الصهيونية والدولة اليهودية والمستقبل

د.شفيق ناظم الغبرا

الصهيونية الزاحفة في فلسطين لم تتغير نسبة للصهيونية القديمة والأولى التي أنشأت دولة إسرائيل عام 1948. فالحركة الصهيونية لم تغير أهدافها منذ رفعت شعار استعمار فلسطين في بدايات القرن العشرين، إنها ذات الحركة التي لم تتزحزح قيد أنملة عن شعار احتلال فلسطين كاملة. في بدايات القرن العشرين كان احتلال فلسطين مجرد فكرة في عقل هرتزل المؤسس وحفنة من الصهاينة. لقد التزمت الصهيونية بتحويل اليهودية لقومية تتداخل مع مشروع الدولة، فكان لها تحقيق حلم لا يجيزه الحس الواقعي. لقد أخذت أرضا ووطنا من شعب آخر يعيش حياة طبيعية في مجتمع عربي متكامل الأركان.
وعبر العقود وجدت الصهيونية أنها غير قادرة على وضع حد لمشروع الاحتلال والتوسع، بل قامت عام 1995 بقتل أكثر اليهود الإسرائيليين مرونة واستعدادا للحل الوسط وهو إسحاق رابين رئيس الوزراء. والغريب في مسيرة الصهيونية إنها ايضا عجزت عن تقديم شيء ملموس ومقنع كأساس للحل لأحد أكثر الفلسطينيين مرونة (رئيس السلطة الفلسطينية ابو مازن). الصهيونية اليوم تحتل كل فلسطين، بينما تفصل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض جاعلة القدس في قبضتها، ثم الضفة الغربية تحت الاحتلال، ثم غزة تحت الحصار والتجويع، ثم عرب 1948 تحت قبضة العنصرية والتميز، بينما وضعت الشتات الفلسطيني خارج النطاق وسعت لفصله عن الأرض. لقد وجدت إسرائيل أن الأفضل لها وضع الفلسطينيين وراء جدران عالية وحواجز مانعة تتطلب حراسة دائمة وجيوش وأمن وأسلاك شائكة ووسائل سيطرة. لقد أمعنت إسرائيل في السيطرة على المياه والأرض وحركة السكان. لكن كل هذا سيبقى مؤقتا، ولن يمر بلا موجات جديدة من المقاومة والمواجهة.
والأخطر في تشخيص هذا الوضع المعقد أن الحركة الصهيونية مقتنعة بأنها تقترب من تحقيق نصر نهائي ليس فقط على الفلسطينيين بل على كل العرب، خاصة تجاه دول عربية عدة في منطقة الخليج. «الفتوحات» الإسرائيلية والاعتراف العربي بالهزيمة بلا رد حقيقي جعل إسرائيل تشعر بأنها انتصرت. لكن الصهيونية انتقلت للهجوم، فبدأت تتحكم، من خلال النفوذ الدولي والأمريكي، في الكثير من مفاصل العالم العربي. لم يبق أمام إسرائيل أعداء حقيقيون خاصة بعد تدمير عدة دول عربية. لهذا تستهدف الصهيونية ما تبقى من الأعداء أكانوا في إيران أم تركيا أم في حماس وحزب الله، بل حتى السلطة الفلسطينية الأكثر مهادنة لإسرائيل لازالت بنظر الصهيونية عدو حقيقي لأنها ترمز للوجود الفلسطيني المتبقي على الأرض.
في التطبيق العملي لقد أنهت هذه السياسة الإسرائيلية العملية السلمية، ودمرت فرص الدولة الفلسطينية وأسقطت فكرة حل الدولتين( دولة فلسطينية مقابل دولة إسرائيلية). لقد ابتلعت إسرائيل كل فلسطين وورطت الصهيونية نفسها في إدارة ملايين الفلسطينيين العرب، وهي غير قادرة على إعطائهم حقوقا حقيقية، معتقدة بأنهم سلموا مصيرهم لها ولقراراتها البائسة.

لم يفكر قادة الحركة الصهيونية بأن ما قاموا به في فلسطين من تطهير عرقي وطرد جماعي واحتلال قد يقع بالاتجاه المعاكس، بل يؤكد لنا التاريخ بأن ما تقوم به إسرائيل سيحقق لها مزيدا من الانتصارات لكن كل انتصار على وزن حرب 1967 وعلى وزن ضم الضفة الغربية والقدس مقدمة لنهاية الدولة اليهودية، فلا الدولة اليهودية القديمة عاشت لأكثر من 80 عاما ولا هذه الدولة ستعيش بسبب عنصريتها المطلقة إلا وراء جدران وحصار وعزلة قبل أن تصل لنهاياتها الطبيعية. فكرة الصهيونية بحد ذاتها فكرة رجعية تزداد انفصالا عن منطق العدالة والحقوق. الواضح ان الصهيونية كحركة لن تعرف كيف تتوقف في ممارسة الظلم والإذلال، وهذا هو بحد ذاته سيكون سبب سقوطها.
لم تنجح الصهيونية في المشرق العربي في بناء حالة تشبه أستراليا او أمريكا أو حتى كندا، ما بنته حتى الآن هو تجمع صغير نسبيا فوق جغرافيا صغيرة محاطة بمناطق عربية كثيفة السكان. لكن لسوء حظ الصهيونية هذه الجغرافيا هي قرى ومدن ووطن الفلسطينيين التاريخي، ومن سوء طالعها أن الفلسطينيين مستمرون جيلا وراء جيل بالتمسك بوطنهم التاريخي. حلم الصهيونية بأن تتنازل الضحية عن وطنها طوعا لن يتحقق. فكما يدعي معتنقو الصهيونية بأنهم عادوا بعد ألوف السنين، كيف تتخيل الصهيونية بأن الفلسطينيين العرب سينسون فلسطين في جيلين أو سبعة أجيال؟ أرادت الصهيونية أم لم ترد سيبقى نار العودة مشتعلا بين الفلسطينيين على مدى العقود القادمة.
إن الصورة تزداد وضوحا حول طبيعة الصراع العربي الصهيوني، فلا استقرار للصهيونية طالما تقتات على سرقة وطن الفلسطينيين ومقابرهم وقراهم وارضهم، ولا استقرار في ظل الظلم وسفك الدماء. ما لا تفهمه الصهيونية بأن كل وضع لا يؤمن حقوق الفلسطينيين التاريخية والتي تتضمن حقهم بالأرض والمكان والعودة سيبقى الدولة اليهودية في حالة استنزاف. حق الشعب الفلسطيني بأرضه لا يعني طرد السكان اليهود( الإسرائيليين) من المكان والجغرافيا، لكنه يعني بنفس الوقت تخلي هذه المجموعة عن الصهيونية بصفتها آلية للتوسع العسكري ولإقصاء سكان البلاد الأصليين والتحكم بهم.
بعد أكثر من قرن على خروج الحكم الإسلامي العثماني من فلسطين وسقوط فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وبعد أكثر من سبعين عاما على قيام دولة إسرائيل لا مكان لدولة يهودية معتدية على ما هو ليس لها. المنطقي في الإطار النهائي والحل الإنساني والسياسي لهذا الصراع هو لدولة تساوي بين جميع مواطنيها دون النظر أكان هذا المواطن من الديانة اليهودية أم من الديانة الإسلامية والمسيحية. إن استمرار إسرائيل دولة مقتصرة على اليهود، كما يؤكد قانون القومية اليهودية التي أقرته إسرائيل، بينما سلطتها الاستعمارية المباشرة تتحكم بستة ملايين فلسطيني لا يمكن أن ينتهي سوى بتنازل إسرائيل عن يهودية الدولة. كيف تكون إسرائيل دولة لليهود فقط وأكثر و نصف السكان من العرب والفلسطينيين؟
وبالطبع لو فتح باب حق العودة للفلسطينيين فأن معظم سكان الدولة المسماة اليوم يهودية هم من الفلسطينيين العرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى