السينما الأميركية 2019: انخفاض الإيرادات وسيطرة “نتفليكس”

السياسي-وكالات

لم يكن عاماً جيداً للسينما الأميركية إجمالاً. فرغم الحدث التاريخي، المتمثّل بتحقيق Avengers: Endgame لأنتوني وجو روسّو أعلى الإيرادات في تاريخ السينما، وهو ملياران و797 مليوناً و800 ألف و564 دولاراً أميركياً، متجاوزاً الرقم السابق الذي حصل عليه “أفاتار” (2009) لجيمس كاميرون، وهو ملياران و743 مليوناً و856 ألفاً و300 دولار أميركي، والرقم هذا صمد 10 أعوام متتالية، إلّا أنّ باقي أرقام العام من حيث حجم الإنتاج والإيرادات ومستوى الأفلام نفسها شهد تراجعاً ضخماً للغاية عن العام الماضي.

فعشية انتهاء عام 2019، عُرض 890 فيلماً في الصالات السينمائية، مقابل 993 عام 2018، حقّقت إيرادات بلغت 10 مليارات و544 مليون دولار أميركي، مقابل 11 ملياراً و890 مليون دولار أميركي عام 2018.

ما سبب هذا التراجع، الفني والمالي؟

بلغت سينما “الأبطال الخارقين” ذروتها مع نجاح “آفنجرز” الأخوين روسّو، الذي تُحضّر له شركة “مارفل” منذ عام 2008، بإنتاج أول جزء من السلسلة. مع ذلك، يتوقّع نقّاد كثيرون أنْ تشهد إيرادات أفلام “كوميكس” تراجعاً في الأعوام القليلة المقبلة. فإلى الانخفاض المؤكّد في عائدات أفلام “مارفل”، بعد نهاية ذروة “نهاية اللعبة”، التي شهدت انسحاب أبطال المرحلة الأولى شديدي الشعبية، كـ”الرجل الحديدي” و”كابتن أميركا” و”هَالْك” وغيرهم، فإنّ الإيرادات الأخرى خلال عام 2019 تُعبّر عن سأم نسبي للجمهور من الأعمال الضخمة المعروضة له، وهي ـ كما في الأعوام الأخيرة ـ أفلام سلاسل وأجزاء وإعادة إنتاج كلاسيكيات ناجحة.

صحيح أن لائحة الأفلام الـ10 الأكثر إيرادات تضمّ 8 أفلام من هذا النوع، إضافة إلى “جوكر” لتود فيليبس، الذي يُعتبر جزءاً من عالم “باتمان” و”دي سي”، وUs لغوردن بيلي، الذي سيكون الفيلم الوحيد ذي الفكرة الأصلية. في المقابل، هناك انخفاض كبير في متوسّط الإيرادات عن الأعوام الأخيرة، وليس عن عام 2018 فقط.

كذلك يتزايد عدد الأفلام التي تتعرّض لفشل جماهيري مروّع وغير متوقع، أهمها في عام 2019: “ترميناتور: مصير الظلام (دارك فايت)” لتيم ميلّر، و”جيميني مان” لآنغ لي، و”غودزيلّا: ملك الوحوش” لمايكل دوغرتي، و”ملائكة تشارلي” لإليزابيت بانكس، و”رجال بالأسود: أنترناشيونال” لأف. غاري غراي، إلى جانب أفلام حقّقت أقلّ من المطلوب، كـ”شازِم” و”الخبيثة: ملكة الشرّ” (Maleficient: Mistress Of Evil) ليواكين رونينغ.

هذا كلّه مؤشّر على زيادة الانخفاض لاحقاً، خصوصاً مع التأثير المتزايد لشبكات المُشاهدة عبر “إنترنت”.

في مقابل ميل الاستديوهات الكبرى إلى نوع محدّد من الأفلام الضخمة، وعدم قابليتها حالياً للمخاطرة، فإنّ شبكات العرض التلفزيونية، وأهمّها “نتفليكس”، تُعتبر ملجأ آمناً للمخرجين لتنفيذ مشاريعهم. فمع عدم حماسة أي استديو للمشاركة في إنجاز “الأيرلنديّ” لمارتن سكورسيزي، فإنّ “نتفليكس” منحت المخرج 160 مليون دولار أميركي لتحقيقه وفقاً لرؤيته الخاصّة. الأمر نفسه ينطبق على نواه باومباخ وستيفن سودربيرغ، وهما من أهم المخرجين في هوليوود حالياً ممن تعاملوا مع “نتفليكس” خلال عام 2019، إلى جانب مخرجين آخرين.

نتيجة هذا تتمثّل بانخفاض عدد الأفلام المعروضة في الصالات السينمائية، وبكون غالبية الإنتاجات المهمّة التي خرجت من أميركا هذا العام أنتجتها “نتفليكس”، علماً أنّها شاركت في مهرجانات عالمية، واختيرت للتنافس على جوائز “غولدن غلوب”، ويُنتظر حضورها في “أوسكار 2020″ بكثافة، كـ”الأيرلندي” و”قصة زواج” لباومباخ و”البابَوان” لفرناندو ميريليس و”اسمي دوليميت” لكريغ برووير. أفلام كهذه عُرضت مباشرة على التلفزيون.

لم يعد رقم مليار دولار أميركي كإيرادات دولية رقماً استثنائياً في سينما اليوم. فرقم كهذا حقّقته 8 أفلام معروضة خلال عام 2019. لكن الاستثناء أنْ يُحقّقه فيلم مُصنَّف R (غير مسموح للأطفال والمراهقين بمشاهدته)، والأكثر ندرة أنْ ينجح الفيلم نقدياً، وأنْ يُتوّج بالجائزة الأولى (الأسد الذهبي) في أحد أهم 3 مهرجانات في العالم، “مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي”، في دورته الـ76 (28 أغسطس/ آب ـ 7 سبتمبر/ أيلول 2019). الاستثناء المذكور هو فيلم “جوكر”.

ما يجعل “جوكر” ظاهرة عام 2019 ليس فقط كونه الأنجح والأكثر إثارة للنقاش والجدل، فالأهم كامنٌ في احتمال تأثيره على نظرة الاستديوهات للأفلام في الأعوام المقبلة. فبعد رفض شركتي “دي سي” و”وارنر براذرز” تخصيص ميزانية أعلى من 55 مليون دولار أميركي لإنتاج فيلمٍ واحد، فإنّ النجاح الكبير لـ”جوكر” سيدفع الشركات والاستديوهات إلى المراهنة على مشاريع أخرى أجرأ، محاولة على الأقلّ إعادة تقديم حكايات مألوفة بمنظور سينمائي جديد ومختلف، طالما أنّ الجمهور يُقبِل عليها ويستقبلها بحفاوة.

إجمالاً، يُعبّر عام 2019 السينمائي، بشكل صارخ، عن لحظةٍ تعيشها السينما الأميركية: أفلامٍ تجارية محدودة الطموح الفني، والتلاعب في المضامين، وشبكات العرض، وأشكال جديدة للإنتاج تدخل الساحة، وتغيير المعادلات، ومنح المخرجين مساحة حرية أكبر لتنفيذ أعمالهم. أما الجمهور، فيبدو أنّه بدأ ـ بعد 10 أعوام ـ يسأم بوضوح من سيطرة “الأبطال الخارقين” و”الأجزاء التالية” و”إعادة الإنتاج (Remake)”.

بين هذا كلّه، تبدو اللحظة ملائمة لنهاية عقدِ وبداية آخر، إذْ تتغيّر ثوابت سينمائية ببطء، وتتشكّل ملامح أخرى، تعبّر عن مزاج عام مختلف، إنْ بالنسبة إلى نوع الأفلام، أو على مستوى وسائل العرض وآلياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى