السياسة والسيادة في الجزائر من سلطة الايدولوجيا إلى سطوة المال
بشير عمري

الآن وبعد أن مرت البلاد من منطق السلطة الفعلية (قيادة الأركان) إلى منطق سلطة الأمر الواقع (رئاسة ناقصة شرعية شعبية) أخذ البعض يتساءل عن طبيعة وطليعة المهمة التي سيتصدى لها الرئيس الجديد عبد المجيد تبون لحلحلة الأزمة المعقدة والمركبة بشكل غاية في التعقيد، بسبب الميوعة التي آلت إليها الدولة وساقت معها المجتمع إليها ، حتى ارتبط الإخفاق السياسي بالأخلاقي، بالمالي، بالقضائي وغدا من الصعب على أي ممن أدعوا امتلاكهم وصفة العلاج مجرد تفكيك خطوط وخيوط المشهد المتأزم فما بلك بتقديم الحلول وووسائل ومعاول العلاج.
المتسائلون عن نوايا وثويا الرئيس الحالي في سعيه للإسراع ببدء محاولة إنقاذ الجزائر من السقوط المتوقع في السنتين القادمتين في قاع الإفلاس وما قد ينجم عنه من اضطرابات اجتماعية وأمنية كبيرة، يبتغون بتساؤلهم ذلك معرفة ما إذا كان عبد المجيد تبون الذي صرح قبل الانتخابات بأنه يملك جزء من الحل بل ويضمنه للشعب وهو ما يتعلق بالاشكالية المالية حين أقر بمعرفته أين هي الأموال التي نهبتها “العصابة” أي مسئولو الدولة ممن يقبعون في السجن ومن عمل معهم من رجال المال، سيعمل على إعادة رسم المسار السياسي الذي آل إلى الخطيئة مذ أبت المؤسسة العسكرية تسليم الحكم للشعب في ربيعه الخالد 08 أكتوبر 1988 وما تلاه من أحقاب الاستبداد والاستعباد وذلك بفصل كما وعد المال عن السياسة؟ أم أنه سيكتفي بترشيد العلاقة الكامنة بين الطرفين والحيلولة دون أن يطغى أحدهما على الآخر طالما أن المال تسلل إلى كل مفاصل الدولة والمجتمع واستشرى فساده بشكل رسطاني يصعب معه تخيل القدرة على تحييده بشكل كلي على الأقل على المدى المنظور؟
وقود الانحراف
لفهم واقع الحال الذي قد يقودنا لاستشراف مستقبل الجزائر تحت رئاسة تبون يتوجب علينا العودة إلى أصول التحول أو الانحراف الكبير للدولة والمجتمع طيلة سنوات ما بعد المشروع الانقلابي لإنقاذ الجمهورية من المشروع الإسلامي للإنقاذ ! شتاء 1992 حيث بدأت عملية تحييد السياسة كوسيلة تنافس بين مشاريع المجتمع التي كانت تقترحها مختلف التيارات السياسية من خلال الإغراق السلبي للساحة بالحزيبات الفطرية مع تثبيت جهازين رئيسين بالتزوير المدور التدوير المزور للعملية الانتخابية والأمر يتعلق بجبهة التحرير الوطني ذي الشعبية المفقودة منذ ما قبل التعددية السياسية، والتجمع الديمقراطي الوطني المختلق داخل أقبية المخابرات وكان في كل مرة يلحق بهذين القطبين تابع أو تابل إسلامي لتزيين الطبخة الانتخابية مع الحرص على تدوير ذلك بالشكل الذي يلهي هؤلاء الإسلاميين في التنافس والصراع في ما بينهم وداخل أطرهم الحزبية الواحدة ما قد يفيد أيضا في عملية تفخيخها بفتنة المصلحة الشخصية والاستوزار من ثم تفكيكها أو تفجريها، وهو ما حصل حقا عبر السنوات الثلاثين الماضية من عمر التعددية، فبعد استعمال حمس في مقاربتها الشهيرة المتعلقة بالمشاركة في الحكم، تم توظيف حركة الإصلاح التي كان على رأسها جاب الله الذي صرح فرحا بعد إعلان نتائج تشريعيات 2002 أن حزبه (الإصلاح آنذاك) بات القوة الإسلامية الأولى، قبل أن يُفجر أمنيا من الداخل، ها هو اليوم الدور يمنح لحركة البناء التي يترأسها المرشح السابق للانتخابات الرئاسية عبد القادر بن قرينة !
هكذا كان حال التعددية السياسية من خلال فاعلية البرنامج (logiciel ) الذي أستحدثه نظام انقلاب 12 جانفي 1992 لتمضي وقفه العملية السياسية بشكل متكرر أشبه ما يكون بالنسق الاليكتروني أول لنقل بمكانيزم الساعة، كان يحتاج فقط إلى طاقة تضمن سيرورته وصيرورته و في ظل غياب أو تغييب الطاقة الطبيعية والتي هي الوقود السياسي، كما كان عليه الشأن سنوات التحول الأولى إلى التعددية (1989/1992) سيبرز وقود المال وأي مال !

الاحتراب بالأحزاب والايدولوجيا
لقد استغل رجالات النظام حالة الاحتراب الإيديولوجي الكبيرة في الساحة التعددية الفتية بين كل التيارات، الإسلامية والعلمانية، الاشتراكية واللبرالية، القومية والوطنية.. لتبرير الحاجة إلى ضرورة نزع الادلجة من العمل السياسي بما سيمكنه فيما فبعد من ملء الفراغ الذي كان سينجم عن ذلك النزع.
في الفيلم الكوميدي الشهير الذي جسد إرادة السلطة في تجاوز المعني الفكري والإيديولوجي للسياسة التي كشفت عنها التعددية الفتية وجعل مرتكزها هو المادة والبرامج التنموية غير ذات الارتباط بالتصور الكلي لمشروع المجتمع يقول في مطلع دال منه بطل الفيلم سي مخلوف لمبومباردي لأعضاء المجلس البلدي (لازم نعبد الطرق، نوفر الحافلات، نربط البيوت بالكهرباء في حين أنتم تحدثونني عن مشاريع وهمية وكتب مستوردة وإبداعات واختراعات غير واقعية وغير قابلة الانجاز. فأرجوكم دعونا من هذا الكلام الفارغ).
كان واضحا الغرض من ذلك المقطع ولا سيما من إيراد، على لسان بطله سي مخلوف(عثمان عريوات) عبارة (دعونا من الكلام الفارغ) لوصف الحالة السجالية الايدولوجيا التي رسمت ملامح المشهد التعدي الأول، وهو دعوة للتخلص من كل ما هو حزبي وسياسي وتعبئة الشعب حول مشروع اللا حزبية واللا سياسة والتركيز على ما هو متعلق بالحياة اليومية التي تفرزها الأزمة مع عدم السعي لفهم طبيعة الأزمة وتركيبها.
من هنا تم استبدال الفاعل السياسي بالفاعل المالي عبر ضخ الساحة بالعديد من المؤسسات الخاصة مستحدثة من طرف أشخاص وشخصيات مقربة من دوائر القرار السياسي والمالي بالبلاد، وفجأة طفت على السطح أسماء لا جذور لها ولا حضور في تاريخ البورجوازية الجزائرية المتواضعة، وراح الناس يسمعون في فترة وجيزة من الزمن 1992/1999 عن مليارديرات أصاحبها ينحدرون من طبقات اجتماعية دونيا !
وظفت تلك البورجوازية على نطاقين نطاق نفعي خاص، أي ما يتعلق بالمرابحة فيما بين أصحاب القرار السياسي والاقتصادي بالبلد وتلك الأسماء البرجوازية المصطنعة، ونطاق سياسي يتصل بصراعات النخب الحاكمة بواسطة أذرعها المالية تلك وأيضا بتسهيل تمرير المشاريع السياسية من عمليات ترشيح والانتخاب من يريده النظام أن يترشح وينجح في الانتخابات من عدمه.

الاحتراب بالبرجوازية الهجينة

وهكذا فبعد أن عشنا سياسة بلا مال وجدنا بإزاء ظاهرة عكسية ومنقلب أخر أخطر من سابقه، وهو مال بلا سياسة أي من دون مشروع سياسي يقدم كبديل عن السياسية والتعددية في الفكر والتصور الذي كانت تطرحه مختلف التيارات والتوجهات بعد المصادقة الشعبية على دستور 1989 وما أقره من تعددية وحرية في التواجد السياسي المستقل عن رؤية الدولة.
فجل أصحاب المال ممن استعملوا من طرف عصابة النظام التي حكمت بالقرار المالي والسياسي عبر مختلف أجهزة الدولة الأمنية الاقتصادية، السيادية وهيكلها البيروقراطي الضخم، كانوا منفكين عن الحقل والعقل السياسيين بسبب مستوياتهم الثقافية واهتماماتهم المتواضعة، فكانوا بذلك أدنى من أن يتحولوا إلى بديل سياسي وفكري يسد حاجة المجتمع الما فوق مادية، فانتحرت الأخلاق وانطفأت جدوى الوطنية ومعناها الما فوق المادي الذي كان على رأس اهتمام الأحزاب عشية الانتقال الديمقراطي الحقيقي سنة 1989 وبدأ عصر الفساد فساد وزاد مع قدوم بوتفليقة بنزعته الإمبراطورية وجموحه الليبرالي وحسابه المدسوس في نفسه ضد الشعب الذي لم يسانده لاستخلاف بومدين سنة 1979.
الفتك بالسياسية قرب المال من السلطة التي استحالت إلى غاية سهلة المنال لا تحاج لا إلى كفاءة علمية ولا سمعة مهنة ولا صيت مجتمعي نقي، فغز الرعاع والرعاة والعراة وعُرة الشعب على بساط المال الفاسد كل المواقع والمؤسسات المنتخبة ما سمح “للعاصبة” من تمرير كل قوانينها التي تخدم مصالحا ومصالح أداتها الاوليغارشية المصطنعة في ظلمة الحرب الأهلية سنوات التسعينيات.
من هنا تتضح خلاصات المعادلة السياسية التي أوقعت الجزائر في حالي ويلِها وحالك وقتها الذي ما تكاد تخرج منه حتى تنجرف إلى قاعه مجددا، وهي ديمقراطية الفساد التي استقامت على تفاصيل وفصول كبيرة من الشذوذ التاريخي عن تجارب الأمم الأخرى في التطور السياسي والاقتصادي جسدها مال بلا سياسة (بلا مشروع وطني) زائد سياسة بلا مال (غير خالق للثروة) فاختنق المجتمع واختلطت موازينه واختلت توازناته فانهار الجميع كرة واحدة مع أول موجة من قوة الحراك الشعبي الدافعة في 22 فبراير الماضي.
وفي ظل هذه من الحالة إذن، من التشابك والتعقيد يستحيل تعقل وتأمل قدرة الرئيس الحالي على اقتراح حل للازمة عمرها وثقلها تجاوزا قدرة الخيال على الفهم، وبذلك سيغدو أكثر من لزام أن تتحرر العدالة بشكل حقيقي وكامل بالموازاة مع قرب تحرر معها السياسة، فتكشف الأولى حقيقة ما حصل من تدمير، وعلى ضوئه تنتج الثانية ما يتوجب أن يحصل عبر رؤى صريحة صحيحة غير مرغُّبة بمال ولا مرهبة باعتقال كما عن عليه الحال في زمن سيطرة تحالف السياسة بالمال، لكن إذا كان ممكنا توقع تتحرر السياسة لاستمدادها طاقة تجددها من الحراك الشعبي، فكيف يمكن توقع تحرر العدالة في ظل عدم انقضاء أو تقاضي رجالات النظام السابق الذين لا يزالون، ضد المنطق الثوري الذي تعيشه البلاد يحكمون إلى اليوم هاته البلاد !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق