الشيخ جراح: موجة جديدة من الانتفاضات العربية؟
شادي لويس كاتب وباحث مصري

هل يصح لنا أن ننسب احتجاجات الشيخ جراح إلى موجة ثالثة من الربيع العربي؟ أم أن الموجة الثانية التي قاطعها الوباء، لم تنتهِ بعد حتى يبدأ غيرها؟ ولماذا نحتاج في الأساس إلى تلك المرجعية؟ أليس للاحتجاجات الفلسطينية دوراتها المستقلة، السابقة على الربيع العربي بعقود، بل والملهِمة له؟ لا تخلو الاستعارات “الموجية” من اختزال يسعى إلى فرض بنية مبسطة للتقسيم التاريخي، أو علاقة عضوية بين الأحداث، علاقة خطية تتقدم نحو الأمام. فالموجة في جزء منها، منتج لإلحاح أيديولوجي استهلاكي، يسعى إلى إنتاج موجات جديدة من كل شيء، من البضائع والموضات والنظريات، حتى الحركات الاحتجاجية.

إلا أن البلاغة الفارغة للموجة، وللرمزيات السياسية لفصول السنة، لا ينبغي أن تصدنا عن فحص العلاقة بين احتجاجات القدس وبين انتفاضات شهدتها الجزائر والسودان وقبلهما لبنان. فحص غير معني بفصل الأصل عن الفروع، أو بتحديد أواصر النسب، بل بالتشابهات والتماثلات الظرفية والمتعلقة بالسياق. تذكرنا احتجاجات الشيخ جراح بالانتفاضة الثانية، فشرارة الانطلاق من القدس، والشعور الفلسطيني العام بانغلاق الأفق، هي عوامل مشتركة بين الإثنين بلا شك. والانتفاضة الثانية امتداد للأولى بأشكال الكثيرة، الصِّلة الجامعة بينهما تكمن على الأقل في ذاكرة مشتركة عابرة للسنين، ومتجاوزة للتقسيمات التي فرضتها إسرائيل على الفلسطينيين، في الداخل والشتات، وبين داخل وداخل آخر. إلا أن تلك الصِّلة، على متانتها، تحمل قطيعتها داخلها. فعبر عقدين منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، تغير الواقع الفلسطيني بشكل جذري، الفصل شبه النهائي بين الضفة وغزة أصبح أمراً واقعاً كانقسام القيادة الفلسطينية، ترسيخ التعاون الأمني مع السلطة في رام الله، وفي المقابل تأكيد وضع القطاع كمعسكر ضخم للعقاب.

بالقدر نفسه، شهدت المنطقة بأكملها تحولات عميقة، لا حاجة إلى إعادة سردها. وفي العام الأخير، قادت سلسلة من عمليات التطبيع الرسمية مع إسرائيل، إلى تحول غير مسبوق في الخطاب العربي تجاه القضية الفلسطينية. فإلقاء اللوم على القيادات الفلسطينية وتشويه الفلسطينيين عموماً، لطالما كانت أدوات تكتيكية وظّفتها الأنظمة العربية لمواءمة المزاج الشعبي مع تحولات سياساتها الخارجية. إلا أن الخطابات التطبيعية الأخيرة تذهب أبعد من هذا، بنبذ القضية إجمالاً ونفي عدالتها، لا مجرد الاكتفاء بلوم أصحابها.

تأتي احتجاجات الشيخ جراح في هذا السياق المغاير، وكعرض مركّب له، كاشفة عن الخصائص التي تتشاركها مع الانتفاضات العربية. فغياب القيادة السياسية، ولامركزية الحراك أو تعدد مراكزه المحلية، ليس مجرد علامة على العفوية. فالقيادة الفلسطينية حاضرة في الحقيقة وحضورها ثقيل في ظل الانقسام، إلا أن الاحتجاجات تتحرك بمعزل عنها، بل وربما على الرغم منها وضدها، ولو بشكل ضمني. ومن اللافت للنظر في هذا الخصوص، هو الدور المتزايد التي يلعبه فلسطينيو الداخل في الاحتجاجات الأخيرة، والفئات العمرية الأصغر سناً منهم على وجه التحديد. الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي في الحشد والتنظيم والتوثيق والدعاية وتدوير الرسائل، يؤكد على الدور الجوهري للصورة وللرقمي وللشبكي، وكذا تكشف عن حدود هذا كله وهشاشته، كما حدث في الانتفاضات العربية القريبة. ومع أن الوسائل الرقمية أثبتت فاعليتها الرمزية، فإن الترويج السياسي يشهد رقابة غير مسبوقة من قِبَل المنصات الرقمية. أما الانتصارات المحققة عبرها، فتظل في معظمها معنوية وتكتيكية ومؤقتة. ففي ظل الاختلال الهائل في ميزان القوى، لا يمكن تمني أكثر من هذا. وبالتبعية، تصدت إسرائيل للضغط، باللعب على عامل الوقت، في تذكير بعودة الأنظمة العربية من بوابة الثورات المضادة بعد امتصاصها للانتفاضات الجماهيرية.

وثمة سبب آخر لتضمين الشيخ جراح في سياقها الاحتجاجي العربي. فتجاوز التقسيمات الفاصلة بين الفلسطينيين، جاء مصحوباً بتواصل مع جمهور إقليمي أوسع، هو في معظمه جمهور الانتفاضات العربية. لا يأتي هذا التواصل عبر وسائل الإعلام، كما في الماضي، أو من خلال الحكومات العربية أو الأحزاب السياسية المعارضة، بل بتواصل مباشر، جماعي وفردي، عابر للحدود، داخل الوطن العربي وفي المهجر، عبر شبكة من العلاقات الافتراضية التي تطورت في معظمها خلال عقد الانتفاضات العربية. لا يعني هذا حكماً بالنجاح أو الفشل، ولا توقعاً للمآلات، بل ببساطة هو إقرار بأن الثورات التي هزت منطقتنا قبل عشرة أعوام، لم يُغلَق بابها بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى