الصراع اليهودي اليهودي في الكيان واقتتالهم قائم

ما يزيد عن السبعين عاما مرّت على إقامة الكيان الصهيوني، وما زال يفتقد إلى الوحدة الاندماجية المجتمعية، فاليهود منقسمون بين الغربيين الأشكناز (السوبر) واليهود الشرقيين السفارديم (درجة ثانية) أما الفئة الثالثة فهم الفلاشا الذين يحتلون قاع السلّم الاجتماعي.
وكل هذه الفئات تنقسم إلى شرائح، فالأشكناز ينقسمون إلى يهود أمريكا ودول أورروبا الغربية، لهم الأفضلية بالنسبة للقادمين من دول أوروبا الشرقية (الدول الاشتراكية سابقا). الفلاشا يشكلون مادة للخلاف اليهودي ـ اليهودي، فالأوساط الدينية القومية المتطرفة لا تعتبرهم يهودا أنقياء. والسؤال الذي لم يجر حلّه منذ تشكيل الحركة الصهيونية حتى اللحظه: هو تعريف من هو اليهودي؟ ولا يبدو أنه سيحلّ على المدى القريب المنظور.
في إسرائيل، وكما هو معروف، فإن العنصرية الأساسية موجهة ضد العرب الفلسطينيين بشكل أساسي، لكنها ممارسة أيضا ممن يسمونهم «ذوي الياقات البيضاء» ويقصدون بهم الأشكناز، ضد اليهود الشرقيين، ومن قبل كلّ هؤلاء ضد الفلاشا المضطَهدين دوما. نعم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي (في عهد الرئيس جعفر النميري، الذي قبض ملايين الدولارات لتهجيرهم)، تم نُقل عشرات الآلاف من الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل، ومنذ بدء سكنهم في البلد الجديد، وهم يشكون مما يصفونه بـ»التمييز والعنصرية» ضدهم.
لقد شهدت إسرائيل في يوليو/تموز الماضي أعنف احتجاجات للفلاشا (سمّيت بالانتفاضة) ضد إسرائيل، فاستمرت التظاهرات والاعتصامات لآلاف من اليهود الإثيوبيين مدة أسبوعين، عقب مقتل شاب إسرائيلي من أصول إثيوبية على يد شرطي خارج الخدمة، وقد جاب المحتجون الغاضبون كافة المناطق، وھم یرددون الھتافات الداعمة لفلسطین باللغات العربیة والعبریة والإنكلیزیة، مثل: الله أكبر وفلسطین حرة، وأشعلوا الإطارات في وجه قوات الاحتلال، التي قتلت بدمٍ بارد ثلاثة شبان إثیوبیین خلال عامین، كان آخرھم سلومون تاكا (18 عاماً) في شمال مدینة حیفا الساحلیة، و11 شاباً آخرین منذ عام 1997 وفق صحیفة «معاریف» على خلفیة لون بشرتھم فقط، الذي یمنع الاندماج الكامل في الشارع الإسرائیلي. من جانبه، فإن بنيامين نتنياهو آنذاك، وفي اجتماع عقده مع أعضاء حكومته، أقرّ فیه باستخدام القوة العسكریة ضد المحتجین، الذین طالما تم إدراجھم في آخر سلم الحراك الاجتماعي من السفاردیم الإسرائیلیین المنبوذین، بوصفھم قادمین من الدول العربیة، على الرغم من عدم انتمائھم إلیھم، وهو ما یمنع الاندماج الكامل في الشارع الإسرائیلي. في إسرائيل في العادة، فإن يهود كل إثنية محددة يفضلون السكن متجاورين في حيّ واحد، وغالبا ما يكون الأشكنازية متجاورين، كذلك السفارديم، وفي كل حيّ هناك لجنة سكنية مسؤولة تحدد الموافقة السكنية، أو عدمها للساكن الجديد، وغالبا ما يرفض سكن الإثيوبي في أحياء الإثنيات الأخرى. أيضا لطالما رُفض سكن الكثيرين من العرب في الأحياء اليهودية عموماً.
إن مراكمة مثل هذه الأوضاع ستعمل على تصدع حدود التفكك للنسیج المكون للشارع الإسرائيلي، رغم حرص الحكومات الإسرائيليةعلى بثّ الشحنات الدینیة والقومیة في صفوف المتشككين في مستقبل إسرائيل، عبر كتابة المقالات وتنظیم اللقاءات المحفزة، لخطاب المزاعم التاریخیة المزيفة بالعودة إلى أرض المیعاد، والداعیة إلى المحافظة على تماسك النسیج المجتمعي في الداخل الإسرائیلي، فمثلاً أوردت صحیفة «یدیعوت أحرونوت» عبر موقعھا الإلكتروني أثناء احتجاجات الفلاشا، مقالاً للحاخام الإثيوبي شارون شالوم دعا فیه قائلا: أیھا الإخوة، احترسوا من الیأس، لا تحولوا الدولة إلى عدو لنا. حافظوا على التھدئة، واعملوا على حفظ المقدرات والمؤسسات، نائیاً بھا عن اتھامات العنصریة ونھج التمییز.
كل هذه حلول ترقيعية، لن تمحو مطلقاً عنصرية دويلة الكيان الصهيوني، التي تغص بالعنصریة الدینیة والقومیة والعرقیة والجینیة المتعلقة بالجنس واللون. بالفعل، إن احتجاجات الفلاشا أعادت إلى السطح مسألة التصدّعات الاجتماعية الملازمة للشارع الإسرائيلي، بقدر ما برهنت في الوقت نفسه، على أنه لا ينفك واقعاً تحت وطأة كون إسرائيل موطن مهاجرين، ولم يصل بعد إلى درجة من التجانس، تُتيح ضمان انسجام داخلي في الحدّ الموجود في دول نشأت بشكل طبيعي.
هذه الأحداث عكست مدى هشاشة التجانس الإسرائيلي المزعوم وتشرذمه، وأنه على عكس ما يعتقد البعض بأن هناك لحمة وطنية واجتماعية تجمعهم، لكن لا يجمع شتاتهم سوى معاداة العرب والمسلمين فقط، وأنه لولا ذلك لتحولت إسرائيل إلى الحرب الأهلية ما بين الطوائف اليهودية المختلفة. يبدو أن اليهود الإسرائيليين قلقين من الاقتتال الداخلي بين الأطراف السياسية في إسرائيل، مقارنة بقلقهم من الصراع العربي- الصهيوني بحسب استطلاع حديث نشره «معهد الديمقراطية الإسرائيلية». يشيرالاستطلاع إلى انعطافة كبيرة في الرأي العام الإسرائيلي، ويهتم المعهد بمسألة الاقتتال الداخلي في البيت الإسرائيلي منذ نحو 16 سنة، وهذه هي المرة الأولى في عام 2019 التي يتغلب فيها خوف الإسرائيليين اليهود من الحرب الداخلية. نلمس من الاستطلاع تغيّرا في آراء الإسرائيليين اليهود كثيراً بين 2012 و2019، فبحسب الاستطلاع الأخير يعتبر 36% من اليهود أن التوترات بين اليهود المحافظين والليبراليين أكبر مشاكل البلاد، بينما يرى 28% فقط أن المشكلة الأكبر هي التوترات بين الإسرائيليين والعرب. وتظهر الفوارق كبيرةً في الأرقام مقارنة بالاستطلاع الذي أجراه المعهد نفسه عام 2012. ففي ذلك الوقت، رأى 9% فقط من الإسرائيليين اليهود، أن مشكلة البلاد الأكبر تتمثل في الصراع الداخلي بين اليهود، بينما رأى 49% أن التوتر سببه النزاع مع العرب بشكل أساسي. ويقول تمار هيرمان من مركز غوتمان لاستطلاعات الرأي، أن هناك كتلتين تشكلتا داخل إسرائيل ولكل واحدة منها رأي في إمكانية الاقتتال الداخلي الإسرائيلي، خاصة أن الاستطلاع الأخير تمّ إجراؤه بعد عدّة إجراءات قامت بها حكومة بنيامين نتنياهو، وأحدثت انقساماً كبيراً في الرأي العام الإسرائيلي، نذكر منها: إرساء الهوية اليهودية للدولة الإسرائيلية في القوانين. منع بعض المجموعات التي تنتقد معاملة الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين من إلقاء المحاضرات في المدارس. الترويج لمشروع قانون يسمح لمجلس النواب بتخطّي «فيتو» المحكمة العليا»، منع ناشطة أمريكية يهودية ورئيسة إحدى البلديات الباريسية من الدخول إلى إسرائيل، بسبب دعمها للتيار الداعي إلى مقاطعة إسرائيل. من ناحية ثانية، يقول أهلنا في المنطقة المحتلة عام 1948، إن التوترات مع الإسرائيليين اليهود هي التي تسبب الاضطراب الأكبر في البلاد، ورأى أكثر من نصف الذين شاركوا في الاستطلاع، أن الديمقراطية الإسرائيلية في خطر. يذكر أخيراً أن عدد المشاركين في الاستطلاع بلغ 1041 شخصاً.
ما يساعد على الصراع اليهودي ـ اليهودي هو التطرف والأصولية في إسرائيل، فالتعاليم المحرّفة للتوراة تنطلق من الذاتية و»الأنا» المطلقة، والعدوان على كل الآخرين، واحتقارهم للآخرين. ومن فتاواهم (الحاخام كشتئيل): «هذه بلادنا.. بلادنا المقدسة.. الله وعدنا بهذه البلاد وأمرنا بوراثتها… حتى لو لم يكن هناك أحد يهددنا على الإطلاق في كل المنطقة، وجميعهم كانوا يحبون إسرائيل فإن واجب الاحتلال ملقى علينا. من واجبنا احتلال أرض إسرائيل. هذه أرضنا. ثم يتساءل الحاخام: «ولكن ما هي حدود أرض إسرائيل التي تعود لنا؟ ويجيب قائلاً: أرض غزة بالتأكيد هي جزء من أرض إسرائيل، «حتى لو لم يطلقوا حتى اليوم أي صاروخ علينا من منطقة الشمال، فإنه حسب التوراة، نحن ملزمون بأن نحتل على الأقل حتى بيروت… الله يرمز لنا بأنه يجب علينا الوصول إلى هناك. نعم.. هناك ميراث آشر الذي ينتظرنا.. أن أساس هدف الدولة.. أساس قيمة الجيش هو في كونه جيش احتلال. كافة استطلاعات الرأي تبين أن الامتداد الديني الأصولي اليهودي المتطرف في ازدياد، وإحدى استطلاعات الرأي لصحيفة «يديعوت أحرونوت» تتوقع: أن حجم المتطرفين الإسرائيليين في عام 2025 في إسرائيل، سيبلغ 58% من سكانها اليهود. هذه المسألة هي سلاح ذو حدين أحدهما الارتداد سلبا على الداخل الإسرائيلي. الرعب الحقيقي الذي تعيشه إسرائيل حول تساوي عدد الفلسطينيين العرب مع اليهود. بالطبع عُرض التقرير الذي يشمل كل المناطق المحتلة على لجنة الخارجية والأمن في «الكنيست» ففجر زلزالاً لدى المطالبين بضم الضفة الغربية باعتبارها جزءاً من «إسرائيل».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق