الصدر ينتصر على الحرس الثوري في العراق: لا شرقية ولا غربية
حسن فحص

هل يمكن القول إنّ مقتدى الصدر قد فعلها؟ وحقّق الهدف الذي وضعه؟ واستطاع أن يحصل على الكتلة الكبرى في البرلمان الجديد؟ وأن يسيطر على المشهد الانتخابي؟ الأمر الذي يجعله ينفرد باختيار رئيس الوزراء المقبل؟ ويتحكّم باختيار الفريق الوزاري؟

تحدّث الصدر وفريقه قبل الانتخابات عن كتلة من 100 نائب في البرلمان الجديد. إلا أنّ مخرجات صناديق الاقتراع أعطته 73 مقعداً، أي أقلّ من الهدف المرصود. وعلى الرغم من ذلك، وضعته النتيجة على رأس القوى الشيعية، التي تقدّم عليها بشكل واضح. وعلى الأقلّ استطاع أن يرفع حصّته البرلمانية بواقع 20 مقعداً مقارنةً بما كانت عليه في البرلمان السابق.

جاء تحرّك المالكي بعد خطاب الصدر المرتفع اللهجة، الذي وضع فيه رؤيته للمرحلة المقبلة، واستهدف الجزء الأكبر من القوى التي جمعها المالكي تحت مظلّته، وتلك التي تدور في الفلك الإيراني، من خلال حديثه عن “توحيد السلاح بيد الدولة” و”محاربة الميليشيات” و”السلاح المتفلّت

ما حقّقه الصدر جاء تحت عنوان واضح ومباشر هو: “الكتلة الصدرية” خالصة غير مشوبة بأيّ تحالف مع أيٍّ من الأحزاب والقوى الأخرى، بعكس ما حدث عام 2018 عندما تحالف مع الحزب الشيوعي. سمح له هذا الواقع بأن يعلن بكلّ ثقة انتصار تيّاره وفريقه السياسي في وجه كلّ القوى والأحزاب والفصائل السياسية والعسكرية من داخل المكوّن الشيعي، خصوصاً تلك القوى المحسوبة على المحور الإيراني.

هذه النتائج، التي حصل عليها التيار الصدري، تضعه أمام تحدٍّ واضح ودقيق يتعلّق بآليّة إدارة المرحلة المقبلة، خصوصاً ما يتعلّق بالعمل على تشكيل تحالفات متشعّبة تشمل مروحتها كلّ الطيف العراقي، بدءاً بالمكوّنين السنّيّ والكردي، وصولاً إلى تدعيم صفوفه من داخل المكوّن الشيعي.

وقد دفع التحدّي، الذي نتج عمّا حقّقه التيار الصدري، الفريق الآخر من المكوّن الشيعي إلى التداعي إلى سلسلة لقاءات وحوارات لتدارس آليّات التصدّي للطموحات الصدرية التي من المتوقّع أن تكون على حسابهم ودورهم وموقعهم في الواقع السياسي. وهو تحرُّك قاده رئيس الوزراء الأسبق زعيم ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي، الذي استطاع أن يحقّق مفاجأة أخرى، إلى جانب مفاجأة الصدر، بحصوله على نحو 37 مقعداً، رافعاً حصّته على حساب حصّة الكتل والتحالفات الشيعية الأخرى، معلناً تشكيل تحالف على طريق تحقيق الكتلة الكبرى، بمشاركة كلّ من تحالف الفتح (14 نائباً)، وكتلة عزم (15 نائباً) بقيادة خميس الخنجر، وكتلة الأقلّيات الدينية (5 نواب) بقيادة ريان الكلداني، وحقوق (نائب واحد) بقيادة حسين مؤنس، واقتدار (نائب واحد) بقيادة محمد شياع السوداني، بمجموع أصوات وصل إلى 73 مقعداً أو صوتاً. وكشف هذا الائتلاف عن وجود تفاهمات مع قوى شيعية أخرى وسنّيّة وكرديّة، وأنّه سيشرع في إعداد ورقة تفاوضيّة، وسيعمل على تشكيل الكتلة الكبرى.

جاء تحرّك المالكي بعد خطاب الصدر المرتفع اللهجة، الذي وضع فيه رؤيته للمرحلة المقبلة، واستهدف الجزء الأكبر من القوى التي جمعها المالكي تحت مظلّته، وتلك التي تدور في الفلك الإيراني، من خلال حديثه عن “توحيد السلاح بيد الدولة” و”محاربة الميليشيات” و”السلاح المتفلّت، حتى لو كان هذا السلاح تحت عنوان مقاومة|.

وحاول الصدر في كلامه أن يوجّه رسائل باتجاه القوى السياسية من مختلف المكوّنات المذهبية والقومية، التي استطاعت دخول الندوة البرلمانية، مستبعداً منها المالكي وائتلافه. فخاطب القواعد الشعبية لحزب الدعوة بوصفهم “أبناء أبي جعفر – محمد باقر الصدر”. وحاول استعادة التحالفات التي أنتجت الحكومة المؤقتة، خاصة من داخل المكوّن الشيعي، مثل هادي العامري وتحالف الفتح، بالإضافة إلى مغازلة أبناء المكوّن السنّيّ بوصفهم “أبناء أبي حنيفة”، ومحاولة استيعاب الانتكاسة القاسية التي لحقت بتيار الحكمة بقيادة عمّار الحكيم، والتوجّه إليه بـ”أبناء عبد العزيز البدري”. ولم يستثنِ الصدر في خطابه قوى تشرين والعلمانيين والمدنيين الذين كانوا مفاجأة هذه الانتخابات بحصولهم مجتمعين على أكثر من 20 مقعداً، ومن المرجّح أن يشكّلوا مع جزء من المستقلّين كتلة معارضة خارج الاستقطابات القائمة. ولم يستبعد الصدر من رؤيته القوى العشائرية، التي تُعتبر أحد روافد قوّة المالكي، بأن وعد بمنحها دوراً في حماية الدولة.

ونتجت مسارعة الصدر إلى عقد مؤتمر صحافي، قبل إعلان المفوضية المستقلّة للانتخابات النتائج، عن مخاوف من تغيير النتائج وأعداد مقاعد الكتل على حساب تفوّق التيار الصدري، خصوصاً بعد تواتر معلومات عن وصول قائد قوة القدس في حرس الثورة الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني إلى بغداد بعد انتهاء الاقتراع وبدء اتّضاح النتائج، وعقده لقاءات موسّعة مع القوى العراقية القريبة أو المحسوبة على المحور الإيراني. لهذا السبب كان كلامه واضحاً في رفض تدخّل السفارات في الشأن الداخلي العراقي وتشكيل الحكومة، مهدّداً بتحرّك دبلوماسي أو شعبي للتصدّي لهذا التدخّل، مؤكّداً أنّ الحكومة التي يسعى إلى تشكيلها ستكون “لا شرقية ولا غربية”، في إشارة إلى إيران الجارة الشرقية للعراق، وفي محاولة لإرضاء القوى المعارضة لأيّ دور للسعوديّة بوصفها الجارة الغربية.

هذا الانقسام العمودي داخل المكوّن الشيعي، والتقارب الشديد في إمكانيّة استقطاب الكتل والتحالفات الأخرى لدى كل طرف لتكوين كتلة تضمّ أكثر من 165 صوتاً، تسمح له بتسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، يدفعان كلّ طرف من الطرفين إلى تركيز جهوده على عقد تفاهمات مع المكوّن الكردي الذي سيتحوّل بمختلف أطيافه إلى “المرجِّح” الذي يعزِّز ويحسم مشروع أيٍّ من هذين الطرفين.

قد يكون الغموض هو الميزة التي ستسيطر على العملية السياسية وإنتاج الحكومة الجديدة، بسبب الغموض الذي يلفّ مستقبل التحالفات وحجم الضغوط الداخلية والتدخّلات الخارجية والإقليمية، التي قد تضع التيار الصدري، الذي راهن هذه المرّة بكلّ ما يملك غير مستثنٍ اسم عائلة الصدر الذي اختاره اسماً للكتلة الصدرية، في حالة دفاعٍ عمّا يعتبره حقّاً دستورياً وشعبياً وسياسياً، وهو الأقدر على تحريك الشارع الشعبي إلى حدّ التلويح بالسلاح في مواجهة مَن يسعى إلى حرمانه هذا الحقّ.

أمّا الطرف الآخر فلم يتردّد في الاستجابة للاستفزاز الذي صدر عن الصدر في حديثه عن الميليشيات والفصائل التي تدّعي المقاومة، وعن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، فاعتبر أنّ هذا الكلام يستهدفه، ولذا أعلن موقفاً حادّاً حمل ما يشبه التهديد بالمواجهة العسكرية مع أيّ طرف يستهدف وجوده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى