة فيها لتتجسد واقعًا بكل ما تحويه من تفاصيل دقيقة.

ربما لا نحتاج سوى لمعرفة ما لا يسعنا الجهل به، نحتاج للعلم والعمل بهذا العلم.

*ياسين أقطاي أكاديمي، وسياسي، وكاتب تركي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى